الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 160الرجوع إلى "الثقافة"

الحرب والبلاد الاسلامية, الحرب والبلاد الاسلامية

Share

اتسع ميدان الحرب حتى بات يشمل الأرض كلها ، برها وبحرها ، سهلها وجبلها . ولئن جاز لنا أن نقول إن في العالم اقطارا اشد اصطلاء بلهيب الحرب من غيرها ، فاننا لا نستطيع ان نزعم ان في العالم قطرا واحدا يستطيع سكانه ان يطمئنوا إلي ان هذه الحرب لن تتناولهم بأذي أو تلحق بهم ضررا .

ولم يكن بد - وقد اتسعت رقعة الحرب هذا الاتساع الهائل مند دخلها اليابان من ان تعم الحرب أقطارا اسلامية جديدة ، كنا من قبل نرجو أن نظل بنجوة من العذاب . فالمسلمون منتشرون في جميع انحاء الأرض ؛ ولهم شعوب عديدة تحتل أقطارا واسعة في الشرق الأقصى ، والشرق الأوسط ، وفي أوربا ، وفي إفريقية . وقد بانت الحرب على أبواب طائفة من تلك الأقطار ، واجتاحت وتوغلت في أقطار اسلامية اخري

في أوربا

إن مواطن المسلمين في أوربا تشتمل على بضعة أقطار في البلقان ، وفي روسيا . وقد اغار الطليان في خريف عام ١٩٤٠ على بلاد اليونان ، متخذين بلاد ألبانيا الاسلامية قاعدة لهجومهم ؛ فلم يلبثوا أن ضربتهم جيوش اليونان ضربات عنيفة ، وهزمتهم هزائم منكرة . ومضى الشتاء في عام ١٩٤٠ و ١٩٤١ وجيوش الطليان مدحورة مقهورة ، لا تعرف كيف تخرج من الورطة التى دفع بهم إليها الطمع والعدوان . وصادف ذلك اندحار قواتهم في برقة ؛ فلم يكن من زعيم إيطاليا إلا ان سلم زمام امره وأمر جيشه وامته إلي يد زميله القوي العنيد ، تاركا له كل حرية في تصريف الامور وإدارة دفة السفينة وسط هذه البحار الهوجاء التي اندفع إليها الطليان ، ولم يستطيعوا منها خلاصا

وتولي الزعيم الألماني وأعوانه القيادة كلها . وأخذوا يعدون العدة للزحف على البلقان . فاحتلت قواتهم بلغاريا من غير حرب . كما سبق لها ان احتلت رومانيا من غير قتال وفي كلا البلدين جماعات من المسلمين مبعثرة في شرق البلقان وغربه ، وأرادت ألمانيا من حكومة يوغوسلافيا تسليما وانقيادا كما سلمت رومانيا وبلغاريا وفي يوغوسلافيا عدد غير قليل من المسلمين يعيشون في مقاطعتي بوسنة وهرسك . ولكن يوغوسلافيا أبت الانقياد والتسليم فجوزيت على عصيانها هذا بحرب خاطفة ، وبتدمير ساحق لعاصمتها . وقد اغير عليها فجأة دون ان تعطي مهلة تحشد فيها قوتها . أما الجيوش الألمانية فكانت معبأة منذ زمن ، وعلى كثرتها وقوتها ، فإنها منذ انهزام فرنسا لم تكن تقوم بحرب في أي ميدان . . وأمام هذه القوة الهائلة ، لم تلبث جيوش يوغوسلافيا أن هزمت ، ولكن حكومتها أبت التسليم ، وارتحلت إلي جهة بعيدة

البقية علي صفحة ٣٣

) بقية المنشور على صفحة ٨ (

لكي تواصل الحرب جهد طاقتها . وقد تمكنت بعض الكتائب السربية - ولا شك أن فيها عددا غير قليل من المسلمين من تنظيم مقاومة جدية ، في الجهات الجبلية المنيعة ، ولا تزال هذه الحرب الغريبة مستمرة إلى اليوم

أما الأقطار الاسلامية الآخرى في بلغاريا ورومانيا والبانيا واليونان ، فان جيوش المانيا المنتصرة لم تلبث أن تم لها النصر الكامل على جميع بلاد البلقان ، والجزر المنتشرة حولها . وذلك في ربيع ١٩٤١ . ولم ينج من عائلة النازيين سوي البلاد التابعة لتركيا .

ولم يكد الألمان أن ينفضوا غبار الحرب البلقانية في شهر مايو الماضي حتى بادروا بالهجوم على روسيا في الثاني والعشرين من شهر يونيو . وفي روسيا عدد غير قليل من المسلمين ولكن البلاد الإسلامية الروسية واقعة كل في الجهات الشرقية والجنوبية الشرقية ، فهنالك كثير من المسلمين في الحوض الأوسط من نهر فلجا وفي شبه جزيرة القرم ، وفي بلاد القوفاز ، ومدينة كويبيشيف العاصمة المؤقتة واقعية في وسط قطر يكثر فيه المسلمون

والمسلمون في روسيا هم احيانا من صميم الشعب الروسي كما هي الحال في اعالي الفلجا ، أو من الطوائف المندمجة في دولة الروس كما هي الحال في الترسكان شبه جزيرة القرم ، أو القرغيز المرابطين في اسفل نهر فلجا ، او سكان اذربيجان وغيرهم من الطوائف التي تفطن القوقاز . فالبلاد الاسلامية جزء لا ينفصل من دولة الاتحاد السوفياتي ، وكثير منهم عبارة عن عناصر ممتازة في الحرب والقتال منذ قديم العصور . وليست لدينا انباء كثيرة تصف اعمالهم في الحرب ، ولكن ليس من شك في انهم ينهضون بنصيبهم من اعبائها إلي جانب مواطنهم من الروس . ولم تستطع الدعاية النازية ان تعبث بالسلمين في الاتحاد

السوفياتي بل لعل الحرب التي آثارها النازيون على روسيا قد وجدت كلة سكان هذه الدولة المترامية الأطراف التي تمتد من المحيط الهادي شرقا إلي سواحل البحر البلطي غربا .

وقد استطاع الآلمان في توغلهم نحو الشرق أن يحتلوا بلادا إسلامية مثل القرم ، وكانوا منذ شهرين يزحفون إلى القوقاز زحفا حثيثا . ولكن أدركهم بعد ذلك الشتاء الروسي والزحف الروسي ، فأجلاهم عن جزء من جزيرة القرم ، وأبعدهم عن ابواب القوفاز . وليس المستبعد ان تتراجع القوات الألمانية اكثر مما تراجعت . ولكن من العبث أن يظن أحد أن الخطر النازي على بلاد روسيا الاسلامية قد انهي بل الراجح أنه إما أرجي إلي الربيع القادم ، حين يعود الدف والحرارة إلى سهول روسيا . وإلي شهر مايو أو يونيو المقبل يستطيع سكان القوقاز أن يتنفسوا الصعداء

في إفريقية

لم يكد الحلفاء أن يبدأوا زحفهم في لوبيه في شتاء عام ١٩٤٠ و ١٩٤١ على الجيوش الضخمة العدة والعدد التي حشدها الطليان في برقه وعلي حدود مصر حتى تداعي ذلك البنيان الهائل ، وتفوضت صروحه صرحا بعد صرح ، وطهرت برقة بأسرها من الفاشين في شهرين او ثلاثة أشهر ثم عادت قوات الحلفاء فأغارت في شرق إفريقية على جيوش الطليان ، ولم يحل الربيع حتى حررت بلاد الارتربية والحبشة والصومال من الحكم الايطالي . وعاد النجاشي إلي مقر حكمه في اديس ابابا . وأنهارت الامبراطورية الايطالية الشرقية فأصبحت اثرا بعد عين .

وزال الخطر الأيطالي عن إخواننا سكان السودان ، بعد أن كان خطرا داهما قويا

ولكن في شهر أبريل عاد خطر المحور إلي الظهور بشكل قوي عنيف في شمال إفريقية ؛ فان القيادة البريطانية

في الشرق الأوسط اضطرت لأن تنقل عددا كبيرا من جيوشها من لوبية إلي البلغان ، ولم يترك في برقة لحماية هذه الفتوح العظيمة سوي قوات قليلة العدد والمران وقد تسلمت القيادة الألمانية زمام حرب المحور في كل مكان . فبعثت إلي لوبيه بقوات مدرعة عظيمة العدة كثيرة الخبرة بالحرب ، بقيادة رجل فائق المقدرة واسع الدراية بالحرب الحديثة ) فلم يلبث ان هجم هجومه الفجاني المشهور في شهر أبريل الماضي ، حتى استردت جنوده جميع ولاية برقة ، ما عدا بلدة طبرق .

وحمل الصيف بعد ذلك بحره وفيضه ، ولم يكن يد من ان تهدأ الحرب في المهدان اللوبي فترة طويلة من الزمن . ففي روسيا يعوق المحور الشتاء ، وفي لوبيا يعوق الصيف جميع المحاربين ، ويعطل الحركات الحربية الواسعة تعطيلا تاما . واستطاع الخلفاء أن يستكملوا ما ينقصهم من العتاد والرجال وشغلت الحرب الروسية الالمان عن إمداد قوانينهم في لوبيا بأكثر من القدر الضروري الذي لا غناء عنه

ثم دارت الحرب منذ ثلاثة أشهر بين الحلفاء والمحور في ارض برقة . وبعد ان شثبت عدة معارك عنيفة استطاع الخلفاء أن يرغموا جنود المحور على التقهقر من برقة ؛ فأخذوا يحاربون متراجعين نحو الغرب ، يقفون في موضع بضعة ايام ، ثم يتراجعون عنه إلى غيره وللمرة الأولى في هذه الحرب تري قوات ألمانيا تحارب متراجمة ، في كل من لوبيا وروسيا

ومن سبق الحوادث أن يتكهن أحد بالنتيجة النهائية للحرب في لوبيا . ولكن ليس من السهل على المحور ان يسترد مكانته في هذا القطر ، وخصوصا لان امامه في حرب روسيا ما يشغله عن ميدان هو من غير شك اقل خطرا من الميدان الروسي ، الذي يواجه بلاد ألمانيا نفسها . .

وقد عاد زعيم السنوسيين إلي وطنه . ولكي يأخذ في تأليف حكومة تنظم شئون برقة ، ولم شعبها ؛ لقد عانت رقة خاصة ولوبيا عامة وبلات شديدة على أيدي المستعمرين من الطليان . وليس من شك في أن المسلمين في جميع العالم يبغون أن يتقلص ظل النفوذ الايطالي عن هذا البلد بعد الذي قاساه من الحكم الفاشي

على أن لوبيا ليست مجرد إقليم إسلامي قائم بذاته ، بل هو باب العالم الاسلامي كله . فلو انتصر المحور هنا انتصارا حاسما ، لامتد نفوذ المحور إلي تونس ومراكش والجزائر غربا ، وإلى مصر وبلاد الشرق الأوسط شرقا .

في آسيا

وننتقل الآن إلي آسيا . وفي آسيا أكبر دول الاسلام جميعا ، وهي الدولة التركية التي استطاع رجالها بفضل حذقهم وبراعتهم السياسية ، ان يجنبوا بلادهم نكبات الحرب ، وان يحافظوا على حيادهم الدقيق إلي اليوم ؛ ولقد بات النفوذ النازي علي أبواب تركيا ، بعد أن تم للجيوش الألمانية النصر في البلقان في شهر مايو الماضي ، وحشدت قوات المانية في بلغاريا ، وجنود إيطالية في جزر بحر اليونان الملاصقة لسواحل تركيا ، واضطرت حكومة الجمهورية التركية إلي أن تبرم معاهدة صداقة مع دولة المانيا . وتوقع المتشائمون أن تهاجم الجيوش الألمانية تركيا ، لكي تنفذ منها إلى الشرق الأوسط . ولكن الله سلم ، وتحول العدوان الالماني نحو روسيا السوفياتية ، وابتعد الخطر النازي عن تركيا قليلا ، وإن لم يكن قد زال عنها تماما .

ولو أن جنود المحور اخترقت الأناضول وزحفت على الشرق الأوسط لكان هذا خطرا جسيما على هذه الأقطار ، ولم يكن للحلفاء في سوريا جنود ، وقواتهم في الشرق الأوسط قليلة . . وقد توغلت الدعاية النازية في العراق

وإيران ، وتولى الحكم في العراق حزب عسكري برئاسة رشيد عالي ثم يلبث ان شهر الحرب على الجيوش البريطانية ، واستجار بالنازيين في شهر مايو الماضي فأجاروه بارسال عدد كبير من قاذفات القنابل . وكانت تتخذ قواعدها في ارض سورية نفسها ولكن هذه المساعدة لم تجد نفعا ، واضطر رشيد عالي وحزبه الفرار إلي إيران ، وعادت حكومة العراق الشرعية إلي مستقرها . ورجع السلم إلي بلاد الرافدين .

وأغار الخلفاء على سوريا في الثامن من يونيو الماضي ودارت الحرب أربعين يوما ، وانتهت بزوال سلطان فيشي عن القطر الشقيق ، وإنشاء حكومة جمهورية في كل من سوريا ولبنان . واتصلت مصر بأقطارها الشقيقة سوريا والعراق . كما اتصلت بلاد الشرق الأوسط بتركيا

وكان للنازيين كما قدمنا أعوان ووكلاء في إيران . وبين إيران وروسيا معاهدة صداقة ، ولم يكن في وسع حكومة موسكو أن تغض النظر عن توغل الدعاة النازيين في أرض إيران . وكذلك كان من المفيد أن يتصل الحلفاء بالروس عن طريق إيران والقوقاز . وقد قيل إن بين روسيا وإيران معاهدة تحول قوات روسيا أن تدخل إيران إذا كانت حاجة الدفاع تتطلب ذلك . ومهما يكن من شئ فقد دخلت القوات الروسية أرض إيران من الشمال ، وقوات الحلفاء من الجنوب ، في الخامس والعشرين من شهر أغسطس الماضي . ولم تمض عدة أيام حتى سلمت حكومة إيران . وزال نفوذ المحور من البلاد ، كما زال بعد ذلك عن بلاد الأفغان . وانفتح طريق إيران لوصول الإمدادات البريطانية الأمريكية إلى الميدان الروسي وبذلك زال النفوذ المحوري عن الشرق الأوسط كله

في الشرق الأقصي

لقد ألمت الحرب بالمسلمين في الشرق الأقصي منذ زمن طويل ، بل من قبل الحرب الأوربية الجديدة ، فان في الصين عدة ملايين من المسلمين وأكثرهم في الولايات

الشرقية التي اضطر الجنرال تشانج كاي تشيك إلي التراجع نحوها أمام الزحف الياباني الذي بدا منذا كثر من أربعة أعوام . فالاقطار الاسلامية اليوم تحارب اليابانيين في الصين ، وتقاوم تقدمهم مع إخواتهم من غير المسلمين

وقد اتسع مجال العدوات على البلاد الاسلامية ، وازداد الخطر المحدق بها منذ شنت اليابان الحرب على بريطانيا وأمريكا وهولندة . ولقد أعدت اليابان لهذه الحرب عدة واسعة . وكانت تعمل كعادتها في الخفاء . ففاجأت العالم بهذا العدوان القوي العنيف ، الذي أصاب لهيبة البقية الباقية من الأقطار الاسلامية التي كانت تنعم بالسلم في جزر الهند الشرقية وفي بلاد الملايو

وهكذا تري التخريب والتدمير قد تناول أطراف البلاد الإسلامية في لوبيا وفي الشرق الأقصى وأوربا ، ولكن إلي اليوم لم تمس الحرب قلب العالم الاسلامي إلا مسا خفيفا ؛ فالحروب التي دارت في سوريا والعراق وإيران ، والإغارات الجوية على مصر ، بل الحرب في شرق افريقية نفسها تعد امرا هينا إلي جانب ما يحدث في البلاد الاسلامية التي اثارت عليها اليابان في الشرق الأقصي أو إلي ما أصاب المسلمين في البلقان وروسيا

وإن جاز لمسلم في بدء هذا العام الهجري أن يتمني شيئا ، فإن أقصى الأمال أن يحل الأمن محل الخوف ، والسلم مكان الحرب ، وأن يزول عن بلاد الاسلام طغيان الطغاة وشرورهم ، وأن ينوب الرشد إلي تلك العقول التي زايلها العقل والرشد

اشترك في نشرتنا البريدية