الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الحرب - ٣ -

Share

لقد ادرك ماركس ضعف مذهب هفل تمام الادراك ، ذلك المذهب العقلي الذي يعتبر الموجود مظهرا ضروريا من مظاهر " العقل المطلق " ، فقول هل : " الواقع معقول " معناه : كل ما يقع شرعي مقبول وإذن فلا موجب لتغيير الكون ، فرد ماركس على ذلك بقوله : ان الفلاسفة اقتصروا الى يومنا هذا على تاويل الكون تآويل مختلفة فيجب الآن تغييره " .

على انه اخذ عن هقل امرين : اولا : ليس المعقول مستقلا عن الموجود ولا يوجد عالم ماهيات متميز عن الواقع ، فاذا اردنا ان نكتنه الواقع وجب ان ننظر الى ذلك الواقع ذاته وخاصة الى الواقع البشري .

ثانيا التناقض ومعنى ذلك ان العداء هو المحرك الفعلي للتاريخ رغم ما يفوه به القوم من عبارات المودة . وطرافة ماركس في اكسابه ذلك العداء معنى مشخصا فهو -باعتباره محركا - عداء بين الطبقة المنتجة في جميع المجتمعات وبين الطبقة المستهلكة التي تستتأثر بالحكم وتعيش بما يدره عليها عمل الطبقة الاولى من الارباح . الا ان الطبقة المنتجة تسعى بدورها الى التمييز بين الانتاج والاستهلاك حالما تستحوذ على الحكم ، وذلك بين بالخصوص في المجتمعات الراسمالية والآلية . فمقتضيات الانتاج الضخم ، الذى اصبح ممكنا بفضل الآلة ، تضطر الطبقة البرجوازية الى استخدام الطبقة الشغيلة فتختص هذه بالانتاج وتنفرد تلك بالارباح فلا تعطي منها الا قدرا يسيرا ضروريا لمعيشة المادة البشرية المنتجة . . . فينشأ عن ذلك طبقتان متميزتان طبقة تكسب وسائل الانتاج وتحتفظ لنفسها بالربح وتحاول ان تستبقى هذا الربح أو ان تنمية بقدر الامكان من دون عمل ، وطبقة اخرى تنتج فعلا وتحلق القيمة في صورة بضاعة ولا تجني من ذلك سوى اجر لا يكفيها الا لاستبقاء طاقة العمل بحيث يتسنى للطبقة المستغلة ان تتمادى فى استغلالها .

وعلاج ذلك يسير اذ يكفي ان نصلح المجتمع بحيث لا يبقى فيه الا طبقة

تصبح هي المالكة - ملكا جماعيا - لجميع وسائل الانتاج وهي العاملة وهي المنتجة وهي بالتابع المنتفعة بالربح بصورة جماعية وهكذا ينتهى التفكير الماركسى الى الشيوعية .

في هذا التخطيط العام يجب وضع فلسفة الحرب كما يراها المذهب الماركسي وذلك ما نجده معروضا فى كتيب " لينين " الذى عنوانه : " الاستعمار الاقتصادي هو المرحلة القصوى للاستعمار " والذي يمكننا تلخيصه كما يلى :

ان طبقة الراسماليين ستستعمل جميع الوسائل لاستبقاء ارباحها وتنميتها لكنها سوف لاتقنع بالربح المعتاد بل سيؤول بها الامر الى الحرص على ما فوق الربح ، ولها وسيلتان لبلوغ الهدف :

اولا : القضاء على التنافس ( بين افرادها ) حتى لا تضطر الى خفض اثمانها فيتالب افرادها في هيئة واحدة ( ترست ) ويحتكرون كل شيء بحيث يفلس الملاكة الصغار وارباب الصناعات وتخضع السلط السياسية لارادتهم ، وهكذا يستعاض عن التنافس بفرض الاسعار وفرض الاوضاع الاقتصادية ، وذلك هو " الاستعمار الاقتصادى " .

ثانيا : البحث عن اسواق جديدة لبيع البضاعة والسعي الى المحافظة الكاملة على مصادر المواد الخام حيث وجدت ، ومن هنا كان التلهف على المستعمرات الذي لم يكن حادثا عرضا بل كان نتيجة حتمية ومنطقية لراس المال في مرحلة مضبوطة من نموه .

ونتيجة لذلك سيكون للحرب صورتان: _ الحرب العالمية : يحتكر رأس المال كل شيء لكنه لا يوفق الى تكوين كتلة واحدة بل تتكون كتل اقتصادية عالمية تقتسم السوق العالمية ، لكن الاقتسام لا يقر له قرار اذ هو منبن على نسبة القوى فحالما تأنس كتلة من نفسها قوة تحاول تنمية ارباحها على حساب الكتل الاخرى ( وهذا هو قانون ما فوق الربح ) ، ولما كانت الكتل مسخرة للسلط السياسية فانها لا تتردد فى دفعها الى الحرب بما اوتيت من قوة ، وتستعمل جميع الوسائل لخلق نفسية اخص خصائصها توقع الحرب والايمان بحتميتها .

- الحرب الاستعمارية التي تساق البها الامة - مخدوعة- حالما تجند جميع امكانباتها وجميع رجالها فتعتبر ضرورة . والخدعة بالنسبة لحرب الجزائر مثلا هى القول بأن سببها انما هو ضرب داي الجزائر سفير فرنسا بمروحة . ويرى " لينين " ان هذه الحرب الاستعمارية خاضعة لنظام باطني لا سبيل الى الافلات منه : فقانون ما فوق الربح يجر راس المال الى استغلال المستعمرة استغلالا كاملا فوجب اخضاع سكان تلك المستعمرات خضوعا سياسيا وينشأ عن ذلك تناقض

مميت وهو وجود الديمقراطية في البلاد المستعمرة وانتفاؤها في البلاد المستعمرة ( من طرف الاولى ) .

كل ذلك يجعل المذهب الماركسي لا ينادي بالسلم دائما بل هو يميز الحرب العادلة عن الحرب الجائرة فالحروب الجائرة هي تلك التى تشنها الطبقة المستغلة بوحي من مصلحتها اما الحروب العادلة فهي تلك التي يضطر اليها لايقاف نمو الراسمالية والقضاء عليها فى ءاخر الامر فادا تحقق هذا الهدف تحقق المجتمع الشيوعي واصبحت الحرب غير ذات موضوع . وعوض ان تتدلع نار الحرب بين البشر تقع بين البشر وبين الطبيعة حتى يسخروها تسخيرا .

ما يجب ان يكون موقفنا من النظرية الماركسية ؟ ليس غرضنا من دون شك الحكم على المذهب الماركسي في جملته ولا الانتصار له وانما هو الحكم على موقفه من الحرب وتعليله اياها .

لا يمكن ان نوجه هنا النقد المعروف ضد الماركسية باعتبارها تفسر الروح بالمادة اذ ليست الحرب أسمى من المعطيات الاقتصادية واذن فسنننظر بعين الاعتبار الى التأويل الماركسي للحرب خاصة الحروب التي اندلعت نارها منذ أن نشأ النظام الراسمالى الحق .

الا ان الظروف الاقتصادية للحرب يجب ان نضيف اليها ظروفا نفسانية وهاته الظروف هي نفسها ناتجة عن أحوال اجتماعية ، ويمكننا ان نتساءل : هل كان ممكنا ان تنجح دعاية من يرغب في الحرب ؟ وهل الدعاية كافية لينخدع الناس ؟ ان ذلك ممكن لان الجماهير سلبت منهم انسانيتهم بسبب فساد مجتمعهم فقد دب ف فيهم الشعور بأنهم محرومون واحسوا بالنقص فاستعاضوا عن ذلك كله بعقلية هجومية . ومن الصعب ان تعي هذه العقلية نفسها لان الطبقة المسيرة تملك وسائل القمع فكان من امر الجماهير ان حولوا غضبهم عن سببه الاصلى ووجهوا هجومهم نحو غرض آخر . من ذلك مثلا ان الطبقة البرجوازية الصغرى التي سلبت منها الطبقة البرجوازية الكبرى ارزاقها أبت ان تتحد مع الطبقة الشغيلة اذ كان ذلك في نظرها انحطاطا وشعرت بمرارة التعدي فنشأت بين افرادها عقلية هجومية احسن " الفاشزم النازي " استغلالها فيما بعد .

ويمكن ان نختم بذكر جملة قالها " كلوزوتس " Clausewitz : " الحرب امتداد السياسة " ومعنى ذلك ان الحرب لا تقع حيث يخيل للناس انها تقع اى بين الامم ، وانما مصدرها قلب الامم نفسها حيث يبعث الجور الاجتماعي الشعور بالحرمان .. فاذا اردنا ان نعالج الحرب ناجع العلاج وجب ان ندخل البيوت من ابوابها فنؤثر في المجتمع ونستأصل منه شأفة الظلم والبؤس .

اشترك في نشرتنا البريدية