فى مثل هذا الوقت من العام الماضى ، قام الجنرال ويفل بهجومه الشهير على لوبيه ، فقضى فى أسابيع قلائل على جيش المارشال جراسيانى - الذى كان قد بدأ غزو مصر بالفعل وتقدم حتى وصل إلى سيدي برانى - واستولى على ولاية برقة كلها حتى بنغازى ؛ وظن يومئذ أن الخطر على مصر من الغرب قد انتهى ، واتجهت الأنظار صوب الشرق ترتقب الخطر من هذه الناحية .
ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى وقعت الكارثة فى شهر أبريل ، واستطاعت قوات المحور التى أعيد
تنظيمها ، وعززت ببعض الفرق المدرعة الألمانية التى جازت إلى لوبية عن طريق المياه التونسية ، أن تنتهز فرصة اشتغال القوات الأمبراطورية فى الحملة اليونانية ، وأن تسترد برقة من الانكليز بهجوم فجائى سريع لم بحسب حسابه ، ولم يقف هجومها إلا بعد ان توغلت فى الأراضى المصرية إلى ما بعد السلوم ؛ ولم يستطع الانكليز أن يحتفظوا من برقة إلا بثغر طبرق فى الشمال ، وواحة جتبوب فى الجنوب .
ومنذ إبريل ، والمناوشات سجال بين الفريقين على
حدود مصر الغربية ، والطائرات البريطانية تضرب مواقع الألمان والايطاليين على طول الساحل باستمرار ، وطائرات المحور ترد بالإغارة على الثغور والمدن المصرية ، وحامية طبرق محصورة تمون من البحر ، والأسطول البريطانى يتجول فى مياه البحر الأبيض الوسطى يتعقب القوافل البحرية الايطالية القادمة إلى لوبية ويفتك بها ، ويعرقل بذلك تموين قوات المحور وإمدادها .
وتطورت حوادث الحرب الأوربية فى تلك الأثناء تطورا سريعا ، فغزت الجيوش الألمانية روسيا منذ أواخر يونيه ، وتوغلت فيها مساحات شاسعة ، ولكنها لقيت من الروس أعنف مقاومة ، وصمدت الجيوش الروسية أمام موسكو ولننجراد إلى الآن ؛ بيد أنها واصلت تقهقرها فى الجنوب ، حتى وصل الألمان إلى مصب نهر الدون ، وأصبحوا على أبواب القوقاز ؛ ووقعت من جهة أخرى تطورات هامة فى الشرق الأوسط ، فاستولى الحلفاء على سوريا ، واحتلوا إيران ، واستطاعوا بذلك أن يفتتحوا طرقا جديدة لامداد روسيا بمعاونة أمريكا من الجنوب ، أن ينشئوا جبهة دفاعية متصلة من الهند إلى سوريا وفلسطين .
وكان من المتوقع ، منذ نشبت الحرب الألمانية الروسية أن يحاول الانكليز خلق جبهة ثانية لمقاتلة قوات المحور ؛ وقد أشار إلى ذلك الرفيق ستالين فى خطابه الذى ألقاه أخيرا فى عيد الثورة البلشفية ؛ ولما لم يكن من الميسور أن يكون هذا الميدان الجديد فى أوربا ، فقد كانت الأنظار تتجه فى ذلك إلى لوبية ، حيث تستطيع القوات البريطانية أن تتصل بقوات العدو مباشرة ؛ وكان نشاط الأسطول البريطانى فى البحر الأبيض المتوسط لمطاردة القوافل البحرية الإيطالية ، وتكرر الغارات العنيفة من جانب
الطائرات البريطانية على بنغازى وطرابلس وعلى جميع قواعد المحور فى لوبية ، فى المدة الأخيرة ، مما ينذر بأن الهجوم البريطانى أضحى وشيك الوقوع .
ووقع الهجوم البريطانى أخيرا ، بعد أن وضعت خططه وتفاصيله منذ أشهر ، كما صرح بذلك مستر تشرشل وأعدت له العدد الكافية من العتاد والدبابات والطائرات وكان الهجوم من المفاجأة والعنف بحيث استطاعت القوات البريطانية أن تشطر القوات الألمانية والإيطالية فى عدة مواضع ، وأن تحصر القسم الأكبر منها فى المثلث الواقع بين سيدى عمر والبحر شرقا ، وطبرق غربا ؛ وأن تستولى بسرعة على حصن كابونزو ، والبردية ، وجمبوت وسيدي رزق الواقعة ؛ جنوبى طبرق على قيد أميال قليلة منها ؛ وخرجت حمية طبرق المحصورة وتقدمت أيضا نحو الجنوب لتنتصل القوات البريطانية الرئيسية ، وقد وقع هذا الاتصال بالفعل بعد جهود عنيفة ، وتم بذلك تطويق القسم الأكبر من القوات الألمانية ؛ وما زالت فصائل الدبابات والقوى المدرعة من الجانبين تشتبك فى معركة هائلة فى منطقة سيدى رزق ، يستمر لظاها منذ بضعة أيام ، ولم تتضح نتائجها النهائية بعد .
وقد فهمنا من بيان مستر تشرشل فى مجلس العموم ، وكذلك من تعليقات الدوائر والصحف البريطانية ، أن الغرض من الهجوم الحالى هو قبل كل شئ القضاء على القوات الألمانية المدرعة ؛ ومن ثم كانت المعارك التى تدور رحاها بين القوات المدرعة من الجانبين ، وهى معارك بتكبد الفريقان فيها باعترافهما خسائر شديدة .
على أنه يبدو من الأنباء الأخيرة أن كفة القوات البريطانية قد اخذت فى الرجحان ؛ وأن الهجوم البريطانى تشتد وطأته ويتسع مداه ، بالرغم من مقاومة الألمان العنيفة ؛ وهنالك ما يدل على تصميم القوات البريطانية على
أن تحقق مهمتها مهما كلفها الثمن ، وهى بلا ريب فى مركز يفضل مركز العدو من وجوه كثيرة ؛ فهى على مقربة من قواعد تموينها ، ومن الممكن أن تعزز فى كل وقت ، وأن تمد بما نحتاج إليه من العتاد والوقود ، خصوصا بعد أن فك حصار طبرق ، وأصبح من الميسور أن تستعمل قاعدة للامداد والتموين مباشرة من البحر ؛ هذا إلى ما أثبته سلاح الطيران البريطانى من تفوقه المحلى على قوة الطيران الألمانى التى فقدت الآن معظم قواعدها ؛ أما الألمان فمن المتعذر عليهم أن يجلبوا إمدادات جديدة بغير طريق الجو ، وهى وسيلة قاصرة غير ناجحة خصوصا فيما يتعلق بالقوات المدرعة ؛ والحرب الروسية تستغرق كل قوى الألمان وكل جهودهم ومتى استطاعت القوات البريطانية أن تقضى على مقاومة الألمان الحالية وهى مقاومة أخذت تخبو جذوتها فقد فتحت أمامها أبواب لوبيه كلها ، وأضحي أمر القوى الإيطالية الباقية هينا لا يقتضى كبير عناء .
ومن الواضح أن نجاح الحملة اللوبية تترتب عليه نتائج هامة ، سواء من الناحيتين العسكرية والسياسية ، ولاسيما فيما يتعلق بمصر ، التى هى فى الواقع محور الصراع الحالى ؛ فقد عقدت دولتا المحور النية على غزو مصر ، مذ دخلت إيطاليا الحرب ، وحاولتا هذا الغزو مرتين : الأولى حينما اجتاز جيش المارشال جراسيانى حدود مصر الغربية فى شهر سبتمبر من العام الماضى ووصل إلى سيدى برانى ، والثانية حينما تقدمت القوات المدرعة الالمانية صوب الحدود المصرية فى إبريل الماضى ؛ ولم يكن ثمة شك فى أن نجاح قوات المحور فى هذه المحاولة يغدو ضربة خطيرة تصيب مواصلات الامبراطورية البريطانية فى الصميم ، وتحدث ثغرة عميقة فى خط الدفاع الامبراطورى ،
وتفتح لقوى المحور مجالا واسعا للعمل فى الشرق الأوسط ، كما أنها تعرض مصر والأمم العربية للسقوط فى قبضة المحور . أما القضاء على قوات المحور فى لوبيه فانه يترتب عليه ما يأتى :
أولا - تأمين مصر من خطر الغزو من ناحية الغرب ؛ وتدعيم سلامتها وتأمين قناة السويس ، وطريق البحر الأحمر ، وتعزيز خط الدفاع الامبراطورى فى الشرق الأوسط ؛ والتقليل من خطر الغارات الجوية على مصر ، وذلك بالقضاء على قواعد العدو الجوية القريبة منها .
ثانيا - أن ضياع لوبيه وهى آخر قاعدة المحور فى شمال أفريقية يمكن الأسطول البريطانى من بسط سيادته على أواسط البحر الابيض المتوسط ، وهى المنطقة الخطرة الوحيدة التى تعترض القوافل الانكليزية البحرية فى هذا البحر ، وبذلك تتحسن المواصلات البحرية بين جبل طارق والاسكندرية ؛ وقد يكون لذلك أثره فى تحسين أحوال التموين والتبادل التجارى فى مصر والشرق الأدنى .
ثالثا- أن حصول الانكليز فى لوبيه على قواعد ومطارات قريبة من شواطئ إيطاليا الجنوبية ، يمكن سلاح الطيران البريطانى من ضرب الثغور والمدن الإيطالية ضربا شديدا متواصلا ، وقد يعزز مشاريع الغزو الانكليزية لصقلية أو سردانيه مثلا ؛ هذا الى حصول الاسطول البريطانى على قواعد ومرافئ حسنة فى بنغازى وطرابلس .
رابعا - أن القضاء على قوات المحور فى لوبيه يكون ضربة شديدة لهيبة ألمانيا العسكرية ، لها أثرها فى العالم كله ؛ هذا إلى أن وصول القوات البريطانية إلى تونس ، بكشف مؤخرة أفريقية الشمالية الفرنسية ، ويؤثر فى موقف حكومة فيشى تأثيرا واضحا ؛ فاما أن يقنعها
بخطر الخضوع المطلق لطالب الالمان ، فتتذرع بشئ من الشجاعة والحزم ، حرصا على سلامة الأملاك الفرنسية ؛ وإما أن ترتمى نهائيا فى أحضان الألمان بفكرة أن تعاونها المطلق مع ألمانيا هو وحده الكفيل بانقاذ أفريقية الشمالية من الوقوع فى يد الفرنسيين الاحرار .
هذه هى الآثار المحتملة التى يمكن أن تترتب على نجاح الحملة البريطانية فى لوبيه ، وعلى انهيار قوى المحور فى هذا الميدان . ولا ريب أن هذه الآثار أشد ما تكون اتصالا بسلامة مصر وأمنها وطمأنينتها ؛ بيد أنه لا ريب أيضا فى أن هذا النجاح يتعدى أثره فى نفس الوقت إلى الموقف فى الشرق الأدنى كله ، بل قد يتعدى إلى التأثير فى الميدان الروسى نفسه . ذلك أن المفهوم أن القوات البريطانية متى أتمت مهمتها فى لوبيه بنجاح ، فانه
يمكن نقل جانب كبير منها إلى الشرق الأوسط ، لتعزيز خط الدفاع الجنوبى فيما بين إيران وسوريا ؛ فاذا تطورت الحرب الروسية فى الميدان الجنوبى ، واتسع مدى الهجوم على القوقاز ، وإذا وقع هجوم فجائى من الالمان على تركيا ، وقاومت تركيا هذا الاعتداء ، فمن الممكن أن تغدو هذه القوات الامبراطورية عاملا هاما فى تطور الحوادث فى هذا الميدان ، ومن الممكن عندئذ أن يمد الانكليز حلفاءهم الروس أو الترك بمعاونات قيمة من الرجال والعتاد والطائرات .
على أن ذلك كله يتوقف بالطبع على نتائج المعارك العنيفة التى ما زالت تضطرم فى الصحراء اللوبية حتى كتابة هذه السطور .

