اندلعت نيران الحرب أخيرا ، وخابت آمال أنصار السلام الذين ظلوا طوال الأسابيع الأخيرة يعللون الأنفس بتغلب العقل على ساسة ألمانيا ، وامتناعهم عن المضي في سبيلهم الدموي ؛ وأخذت الجيوش الألمانية أخيرا تزحف على جارتها الصغيرة مذلة بما تكدس فيها من آلات التدمير والاهلاك ، وقد ضرب قادتها بكل الاعتبارات الأنسانية عرض الأفق . وكان لابد للدول الديمقراطية أن تنهض للوفاء بتعهداتها للدولة الصغري بمساعدتها على صد ذلك الطغيان المروع الذي ما زال ينبعث من أرض ألمانيا على رأس كل جيل من الزمان ؛ ذلك الطغيان الذي ينبعث عن رغبة جامحة في حكم العالم والسيطرة على شعوبه ، بعد أن امتلأت رؤوس أصحابه بعقيدة ثائرة متهورة ، أساسها أن ألمانيا فوق الجميع ، فوق الجميع في كل العالم .
وليس في العالم المتمدين شعب يرغب في السلام كشعب مصر ، كما أنه ليس في العالم شعب يقدس مبادئ العدالة والحرية مثل شعب مصر . ولهذا فإن البلاد من أقصاها إلي أدناها تشعر اليوم بهزة من الألم لهذه الدلالة الجديدة التي تدل على إدلال الأقوياء بقوتهم ، واستهانتهم بحقوق جيرانهم ، غير مؤمنين إلا بدين القوة ، ولا مقدرين لشيء في العالم غير عوامل القوة . ولا يسع مصر في هذه الظروف إلا أن تشعر في قرارة نفسها كل المقت لذلك الطغيان الدولي ، وان ترجو من صميم قلبها نصرة القانون الأسمي في الحياة ، قانون احترام حقوق الشعوب وحرياتها .
وستقف ألمانيا مرة أخرى في التاريخ موقف المسئول عن هدم المدنية ، وتسديد الطعنات القاسية إلي قلب الإنسانية ، وإهدار كل الاعتبارات التي تعلم الإنسان المتمدين أن يقدسها ويجلها ،
