الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

الحرب في نورمنديا

Share

يمتد الساحل الشمالي من فرنسا قبالة الساحل الجنوبي لإنجلتره ، وبين الساحلين ذلك البحر الضيق الذي يدعوه الفرنسيون إسم المانش ، ويسميه الإنجليز القتال الإنجليزي ! وهو أضيق ما يكون في الشرق ، حيث لا يكاد يتجاوز العشرين ميلا . ويتسع ناحية الغرب حتى يزيد على المائة والسبعين ميلا ، ولكن هذا الاتساع التدريجي من الشرق إلى الغرب ليس مطردا ، بل هنالك حالة واحدة شاذة عظيمة الخطر ، وهي أن الجزء الأوسط من ساحل فرنسا الشمالي ، يمتد متوغلا نحو الشمال ، مقتربا من إنجلتره ، في شكل شبه جزيرة ، وهي المعروفة باسم كونفتان ، والتي تصفها الأنباء باسم شبه جزيرة شربورج . في هذا الموضع تدنو فرنسا من سواحل إنجلتره دنوا كبيرا ، بحيث لا يفصل بين البلدين سوى ٧٥ ميلا . ولابد لها إنصافا لانجلتره أن تذكر أن سواحلها المقابلة لشربورج تدنو هي أيضا من فرنسا قليلا ، وذلك بفضل وجود جزيرة شهيرة

تسعى جزيرة وايت ، التي تقع شمال شربورج تماما .

كان هذا الساحل الشمالي من فرنسا في الزمن الأول مقسما بين ثلاثة أقطار : نورمنديا في الوسط ، وبيكارديا في الشرق ، ويربتانيا في الغرب . هذه هي الأسماء القديمة التي أزالتها الثورة الفرنسية ، وأحلت محلها أسماء جديدة مقتبسة من الأنهار والجبال والظاهرات الطبيعية المختلفة . ولكن الخيال البشري لا يزال متعلقا بتلك الأسماء القديمة التي تحمل ذكريات وتنبىء عن أحداث ذات أثر عميق في تاريخ العالم .

وعلماء الجيولوجيا يزعمون أن شمال فرنسا وجنوب إنجلتره ، كانا في زمن قديم أرضا واحدة متصلة الأوصال والأجزاء . ثم فصلت حوادث الدهر بينهما ، وغاضت الأرض فيما بينهما ، وهوت تحت سطح الماء . ولكن أحداث الدهر هذه لم تستطع أن تفصل بين الأرضين فصلا شديدا . واستطاع الإنسان أن يصل ما قطعته

الجيولوجيا ؛ وجمعت أحداث التاريخ الشتيتين في مناسبات عديدة : عدائية تارة ، وودية تارة أخرى ؛ وها نحن أولاء اليوم فشهد مظهرا آخر لهذا الاتصال المتين بين القطرين .

وإقلم نورمنديا - الذي تجري الحرب اليوم في جزء منه - يقع معظمه في غريب نهر السين ، ولكن له امتدادا قليلا شرقى السين ؛ ومن أهم مدنه هنا ميناء الهاقر ومدينة روان ، وميناء دباب الواقعة في آخر الطرف الشرقي من نورمنديا .

وقد اشتهر هذا الإقليم من فرنسا - فوق شهرته التاريخية - بوفرة الخصوبة ، وكثرة الغلات ، وغزارة الزررع والشجر والمراعي الغنية والمروج البائعة . وتغلب عليه السهوله بوجه عام ؟ فليس فيه جبال عالية ، وإن لم يخل من نتوءات وكثبان ومرتفعات منتشرة من غير نظام ، وعلى الأخص في الجزء الجنوبي منه .

وإلى الغرب من سواحل نورمنديا عدد من الجزر تسمى جزر القنال ، وأهمها جزيرة جيرزي وجرتزى . وهذه الجزر قريبة جدا من سواحل نورمنديا ، وأقربها لا يبعد  بأكثر من عشرين ميلا . ومع هذا فإن هذه الجزر القريبة من قسا تابعة لبريطانيا ؛ وأهلها يتحدثون بلهجة فرنسية قديمة ، وهي من بقايا اللغة التي كان يتحدث بها النورمينديون . وتبعية هذه الجزر تلك إنجلتره مثل البقية الباقية من دوقية نورمنديا ، يوم أن كانت كلها جزءا من أملاك ملك إنجلتره ، ثم زال هذا الملك كله ، ولم يبق له منه سوى تلك الجزر .

وفي أواخر الصيف عام ١٩٤٠ رأت بريطانيا أن تخلى تلك الجزر ، فإن الدفاع عنها في ذلك الوقت كان يتطلب جهودا جبارة ؛ ومنذ ذلك الوقت قد أصبحت تلك الجزر تحت سيطرة الألمان ، الذين قاموا بتحصينها تحصينا منيعا ، بحيث يكون من العبث مهاجمتها اليوم ، لأن مصيرها مرتبط بمصير الإقليم المجاور من فرنسا ؟ فإذا أجلى الألمان عن

نورمنديا وبريتانيا ، فلا بد لهم من الجلاء عن تلك الجزر .

وقد اختار الحلفاء ، لميدانهم الجديد الثلث الغربي من سواحل نورمنديا ، وهو إقليم لم يعرف الحرب منذ زمن بعيد ؛ ولابد لنا من الرجوع خمسة قرون إلى الوراء ، إلي زمن حرب المائة سنة بين فرنسا وإنجلتره ، لكي نري نورمنديا ميدانا للحرب ، وتسمع بتخريب مدن نقرأ أسماءها اليوم ، مثل : كان ، وبايو . واليوم - بعد هذا العهد الطويل من السلم والرخاء - تعود الحرب مرة أخرى ، في أقوى وأضخم صورها ، إلى هذا الإقليم البعيد العهد بالحروب والقتال .

واقتسم الحلفاء الميدان بينها ، فكان للبريطانيين  النصف الشرقي ، وللأمريكيين النصف الغربي ، وهذا يشبه التقسيم الذي رأيناه في إيطاليا . وقياسا على الميدان الإيطالي ، ليس من الضروري أن يكون القسم الامريكي أمريكيا صرفا ، والبريطاني بريطانيا صرفا وقد حاولت في المقال الماضي أن أشرح الأسباب التي تحمل على الظن بأن الالمان كانوا يتوقعون أن يكون الهجوم في الجانب الشرقى من نهر السين ، وأنهم لهذا السبب لم يستطيعوا أن يحشدوا بسرعة القوات اللازمة لمواجهة جيش الغزاة.

لقد كان أمام الغزاة واجبات شاقة بجهدة ، إذ كان عليهم أن يزيلوا الألغام والعقبات القائمة على الشاطئ ، ثم يتغلبوا على الحاميات الساحلية ، ويحتلوا مساحة تمكنهم من العمل والتقدم ؛ ولابد لهم في أثناء هذا كله أن يتابعوا نقل الجنود والذخيرة ، من بريطانيا إلى شواطئ نورمنديا الضحلة ، التى لا تستطيع السفن أن ترسو عليها ، والتي لا بد لها من زوارق خاصة تعمل دائبة للنقل بين السفن والسواحل .

كان في هذا كله الفرصة اللازمة للألمان لكى  يجمعوا جموعهم ويحشدوا جيوشهم ، ولكنهم فيما يبدو لم يستطيعوا أن يحشدوا قوة كبيرة بالسرعة اللازمة ، اللهم إلا في القطاع الشرقي في مواجهة القوات البريطانية . وقد

دارت في هذا القطاع معارك عنيفة حول بلدة  كان ونيلي ، وظلت الحرب فيه زمنا طويلا وهي سجال بين الفريقين .

أما في القطاع الغربي فقد صادف فيه الأمريكيون كثيرا من التوفيق ، فإنهم بعد أن استولوا على كارنتان ، وقطعوا خط الاتصال الرئيسي المتجه إلى شربورج ، واصلوا تقدمهم في ثلاث اتجاهات : أولها نحو الجنوب حيث استولو على سان لو ، والآخر إلى الشمال حيث أغاروا على مونيورج ، والثالث إلى الغرب لكى يصلوا إلى الساحل الغربي من شبه جزيرة شربورج ، ليفصلوها فصلا تاما عن سائر فرنسا تمهيدا لإتمام الاستيلاء عليها . وقد سار الزحف الأمريكى للاستيلاء على شربورج بسرعة مدهشة ، فبينما الجيش الأمريكي يثبت أقدامه في كارنتان إذا هو يطل على الساحل الغربي ، إذا هو يزحف إلى الشمال ، وإذا هو محدق بمدينة شربورج ، وهي الثمرة الكبرى التى تطمح إليها أنظار الحلفاء . وهكذا يحالف السعد الجيش البانكي ، الذي كان بالأمس هو الزاحف على روما في الجبهة الجنوبية . وهو الزاحف اليوم على شربورج في الجبهة الشمالية .

تقع ميناء شربورج  على الساحل الشمالي لشبه الحزيرة ، وهذا الساحل يرسم في تعاريجه شكل حرف التاء . وفي مكان النقطتين جزيرتان قريبتان من الشاطئ  تحميانه من الأعاصير الشرقية والغربية وفي هذا الموضع ( أي في وسط التاء ) خليج صغير هو الذي ينبت فيه ميناء شربورج . ولحمايتها من الأعاصير والأنواء الآتية من الشمال بنى أمامها في قاع البحر حاجز ضخم للأمواج ، فلما نجد له بين الحواجز نظيرا ، وقد استغرق بناؤه أزمنة طويلة منذ عهد لويس السادس عشر ؛ طول هذا الحاجز أربعة كيلو مترات ، وسمك أساسه في الماء  ٢٠٠ متر ، وسمكه فوق سطح الماء عشرة أمتار . وهو يمتد من الشرق إلى الغرب أمام شربورج فيمنحها الوقاية اللازمة من الأنواء . وعلى هذا الحاجز حصون أربعة للدفاع عن الميناء ، إلى جانب

الحصون المتيمة على الجزيرة ، وحول الميناء شرقا وغربا

ولكن هذه الحصون واقع أكثرها نحو البحر . وهي توفر الحماية الحربية الهائلة ضد أية قوة آتية من جهة البحر . وهنالك حصون أخري إلي الداخل من وراء المدينة من جهة الجنوب ، ولكنها هي أيضا للحماية من الخطر الآتى من البحر . ومن الجائز أن يكون الألمان قد أقاموا من الاستحكامات ما يضمن الدفاع عن المدينة من جهة الجنوب . أما الحصون الواقعة حول الميناء فلعلها قليلة الفائدة في دفع أي هجوم من جهة البر ، فإن من خلف شربورج مرتفعات تطل عليها ، فإذا زحف جيش من الجنوب فإن المدينة لن تستطيع مقاومته طويلا .

وشربورج بالطبع من أهم المواني الفرنسية . وهي تجمع بين الصفتين الحربية والتجارية ، ولها مرفأن للسفن ؛ واحد إلى الغرب وسط الصخور وهو المرفأ الحربي ، والآخر إلى الجنوب والشرق وهو المرفأ التجاري . وتمتاز شربورج بالتخصص في حركة النقل إلى الولايات المتحدة . وكثير من السفن التي تعبر المحيط الأطلسي ، من فرنسا وبريطانيا ، تبدأ عبورها من شربورج ، ولذلك كانت بها معدات ضخمة لخدمة أكبر السفن وأعظمها حمولة . ومهما خرب الألمان من معدات الميناء ، فإن شربوج ستكون ذات فائدة عظيمة للحلفاء ، وستزداد مقدرتهم على نقل الجيوش والذخائر والعدة الحربية ازديادا خطيرا .

وكان بوسع الألمان - أثناء احتلال الأمريكيين لشبه الجزيرة ، وانشغال جزء كبير من جيشهم في الاستيلاء على شربورج - أن يهاجموهم بقوة كبيرة من جهة الجنوب ، فإن الجيش الأمريكي كان بين القوات الألمانية في الشمال ، وبين قوات أخرى لا نعرف مقدارها في الجنوب . ولو أسرف المرء في التعبير لقال إن الأمريكيين كانوا " محاصرين " بين حبش ألماني في الشمال ، وآخر - لا نعرفه تماما - في الجنوب . فأما الجبش الشمالي فقد

تراجع إلي شربورج ليدافع عن الميناء ؛ وأما الجنوبي فلم يحاول مساعدة الجيش الشمالي بهجوم يقوم به ، وهكذا أعطى الأمريكيون الفرصة اللازمة للاستيلاء على شبه الجزيرة كلها .

والمرء مضطر ، إزاء هذه الحوادث ، وأمام عجز الألمان عن بذل المساعدة اللازمة لحامية شربوج في الوقت المنسب ، أن يفترض أن ليس للآلمان في الجنوب قوات احتياطية عظيمة يمكن أن يتألف منها جيش قوي بغير من الجنوب على مواقع الأمريكين .

ولئن صح ما افترضناه من قبل ، من أن القوات الألمانية موزعة في جهات عديدة ، وأن لا بد من مضي وقت قبل أن يمكن للقيادة الألمانية أن تجمع جيشا عظيما تلاقي به الغزاة . فإنها تحسن صنعا بالانتسرع بالدخول بالدخول في معارك كبيرة قبل أن يتجمع لديها ما يلزمها من العدة والرجال .

ويجوز لنا الآن أن ننظر إلي موقف الخلفاء الحربي في نورمنديا بأنه يتمتع اليوم بنصيب غير قليل من الاستقرار ، وأن فترة احتمال القذف بالغزاة إلي البحر قد انقضت . وقد ثبتت أقدامهم في مواقعهم الجديدة ، وتعمقوا بعيدا عن البحر ، بدرجة تجعلهم يسرحون في مساحة من الأرض تمكنهم من القيام بعمليات حربية هجومية . والأستيلاء على شبه الجزيرة بهيء للحلفاء قطرا بعيدا نوعا عن أماكن القتال ، ويمكن ان تنشأ فيه المطارات ، وقد يكون مركزا تحشد منه الجيوش .

واليوم وقد ثبتت مواقع الغزاة وأصبحوا يحتلون مساحة من الأرض لا يستهان بها ، فإن على الألمان أن ينظروا إلى الحرب نظرة جديدة . وأن يدركوا أنها قد ليست ثوبا جديدا ، فهم ليسوا امام غزاة من البحر ولابد من ردهم إلى البحر ، بل أمام قوة عظيمة تحارب في جبهة جديدة ، أي أن الحالة عادت - بدرجة مصغرة - إلي

ما كانت عليه في عام ١٩٤٠ وإن كان القياس مع الفارق . وأكبر مظهر لهذا الفارق أنهم منذ أربع سنين كانوا يحاربون عدوا بعد أعزل بالنسبة إليهم ؛ أما اليوم فأمامهم جيوش مدججة بأحدث الأسلحة وبأشدها فتكا وتدميرا . وفي ذلك اليوم كان الجيش الألمانى الهائل يحارب في ميدان واحد وقد حشد فيه معدات فتاكة لم يعرف لها الزمان نظيرا ، أما اليوم فالجيش الألماني موزع بين الميدان الشرقي والجنوبي والغربي ، وبين أقطار فسيحة احتلها وبسط عليها نفوذه وسلطانه .

فليس بيدع والحالة هذه أن يكون هنالك بطء في حشد القوات الألمانية في نورمنديا ، فإن العجلة في مثل هذا الأمر غير محمودة المغبة .

وقد تساءل الناس كثيرا - بعد نجاح الخالفاء في النزول بنورمنديا - هل تنزل قوات أخري للحلفاء في جزء آخر من سواحل أوربا التي تسيطر عليها ألمانيا ؟ لقد نصحت القيادة العليا للحلفاء بأن يظل صائدو الأسماك بالقرب من سواحلهم وقواربهم . ولاشك أن مثل هذا الغزو الجديد ليس بالأمر المستحيل ، ولكن النجاح العظيم الذي صادفه الحلفاء في نورمنديا قد يدعوهم إلى إرجاء مثل ذلك الغزو ، حتى يستغلوا نجاحهم هذا الاستغلال الكافي .

اشترك في نشرتنا البريدية