الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 155 الرجوع إلى "الثقافة"

الحرب تعم كوكب الأرض،

Share

زال عن المحيط الهادي هدوؤه ... لقد كانت السحب القائمة تنشاء منذ زمن طويل، ولكن الأمل كان يلعب بالنفوس ويطمع محبي السلم أن ستنجاب تلك الغمة، ويصفو الهواء، وتدين الشهوات لحكم العقل، فتحقن الدماء، وتطمئن القلوب.

كان هذا أملا خائبا وطمعا في محال، فلم يلبث الجو ان ازداد اكفهرارا، وامتلا بالصواعق المدمرة، وأخذ التخريب والهلاك ينزل بالمحيط الهادي في قلبه، وفي سواحله شرقها وغربيها، وفي لمحة الطرف عمت الحرب كوكبنا الشقي النمس، وهرب الأمن من البقية الباقية

من أركانه التي كانت تنعم بالأمن. في اليوم السابع من هذا الشهر أعلنت اليابان فجأة على الولايات الأمريكية المتحدة، وعلى دولة بريطانيا حربا صريحة جريئة، لم تحاول فيها أن تفعل كما فعلت المانيا في زحفها على بولونيا، تاركة للدول الآخري أن تتحمل عنت إعلان الحرب، وكان بوسع اليابان أن تكتفي بالزحف على سيام، تاركة الرأي الامريكي مشتتا مقسما، والفرصة سانحة لانصار العزلة أن يرفعوا عقائرهم بأن سيام لا تعنيهم، وان الدم الأمريكي أغلى وأثمن من أن يبذل من أجل سيام.

بيد أن اليابان لم تفعل شيئا من ذلك، بل فضلت ان تكون البادئة بإعلان الحرب، وبسفك الدم الأمريكي الثمين فجأة ومن غير إنذار، ومهدت لضربتها المفاجئة بإرسال وفد إلي حكومة واشنطن لكي يفاوض، ويطيل المفاوضة، ويراوغ ما وسعته المراوغة، وأخذت المقترحات ترسل بالبرق إلى طوكيو، لكي تدرس على مهل وتفحص بتدبر وإمعان، وكان ختام تلك الرسائل رسالة جليلة هي آخر ما يلجأ إليه في مثل تلك الظروف - بعث بها زعيم أمريكا روزفلت إلي جلالة اليكادو عاهل اليابان العظيم، يناشده فيها السلم وحقن الدماء، ولم تكد هذه الرسالة تصل إلي يد جلالته، حتى كانت السفن الأمريكية تتلقي القذائف المدمرة من الجو، وأرواح أمريكية عديدة تلقي حتفها ... وفي جزر هاواي وحدها وبينها وبين اليابان ثلاثة آلاف وأربعمائة ميل ! لقي ألف وخمسمائة من السكان حتفهم في يوم وبعض يوم، وأصيب مثل هذا العدد بجراح بليغة، وقد بدأ هذا العدوان العنيف، والأمريكيون يعلمون علم اليقين أن ليس بينهم وبين اليابان حرب، ولذلك ناموا ملء جفونهم، حتى أيقظهم وقع القنابل تحمل الموت والدمار

إن خير وسيلة تمكننا من فهم هذه الحوادث المفظعة، ان تلم المامة قصيرة بمركز كل من الدول الكبرى في لمحيط الهادي، وعلاقة بعضها ببعض

لقد كانت اليابان إلي منتصف القرن الماضي دولة ذات نظام إقطاعي، منطوية على نفسها، ليس بينها وبين العالم الخارجي صلة، وتجارتها الخارجية توشك الا يكون لها وجود.

وفي عام ١٨٥٣ وصل إلي المياه اليابانية كبير من رجال البحرية الامريكية يدعي القومادور يومي، والتمس الأذن

بأن ينزل إلى البر، لكي يسلم رسالة من رئيس الولايات المتحدة إلى جلالة الامبراطور. وبعد ان سلم الرسالة ودع وانصرف، واعدا بأن يعود بعد مضي عام كامل، لكي يتلقي الرد من حكومة جلالته. وقد عاد في عام ١٨٥٤، واستطاع ان يعقد معاهدة تجارية تخول السفن الأمريكية الحق بأن ترسو في بعض الموانيء اليابانية، فتشتري منها ما تحتاجه من بضاعة ومؤن. وان تقوم بالتجارة في الحدود التي تضمنها الحكومة اليابانية

فتحت هذه المعاهدة لليابان بابا خرجت به من عزلتها، وأخذت تزداد اتصالا بالعالم الخارجي، وشرعت في نهضتها الاقتصادية الحديثة، فبنت الطرق الحديدية، واناشات حكما نيابيا، واخذت تقلد الغربيين في اساليب تقدمهم. فلم تلبث ان ارتقت صناعانها وتجارتها، واخذت سفنها تجتاز المحيطات، وأرسلت مندوبيها وبعثاتها إلي جميع انحاء العالم. وكانت نهضتها السريعة موضع إعجاب عام، ولكنها لم تكتف بالنهوض الاقتصادي والاجتماعي، بل اخذت في إبان نهوضها تفكر في التوسع وضم أقطار جديدة.

تتألف بلاد اليابان الأصلية من جزيرتين كبيرتين، بزو في الشمال وهندو في الجنوب. والأخيرة اكبر واجل خطرا من الأولى. وهنالك جزر اخرى أقل حجما وخطرا، أهمها الجزر الجنوبية الملاصقة لهندو. بدأت اليابان توسعها في الأراضي، بان طلبت واخذت من روسيا جزر كوريلي - وهي جزر ممتدة من شمالي اليابان إلى شبه جزيرة كمتشتكا في الطرف الشرقي من سيبيريا - وذلك في مقابل تنازل اليابان عن حقها في جزيرة سخالين. وكان ذلك في عام ١٨٧٥.

وفي العام التالي مباشرة استولت السابان عنوة علي جزر اخري جنوبي الجزر اليابانية، وهي جزائر لوتشو

التابعة للصين. وكان من الواضح أن الصين في حالة من الضعف السياسي والحربي بحيث لا تستطيع لاعدائها دفعا. ولذلك شنت اليابان حربها الاولي علي الصين في عام ١٨٩٤، وبواسطة هذه الحرب استولت اليابان على كوريا، وجزيرة فرموزا الغنية ...

وتم لها ذلك في عام ١٨٩٥، وهي سنة هامة في تاريخ اليابان، فان بسط نفوذها على كوريا قد اخرج اليابان عن كونها مجرد دولة بحرية في جزيرة، وجعل منها دولة من دول القارة، تلاصق حدودها سيبريا الروسية، ومنشوريا، التى للروس فيها نفوذ كبير.

أما استيلاء اليابان علي جزيرة فرموزا فقد قربها من جزر الفلبين، إذ ليس بين الاثنتين سوي ثلثمائة من الكيلومترات، بل إن هنالك جزرا صغيرة تنتمي إلي الفلبين، ليس بينها وبين فرموزا سوي مائة واحدة من الكيلومترات.

كان احتلال اليابان لكوريا نذيرا للشر بينها وبين روسيا، فاشتملات الحرب بينهما عامي ١٩٠٤ و ١٩٠٥، وانتهت بانتصار اليابان، وعقد الصلح على ان يكون لليابان النصف الجنوبي من جزيرة سخالين، وان تنسحب الحدود الروس من منشوريا، وتعترف بالنفوذ الياباني في كوريا.

ودخلت اليابان الحرب العالمية الأولى إلي جانب الخلفاء، فاستطاعت أن تستولي على مجموعات من الجزر التابعة لالمانيا في المحيط الهادي، وعلى مستعمرة المانية على سواحل الصين ، ثم اخذت تمعن في توغلها السياسي والاقتصادي في بلاد الصين؛ والدول الكبرى في شغل بالحرب الطاحنة، وليس بينهم من يرغب في إثارة مشكلة جديدة في الشرق الأقصى

وكانت أكثر الدول تألما لمسلك اليابان دولة الولايات

المتحدة الأمريكية، التي آلها أن ترى اليابان لا تشترك في الحرب الكبري إلا بالاستيلاء على ممتلكات المانيا، وانتهاز قرية اشتنال حلفائها بالحرب، لتوسيع نفوذها في الصين

ولا بد لنا هنا ان نلقي نظرة إلي الجانب الشرقي من المحيط الهادي، ولتستوضح الصلات التي تربط الولايات المتحدة بالشرق الأقصى .

ليس بين أيدينا أقل دليل على أن للولايات المتحدة مطامع استعمارية في شرق آسيا. وقد استولت بعد حربها مع اسبانيا علي جزر الفلبين في عام ١٨٩٩. وبعد ذلك لم تزل تتمشي معها بالتدريج في الحكم الذاتي حتي منحتها الاستقلال التام منذ بضعة أعوام.

على أن للولايات المتحدة مصالح تجارية خطيرة في الصين وفي جزر الهند الشرقية. وقد رأت امريكا ان خطة اليابان ترمي صراحة إلى الاستئثار بتجارة الشرق الأقصي، وإلى بسط نفوذها على جميع أقطاره؛ وان اليابان تتخذ في سياستها هذه أساليب خالية من كل مجاملة. وأنها لو تركت لتمضي في خطتها الأسيوية فإن أمريكا لن تلبث حتى تبعد إبعادا تاما عن الشرق الأقصي .

إن بين امريكا وبين سواحل آسيا مسافات شاسعة فبينها وبين الصين ما يزيد على خمسة آلاف من الاميال وبينها وبين جزر الفليين مثل هذه المسافة. ولم يكن يد من أن تكون لها محطات لتموين سفنها التى تخترق المحيط الهادي. واهم الجزر التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في هذا هي جزر هاواي، التي تبعد عن سان فرنسسكو بالفي ميل، وجزيرة جوام الصغيرة الواقعة شرق الفلبين بنحو ألف وخمسائة من الأميال. وقد استطاعت اليابان باحتلال الجزر التى كانت من قبل تابعة لالمانيا ان يكون لها ممتلكات في شمال جزيرة جوام وفي جنوبيها. وهي بهذا

تهدد الطريق البحري من أمريكا إلى آسيا تهديدا بدا واضحا.

ولهذا لم تكد الحرب الكبرى تضع أوزارها وتعقد معاهدات الصلح عام ١٩١٩، حتى دعت امريكا الدول ذات المصالح الهامة في المحيط الهادي إلى مؤتمر عقد في وشنطن، اتخذت فيه قرارات خطيرة، أهمها: المحافظة على سياسة " الباب المفتوح " للتجارة في الصين والمحافظة على السلم والحالة السائدة في الشرق الأقصى وألا تقوم اليابان بتسليح الجزر التي آلت إليها في المحيط الهادي. وفي هذه المعاهدة أيضا اتفقت الدول الثلاث أمريكا وبريطانيا واليابان على ان تكون قوتها البحرية في البوارج المدرعة بنسبة ٢.٥:٥ علي التوالى. وقد قبلت اليابان هذه الشروط جميعا وهي تنوي ان تنتظر ، وان تتربص حتى تسنح لها فرصة لتحقيق ماربها الذي اصبح مقررا ثابتا، وهو التوغل في الصين، وإبعاد كل دولة اخري غير اليابان عن الشرق الأقصي.

واتباعا لهذه السياسة أغارت اليابان على منشوريا واستولت عليها في عام ١٩٣٢، وقد رأت بين الدول الكبرى تخاذلا، ونزوعا إلى اتباع سياسة السلم والمداراة، وقد اتضح لها عجز تلك الدول عن ان تتفق على سياسة مشتركة؛ فان الحكومات والراي العام في بريطانيا وامريكا ينفر أشد النفور من المغامرة في حرب جديدة. وروسيا تعانى من عداوة المانيا النازية، ومن نفور الدول الرأسمالية ما يجعلها عاجزة بمفردها عن مناواة اليابان مناوأة جدية، ورأت ان الحليف الطبيعي الذي تستطيع ان تجني من محالفته قائدة قيمة هو المانيا وإيطاليا، فانضمت إلى الميثاق المناهض للشيوعية .

ومنذ نحو خمس سنوات زحفت اليابان على الصين، وأخذت تتوغل في ارجائها، وأغارت عليها من الشمال ومن الوسط والجنوب، حتى استولت على جميع الولايات

الصينية الشرقية؛ وهي أغني الولايات، وأكثرها ازدحاما بالسكان

حدث هذا كله دون أن تحرك الولايات الأمريكية ساكنا، وقد بذلت بعض المساعدة للصين، وفعلت بربطانيا وروسيا مثل هذا ، ولكن ظل الصينيون وحدهم في الميدان يجالدون هذا العدو القوي العنيف خمس سنوات

ثم بدأت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وبين ألمانيا وروسيا محالفة صداقة وعدم اعتداء أدهشت اليابان؛ فإن صديقتها قد حالفت عدوتها فلم يكن بد من الانتظار، والمضي في حرب الصين، والتربص للفرص السانحة.

وقد سنحت الفرصة الأولى يوم استطاعت اليابان أن تنتزع من فرنسا المغلوبة حق الدفاع عن الهند الصينية. وقد أكسبها هذا الاتفاق حق احتلال هذه البلاد العظيمة الثروة، كما أكسبها موقعا حربيا جليل الفائدة للاغارة على سيام وبرما، وبلاد الملايو، وجزر الهند الشرقية

بفضل الاستيلاء على الهند الصينية، أصبحت اليابان مسيطرة على جميع سواحل شرق اسيا، ما عدا سواحل سيبريا التابعة لروسيا. وباحتلالها لجنوب الصين، واستيلائها السهل على سيام، بات في وسعها ان تحشد قواتها كلها في أمكنة يسهل منها الإغارة على أعدائها. ومع ان الزعيم هتلر حليف اليابان، خطب يوم الخميس الماضي خطبة عنيفة، خصص الجزء إلاكبر منها للطعن في روسيا وفي حكومتها. فان اليابان لم تعلن الحرب على روسيا، مع ان ألمانيا وإيطاليا اعلنتا الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل اليابان.

ولعل السبب الاكبر في ذلك ان اليابان لا ترى فائدة كبيرة من الاغارة على روسيا في الوقت الحاضر ( البقية على صفحة ٣٠ )

اشترك في نشرتنا البريدية