من أشهر انصار الحرب الفيلسوفان الالمانيان " نيتشى " و " هفل " وقد لفت الاول الانظار بتصريح خطير قال فيه : " يجب ان تحبوا السلم باعتبارها وسيلة الى حروب جديدة ؛ فضلوا سلما يقصر امدها على سلم يطول امدها ؛... تقولون ان الغاية الشريفة هى التى تبرر الحرب ، اما انا قآقول لكم ، اخوانى في الحرب ، : الحرب الشريفة هي التى تبرر جميع الغايات ... وحتى يكون الابتلاء مجديا يجب ان نخوض غمارها بدون هوادة ولا شفقة . وفضائلها انما هى البسالة والقسوة والجرأة والحيلة والذكاء وباختصار : القوة ".
وقد قوم " نبتشى " العنف هذا التقويم لانه رآه مصدرا للقيم ، ذلك أن " الحرب والشجاعة قد نهضتا من الاعمال بما لم تنهض به محبة الانسان للانسان " ، اما اخلاقنا فهي على عكس ذلك " المسؤولة عن حضارتنا المحزنة " و " آراؤنا الاجتماعية فى الخير والشر المتصفة بالضعف والانحلال وتأثيرها العظيم على الجسد والروح ...كل ذلك اضعف فى آخر الامر الاجساد كلها والارواح كلها وحطم الرجال المستقلين المتخلصين من الافكار الخاطئة ، اعمدة الحضارة القوية بحق " .
ومعنى ذلك أن " نيتشى " - على غرار " روسو " - ينقص من قيمة كل ما هو نظام اجتماعي وكل ما ينتسب الى المؤسسات او الى المدنية او الى " السياسة " بينما هو يرفع من قيمة " الحياتي " اى ما ينتسب الى " الحياة ". فالحرب يجب ان نشنها باسم الغريزة اذ " الغريزة تدفع بالانسان الى كل ما يقوى الحياة ". الا ان نظرية " نيتشى " الحياتية - خلافا لنظرية روسو - تصطبغ بصبغة المأساة لان فلسفته تبنت عقيدة " داروين " : الاجناس العالية تتأصل بانتخاب طبيعى اساسه المزاحمة والكفاح وانتصار الاقوياء ومن ثم نتجت هذه الموضوعة : ما ينتصر - باي وسيلة من الوسائل - يحمل القيمة العليا لانه انتصر .
الى جانب تلك النظرية الفلسفية نجد تبريرا للحرب يعتمد على علم النفس
هو انها تقوي النفوس . وبذلك يلتحق " نيتشى " بمدرسة رومنتيقية كان " ج . دي مستر " J .De Maistre اشهر ممثليها فهو القائل : " حينما تفقد النفس حيويتها بسبب الرخاوة والالحاد وما يستتبعه الافراط فى التمدن من المساوى المتزايدة ، لا شئ يشحذها غير الدم ... قثمار الطبيعة البشرية كالفنون والعلوم والمشاريع الكبيرة والنظريات الراقية تولدت اولا وبالذات عن حالة الحرب بحيث يمكن القول بان الدم هو سماد تلك الشجرة التى نسميها العبقرية " عن تلك المدرسة نشأ " أدب " يتغنى بالحرب ، يحاول بعضهم غرسه فى روح الشعوب ، وإليها يرجع تقديس الفضائل العسكرية .
يمكن نقد " نيتشى " من الناحية الفلسفية . ذلك ان موضوعته - كل ما ينتصر فعلا شرعى قانونيا - لا تستند الى شىء . فهو يعتمد على علم الحياة حيث تكون القيم الحياتية كالصفات الجسدية والصفات العقلية ... عوامل النجاح . ثم يربط بين انتصار القيم الحياتية والقيم المثالية او الحضارية ويدعى ان الذين انتصروا بفضل صفاتهم الحياتية هم اهل - دون سواهم - لانجاح القيم الحضارية . فذلك الانتقال من علم الحياة الى دنيا الحضارة لا مبرر له إذ نحن ازاء مجموعتين من القيم متميزتين ان لم نقل متناقضتين فالقيم الحضارية تقتضى بيئة متحضرة منظمة اى تقتضى وجود ذلك المجتمع المتمدن الذي يدعى " نيتشى " انه غير موجود .
اما من الناحية النفسانية فان نظرية " نيتشى " مدعاة للنقد كذلك . فاذا كانت الحرب فرصة لاعمال بطولية فانها ايضا فرصة لاقتراف متنوع الجرائم والشناعات اما الفضائل الحربية نفسها فيجب ان لا تنخدع بما يظهره المجتمع نحوها من الرعاية فالذين شاركوا فى الكفاح مشاركة فعلية يعلمون ان من الاعمال الجليلة ما يكون مجرد محاكاة للجماعة وانقياد لها اذ ظروف المعركة تخلق كاكمل ما يكون الخلق نفسية الجماعة وذلك سيمكننا من ان نقول راينا فى هذا الموضوع : ان الحرب لا تحمل معها قيما ايجابية ولا قيما سلبية ولكنها تخلق جوا عاطفية يصبح فيه الفرد عاجزا عن ان يملك زمام امره واذن فليس هناك خلق للقيم وانما مضاعفة لما يحمل الافراد فى طياتهم فالجماعة المحاربة مثل الجماعة المسالمة قادرة على
خير الاعمال وقادرة على شرها : والافراد ان كانت عواطفهم سامية ادركوا نبل القضية التي ناضلون من دونها ففقدوا القدرة على ضبط النفس فانهم يسيرون مع عواطفهم الى النهاية يبلغون ذروة الاريحية الرائعة . اما اذا كان الامر على عكس ذلك فان العواطف السافلة تبلغ من الحدة ما يتجاوز المألوف وتخضع الجماعة المحارية لقانون التطرف العاطفي وذلك ما يعلل لنا ميزتين تمتاز بهما نفسية المحارب : تضخم ردود الفعل ولا تمييزها . فجميع الفروق تزول ويصبح الاشخاص فريقين : الاحباب والاعداء بحيث يجب ان يضحى بكل شئ في سبيل الفريق الاول كما يجب محق الفريق الثاني . ولم يعد ممكنا ان نؤول الامور تأويلا لطيفا دقيقا لان ذلك لا يتأتي الا لمن حكم عقله وكان متشبعا بروح الثقافة ، ونلاحظ من جهة اخرى ظاهرة قد يصح ان نسميها : " تناضحا عاطفيا " اذ لا تبقى الحرب محصورة في نقطة الخلاف التي أثارتها بل " تتجاوزها الى جميع الميادين ولا تلبث ان تصبح حربا اقتصادية وسياسية وفنية وثقافية معا ... " (بوتول)
فحالة الحرب - الصورة - خليط عاطفى يمكن لعلم النفس العام ولعلم النفس التحليلي ولعلم النفس المرضى ان تحلله تحليلا مفيدا لكن العناصر التى تكشف عنها توجج نار الحرب من دون ان تكون سببا لها اذ هي - بالضبط ناتجة عن حالة الحرب فيجب اذن سلب الحرب ما احاط بها من تقديس كما يجب اهمال الشعر الذي يتغنى بالبطولة الحربية ويؤثر في المجتمع ايما تأثير .
بعد ان انتهينا من عرض نظرية " نيتشى " ونقدها يجب ان ننظر الى رأي " هفل " في الموضوع .
ان ضرورة الحرب - او على الاقل ضرورة النزاع - اصل من اصول فلسفة هفل اذ التناقض - عنده - محرك الواقع ، والمطلق ، الذى هو فى فلسفته الكائن الكامل ، لا يدرك بصورة عفوية وتامة - على غرار ما هو موجود في الفلسفات القديمة - بل هو مضطر الى ان يبحث عن نفسه وان يوجد نفسه : هو " اله " في حركة ، هو " إله " عامل مكافح كادح .
ومحرك تلك الحركة هو التناقض ومعنى ذلك - بصورة إجمالية - ان المطلق اللانهاني قدر عليه ان يتحقق شيئا فشيئا خلال وضعيات تاريخية خاصة و " تقييدات "
محدودة اذا وجدت لا يلبث ذلك المطلق اللانهائى ان يضيق بها ذرعا نظرا لامكانياته اللانهائية الواجبة الوجود .
ولذا تتجاوز المطلق اللانهائي LabsoIu infini الوضعية التاريخية المشخصة ليقع فى وضعية اخرى يتحتم عليه كذلك السعى الى الخروج منها وهكذا الى ان يحقق ذاته . فضرورة النفي والرفض مستندة اذن الى ظهور " الوجود " و " القيمة السامية "
هذا " الجدل " ينطبق تماما على علاقات الدول بعضها مع بعض ويبين لنا ضرورة الحرب وشرعيتها ، ذلك ان الامم من حيث تكونها خلال التاريخ مراحل "للواقع الاسمى اللانهائي La realite infinie " الذي هو في تقدم وللقيمة السامية التي هي فى حركة ، فالامم مضطرة - بالتابع - الى ان تتحارب من دون هوادة ولا شفقة والامة المنتصرة انما تمثل " مرحلة جديدة " او " امكانية جديدة " للمطلق المنتصر ولكنها ليست الا مرحلة محدودة وامكانية محدودة فلا تلبث ان تتبعها مراحل اخرى .
ومن جهة اخرى اذا كانت الحرب ضرورة " ما ورائية " عالقة بالامم فانها تفيد الامة داخليا ولذا يقول هقل : " حتى لا تصلب النظم وتفقد مرونتها اي حتى لا ينحل " الكل " ويتبخر " الروح " من واجب الحكومة ان ترجها رجا من حين لآخر وذلك بالحرب..."
كذلك تسمو بنا الحرب إلى الحرية الحقة اذ الشعب او الفرد اذا هما لم يغامرا بحياتهما سرعان ما يصبحان عبدين لها يعتبرانها ملكا لهما يتزايد قيمة مع مر الزمان " والعبيد انما وجدوا - على حد تعبير " هيبوليت " احد شراح فلسفة هقل - لان بعض الناس آثروا الحياة على الحرية لكن الرجل الحر هو من لا تستعبده الحياة ومظاهرها " . . .
من العسير على المرء ان يجحد ما لهذه النظرية من قدرة على التاثير والاخذ بالمشاعر ؛ لكن فرائصنا ترتعد حينما يدعونا هقل الى اعتبار هذه المقتله الفظيعة التى يسمونها الحرب أمرا ضروريا ، شرعيا ، خيرا اولا مطمع في تغييره .
وذلك باسم فلسفة غيبية اى باسم نظرة الى الدنيا من حقنا ان نضعها موضع الشك والاحتراز ، ويمكن لعالم الاجتماع ان يبين من دون مشقه ان تلك الفلسفة انما هو صيغة مثالية لمطامح الشعب الالمانى وقد اعترف هفل نفسه
فى اخر الامر بان الجنس الالمانى هو الذى اصطفاه " الروح المطلق " وان حكومة " فريدرك قيوم " مكلفة باتمام تلك الرسالة .
ألم يكن هفل حينئذ ضحية خدعة شاملة ؟ ذلك ان واقعنا انما هو الانسان . الانسان الذى من لحم ودم والذى يدعونا هفل الى التضحية به في سبيل " المطلق " الموهوم . وقد نحتاج الى أدلة اخرى غير ما ذكر هفل لنفرط في ذهب الوجود البشرى مقابل " حقيقة " اخرى لا يبعد ان تكون خيالا . وذلك ما يعلل ثورة " كامو " الجامحة التى لا تخلو من افراط طبعا الا انها عظيمة الدلالة ، فقد قال : حتى لا انخدع وحتى لا يبقى اللحم البشرى معذبا باسم فلسفات غيبية لن أومن الا بما يرى ويلمس : الانسان المشخص فادا اصاب الطاعون مدينة وهران ينبغي ان لا نضيع وقتنا فى تبرير ظهوره بل الموقف المفيد اليقظ هو موقف الطبيب : معالجة البشر ودرء العذاب عنهم والموت (راجع رواية كامو " الطاعون ")
وان راى كامو هذا يكشف عن سر المذهب الانسانى الذي تفرعت عنه جميع النظريات الاشتراكية اما هفل فهو يدافع عن نظرية صوفية تعتبر ان الانسان الحق من تجرد عن"إنسانيته" .
ان المذهب الانساني يرى على عكس ذلك ان الانسان لا يبلغ تمامه حتى يصون وجوده ويسخر العالم لفائدته الا ان ذلك لا يكون الا اذا احتل الاقتصاد مكانا ممتازا فى تفكيرنا فلا غرابة ان يصبح المذهب الانسانى مذهبا اشتراكيا او ماركسيا وهذا ما سنبسطه فى فصل مقبل .

