الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666 الرجوع إلى "الثقافة"

الحروب الدولية

Share

عرفت الحروب الدولية منذ القديم ، إذ نشأ عن تجاور البلدان بعضها إلى جوار بعض تنافس وتنازع من أجل المصالح وتعارض فى الاتجاهات ، فلم يكن من سبيل لفض هذه المنازعات إلا سبيل القوة . . ولما كان الفرد البشرى مطبوعا بفطرته على الأنانية والسيطرة والاستعلاء ، ولما كان البلد الواحد أو المجتمع الواحد ما هو إلا مجموعة من

أفراد البشر كان لا مناص من أن يتطبع هذا البلد أو ذلك المجتمع بتلك الطبائع الفطرية التى لا مناص من التسليم بوجودها .

هذا الفرد البشرى بتلك الفطرة الطبيعية اللاصقة بشخصه يندفع لإرضاء غريزته وإشباع نهمه وترضية نزعاته الوحشية ، فيرتطم بغرائز الآخرين من أبناء جنسه ، ويصده تهمهم ، وتدهمه نزعاتهم الطبيعة ، فينشأ من هنا العراك والنضال المستمر الذى لا يخمد إلا بانتصار فريق وانهزام فريق ، إلا إذا تدخل بينهما من يفصل فى نزاعهما أو يحد من وحشيتها ، سواء أكان هذا الحاد فردا اجتماعيا أو حكما بشريا أو كان عرفا أصوليا أو قانونا ملزما .

وبالمثل يحدث ذلك بين الدول والأقطار ، ويمكن أن تجمل أوجه الشبه بين الحروب الفردية والحروب الدولية فيما يلى :

١ - من حيث الأسباب والدوافع : تتشابه الأسباب والدوافع التى تدعو إلى قيام الحرب ، سواء بين الأفراد أو بين الدول .

٢ - من حيث التأهب والمعدات : نجد أن التأهب ملحوظ فى كلتا الحربين . أما المعدات فقد تتشابه فى كلتيهما ، وقد لا تتشابه نظرا لكبر حيز الحرب الدولية عنه فى حرب الأفراد المحدودة .

٣ - من حيث النتائج : فقد تكون النتيجة فى الحالين هدنة أو صلحا أو نصرا لفريق وهزيمة لآخر ؛ ويلاحظ هنا أن حرب الأفراد قد تؤدى إلى حرب بين العشائر والجماعات ، وبالتالى إلى قيام حرب دولية ؛ أما هذه الأخيرة ، فالمفروض أنها تمثل حروب الأفراد ، ولكن فى صورة مكبرة .

٤ - من حيث الأدوار : فحروب الأفراد مرت بأدوار ، كان الدور الأخير لها دور التهذيب وسطوة القانون ، وكذلك الحروب الدولية مرت بأدوار ، من أهمها دور التحكيم الذى يتشابه مع التحكيم فى الحروب الفردية ، وكذلك وصلت إلى مرحلة راهنة هى آخر ما وصل إليه " القانون الدولى " إلى الآن ، كما سنبين فما بعد ؛ ولكن المرحلة الحالية للحروب الدولية لم تصل بعد إلى مرتبة

المرحلة الأخيرة التى توصلت إليها حروب الأفراد من حيث سمو هذه الأخيرة ومن حيث تهذيبها .

والحروب الدولية على ضروب متباينة ، مما يمكن من تقسيمها تقسيما علميا من حيث نوعها ومن حيث كمها وكيفها ومن حيث اتجاهها وحدودها ، ثم من حيث أغراضها فأما من حيث النوع : فتنقسم إلى :

١ - حرب أعصاب : كالحرب الحالية القائمة بين المعسكرين : الشيوعى وتتزعمه الروسيا ، والرأسمالى وتتزعمه أمريكا وبريطانيا ، وهذه لا نهتم بها هنا ، بيد أننا نكتفى بالإشارة إلى أن هذا الصنف من الحروب يعتمد أول ما يعتمد على وسائل فعالة ، منها الدعاية والتهيئة والتعمية . كما يعتمد على لم الشعث واجتذاب المشايعين والأنصار ، وغير ذلك من وسائل .

٢ - حرب عسكرية : كالحرب العالمية الأولى والثانية ، وهى عسكرية لاعتمادها على وسائل الحرب من عدد ومعدات ، ولاعتمادها على الجيوش بكل مناحى اختصاصها .

ومن حيث الكم ، تنقسم إلى :

١ - حرب ثنائية : تقع بين دولتين متجاورتين أو متباعدتين ، ومن أمثلتها الحرب التى وقعت بين اليابان والصين فى عام ١٨٩٤ من أجل كوريا ، وكذلك الحرب التى وقعت بين اليابان وروسيا فى عام ١٨٥٤ من أجل منشوريا

٢ - حرب عالمية : تشمل دولا كثيرة من العالم ، كما حدث فى الحربين الشهيرتين الماضيتين . ويلاحظ أن الحرب العالمية يمكن وصفها بأنها ثنائية ، بمعنى أن الاشتباك فيها قد يكون بين معسكرين اثنين يضم أحد المعسكرين أو كلاهما عددا من الدول كبيرة كانت أو صغيرة ، كما حدث فى الحرب الماضية

ومن حيث الكيف ، تنقسم إلى :

١ - حرب عصابات : ومن أمثلتها تلك الحرب الكبيرة التى قامت فى Ireland بين رجال الحكومة البريطانية وأنصار حزب Sinn-Fein بعد ظهور نتيجة انتخابات سنة ١٩١٨ وعقد مندوبى سين فين لاجتماع دبلن

سنة ١٩١٩ ، تلك الحرب التى اضطرت البرلمان البريطانى في عام ١٩٢٠ أن يمنح أيرلندة حكمها الذاتى . وكذلك من أمثلتها حرب العصابات الوحيدة التى قامت بها ألمانيا ضد إحدى قبائل الهوتينتوت فى أفريقيا الجنوبية الغربية .

٢ - حرب منظمة : كأغلب الحروب الدولية المعروفة ، وتكون منظمة من حيث القيادة والهجوم ووسائل الدفاع وقد تكون حرب العصابات منظمة هى الأخرى ، ولكن هذا لا يمنع كونها ضربا معينا من ضروب الحروب .

ومن حيث الاتجاه ، تنقسم إلى :

١ - حرب دفاع : كالحرب الأخيرة التى وقعت بين العرب واليهود عام ١٩٤٨ فى فلسطين للدفاع عن الأراضى العربية

٢ - حرب هجوم : كحرب نابليون التى شنها على روسيا عام ١٨١٢ ، وكأغلب حروب البطل الفرنسى ، ويلاحظ أن حرب الهجوم قد تنقلب إلى حرب دفاع ، إذا حدث أن أخفقت . كما أن حرب الدفاع قد تنقلب إلى حرب هجوم ، إذا حدث أن نجحت وانهزمت أمام المدافعين جيوش الهاجمين ، فهز النصر الأولين ، ووجدوا أن باستطاعتهم الهجوم بعد أن وقفوا موقف الدفاع ؛ ومن أمثلة النوع الأول اضطرار نابليون لحرب الدفاع عن باريس بعد أن قامت فى وجهه حرب الأمم المعروفة ، وقد كانت حروبه قبل ذلك هجوما مضادا أشاع القلق فى أوربا ومن أمثلة النوع الثانى ما حدث أيضا لنابليون فى حياته الحربية الأولى ، إذ دفعه نجاحه فى الدفاع إلى شن حرب الهجوم على الدول الأوربية واحدة فواحدة . .

ومن حيث الحدود ، تنقسم إلى :

١ - حرب محلية : ومثالها القريب الحرب التى قامت فى أواخر شهر أكتوبر عام ١٩٥٠ بين الصين الشيوعية والتبت ، ويلاحظ أن الحرب المحلية إذا ما ترتب عليها اشتباك الدول والبلدان القريبة فيها ، صارت حربا إقليمية ؛ وتعد

حرب كوريا أيضا حربا محلية ، بالرغم من اشتباك عناصر بعيدة أو عالمية كأمريكا ، نظرا لأنها لم توجب إعلان الحرب العالمية الرسمى ، مع أنها تمثل الاشتباك الفعلى المقنع بين معسكرين فى سبيلهما إلى حرب عالمية . .

٢ - حرب شاملة : وتلك هى الحروب العالمية التى تشمل جزءا كبيرا من العالم الأرضى ، وذلك كالحرب الماضية . .

وأما من حيث الأغراض ، فتنقسم إلى أقسام كثيرة نذكر منها :

١ - حرب توسع واستعمار : وتتمثل فى الحملات التى تشن على البلدان الغنية بالموارد الطبيعة والضعيفة من الناحية العسكرية أو من ناحية المدنية بقصد الاستعمار والاستغلال ، وقد كثرت بوجه خاص فى القرن التاسع عشر ؛ وأمثلتها كثيرة تذكر منها حرب فرنسا لأنام عام ١٨٦٢ وحرب إيطاليا لأرتيريا عام ١٨٨٣ ، وحرب نابليون الثالث للمكسيك فى حملته التى بعث بها إليها فى عام ١٨٦١

٢ - حرب لفرض النفوذ : كالحرب التى شنتها فى ١٨٥٧-١٨٥٨ فرنسا وإيطاليا على الصين ، وأرغمتاها فيها على قبول ممثلين الدول الأجنبية فى بلاطها وفتح بلادها للتجار والمبشرين .

٣ - حرب للحد من سيطرة المنافسين : وذلك كالحرب التى أعلنتها انجلترا على فرنسا فى ٣١ يناير سنة ١٧٩٣ طبقا للسياسة التى انتهجتها تجاهها منذ العصور الوسطى ، وهى عدم السماح لها بأن تسيطر على البلجيك وأنقرس ؛ لأن ذلك يعرض انجلترا نفسها للخطر . . وأيضا كالحملة الفرنسية على مصر تلك التى عهدت بها حكومة الإدارة فى فرنسا إلى نابليون بونابرت فى ١٢ أبريل سنة ١٧٩٨ .

٤ - حرب تحرير أو إنقاذ من الحكم الأجنبى : مثال الأولى الحرب الأمريكية المعروفة . ومثال الأخرى حرب الأمم الأوربية لنابليون بعد صراعه المعروف في أيبريا سنة ١٨١٠ .

٥ - حرب النعرات النفسانية : كحرب ألمانيا بقيادة هتلر للحلفاء منذ سنة ١٩٣٩ ، وكالحروب التى شنها نابليون بونابرت على أوربا منذ تولى قيادة فرنسا . .

اشترك في نشرتنا البريدية