الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 388 الرجوع إلى "الثقافة"

الحروفية، - ٣ -

Share

ولم يكن أتباع فضل الله الحروفي أول من أشاد بذكر أهمية الحروف في نظام الكون وفي الحظوظ الإنسانية فقد دان المتصوفة وأصحاب العقائد الباطنية بهذه الفكر قبل تكون فرقة الحروفية بزمان ، في شرق الملكة الإسلامية وفي غربها اعتقد بها من درس علم " الجغر " وهو " العلم الإجمالي بلوح القضاء والقدر المحتوى على كل ما كان وما يكون كليا وجزئيا . "(١) ودرسها من اعتقد بعلم السيمياء وهو " علم أسرار الحروف واستخراج الأجوبة من الأسئلة "(٢) ومن اعتقد بعلم التنجيم والسحر والطلمات .

وقد وزعت الحروف على صورة جداول تتناسب مع عدد البروج والطبائع الأربع وقيمها العددية وترتيب ألفاظ الجلالة والأسماء الحسني . ويجد الإنسان في هذا التوزيع العقائد الشرقية ممزوجة بالأفكار الغربية ، يجد التعاليم السرية " التي كانت شائعة عند البابليين والصابئة والسريان و القبالة " اليهودية وأسرار حروف التوراة التي أجهد الفيلسوف اليهودى فيلون . ( Philo Judeus ) ( ولد سنة ٢٥ قبل المسيح )(٣) للتعرف عليها والتفسير معانيها الباطنية ، ممزوجة امتزاجا عجيبا بالأفكار اليونانية القديمة ، لاسيما أفكار متصوفة اليونانيين . والفنوسطيين والتبوصوفيين منهم(٤) .

يحاول الحروفية وهم من جملة أصحاب المذاهب الباطنية إرجاع أسس مذاهبهم إلى أصول قديمة جدا قد يرجعونها إلي الآلهة نفسها أو إلي الإله الواحد بحسب نوع ديانة تلك الفرق . وبرجع الحروفية المسلمون أساس الحروب الثمانية والعشرين مثلا إلى الإمام على بن أبي طالب ، وقد أخذها هذا الإمام على رأيهم عن الرسول ، وقد أخذها الرسول عن طريق الوحي من الله(١) .

وزعم أصحاب الجغر وهم يعتمدون في علمهم إلى حسد كبير على الحروف بأن آدم أبو البشر كان قد سجل الحروف في سفر دون فيه ما جري للأولين وما سيجري للآخرين(2) وأن الإمام عليا قد سجل علمه على رق وقد توارث أبناؤه هذا العلم من بعده . وكان أعلمهم في هذا الباب الإمام جعفر الصادق الذي ينتسب إليه بعلمهم ذكر أصحاب علم الجغر(3) .

يستند الحروفية في تفسير قيم الحروف على أسماء الجلالة وعلى ترتيب حروف أبجد . وعلى ما وجدوه من تناسب بين العدد وبين ترتيب الحروف وقد أداهم اعتقادهم بأسماء الجلالة إلي الاعتقاد بحقيقة أجزاء تلك الأسماء وهي التي نسميها الحروف " . فلحروف على زعمهم حقائق ثابتة بل هي أثبت من الحقائق المادية نفسها ، حتى قالوا بأنها أقدم من الحقائق . لأن المسوسات متأخرة بالنظر إلى المعاني ، ولذلك فلحروف حقائق تختلف باختلاف مراتب تلك الحروف ، وأعلي الحروف مرتبة هو حرف الباء في " بسم الله الرحمن الرحيم " وأعلى ما في الباء النقطة ، ولولا هذه النقطة لما حصل الباء ، ففي هذه النقطة تلتقي الأسرار وفي

هذه النقطة تجمع كل معاني الوجود(١) .

وللحروف هذه صلة وثيقة بكلام الله وبكيفية الكلام ، فإذا كان الكلام هو كلام الله فهل يكون كلام الله إذا حادثا أم قديما وإذا قلنا إنه قديم فهل تكون الكلمات والحروف قديمة أم حادثة . وهل تعتبر الكلمات وبضمنها الحروف مجرد رموز وإشارات لمعان قديمة أم أن المعاني نفسها صورة طبق الأصل للكلمات والحروف ، لا تظهر إلا بها ولا تبرز إلا بهذا الشكل الذي نسميه نحن " كلاما " .

وقد تعرضت اليهودية لهذه المشكلة كما تعرضت المسيحية لها أيضا . تعرضت في أوائل أيامها وتجسمت في العصر " المدرسي " حيث اصطبغت الفلسفة المسيحية بالفلسفة اللاهونية (Scbolssie) فظهرت في أوربا ثلاثة مذاهب : مذهب الواقعيين ) ( Realismus ) الذين فرقوا بين المادة والمعاني )(٢) ومذهب أصحاب المعاني ( Nominalismus ) وهو المذهب الذي يقول بأن وجود المعاني قبل وجود الحقائق وأن وجود الأشياء  إنما هو بوجودها في الذهن وكان (Johann Rosccllinus) ( ١٠٥٠ -١١٢٠ م )  من أعظم الممثلين لهذا الرأي(٣) ثم مذهب ( Konzcpolismus ) ومذهب أصحاب الخواطر ، وهم الذين يقولون بإدراك الخواطر واللطيف السفلي قيل إدراك الماديات(٤) .

ويمكن إرجاع هذه المشكلة التي تعرضت لها الفلسفة الأوربية المسيحية إلي المؤثرات الفلسفية الإسلامية ، التي دخلت إلي المسيحيين عن طريق الأندلس ولا سيما عن

طريق آباء الكنيسة الذين درسوا في اسبانيا واليهود الذين تأثروا بالفلسفة العربية . وإلى الآراء الصوفية المتقاربة المشتركة فيما بين المسيحيين والمسلمين .

وللحروف نفس هذه الأهمية عند المتصوفة وعند الإسماعيلية وعموم الفرق الباطنية . وفي كتب البوتي وابن عربي الذي فسر القران كتفسير أصحاب الحروف فيما بعد ، وابن سبعين والخيل وأمثالهم ما يظهر أهمية الحروف بالنسبة لأصحاب التصوف(١) .

وفي كتاب " جاودان كبير " وهو أساس كتب أتباع فضل الله الحروفي تفاصيل من الحروف وخصائص تلك الحروف وعلاقتها بالنسبة للخالق والكون . أول ما خلق الله من الأشياء الحروف ومن الحروف تكونت النسب والمراتب ، وعلى تلك النسب يتوقف الكون .

ولهذا الكتاب قدسية خاصة في نظر الحروفية وهم يتدارسونه فيما بينهم ويحافظون عليه ، ويعرف باسم " جاودان كبير " تميزا له عن الكتب الخمسة الآخرى التي عرفت فيما بعد باسم " جاودان " وهي من الكتب السرية التي لا يجوز أن يطلع عليها الغرباء ، وقد كتبت في الأصل باللغة الفارسية المحلية بلهجة أهل استراباد(٢) ، وكتب بعض أجزائها باللغة التركية . وقد نشر المستشرق الافرنسى كليمان هوار نصوصا من نصوص الحروفريين بسلسلة " جب " ، ( Gibb )التذكارية . وقدم عليها بمقدمة باللغة الافرنسية ، وقد اشترك معه في إصدار هذه النصوص الدكتور رضا توفيق(٣) .

ولدي المؤرخ العراقي المحامي عباس العزاوي ، وهو ثقة بتاريخ المغول وبالعصور المظلمة التي تلت سقوط الدولة

العباسية ، أكثر كتب الحروفية الأساسية مثل " جاودان كبير " والكتب الخمسة ، وبعض دواوينهم مثل " ديوان نسيمي البغدادي " ( نسيم الدين ) وهو شاعر عراقي الأصل أخذ بطريقة أهل الحروف(١) .

وقد انتقلت آراء الحروفية إلى جماعة من المتصوفة هم " البكتاشية " وهم أتباع " بكتاش ولي " الخراساني الأصل ويعرف أيضا باسم " الحاح بكتاش " وهو درويش ادعي الولاية وأخذ الطريقة عن درويش آخر اسمه " الشيخ لقمان "(٢) .

وقد دون اتباع الحاج بكتاش سيرة وليهم في كتبهم ولاسيما في كتاب " ولا يتنامة " ويتحدث هذا الكتاب عن مناقب الشيخ وكراماته وما قام به من معجزات وأعمال خارقة (٣) وفي كتاب آخر هو كتاب " مناقب بكتاش ولي وأكثر ما ذكر في هذه الكتب عبارة عن أمثال هذه المعجزات التى تحيط شخصيته بشيء كثير من الغموض والظلام ، حتى ليخيل إليك أنه شخص خرافي أو بطل من الأبطال الذين تخترقهم المخيلة الشعبية عند أكثر الأمم (٤)

وقد تأثر البكتاشية بآراء الحروفية ودانوا بأكثر آرائهم حتى يمكن أن يقال بأن البكتاشية هم البقية التي تبقت من الحروفية ، كما أن المعتزلة كانت البقية التى توارثت عقيدة القدرية التى قاومها الأمويون . ولكتب الحروفية في قلوب البكتاشية نفس المنزلة التي تتمت بها عند الحروفيين . وتكاد كتب البكتاشية - وعند صديقنا العزاوي طائفة منها ذكرها في كتابه " العراق بين احتلالين " - تكون صورة طبق الأصل لكتب الحروفية وآرائهم وأفكارهم بالنسبة

إلي الله وإلى الاتحاد وعلم الباطن والحروف(١) .

والظاهر أن سلطان " وهو درويش من دراويش هذه الجماعة كان أقوى شخصية ظهرت في عالم الكتاشية وأنه هو الذي نظم صفوف البكاشيين ووضع قواعد طريقتهم وأصول اجتماعاتهم وتنظيم نكاياهم وأسلوب معيشة دراويشهم الذين تجولوا في أنحاء تركيا العثمانية والذين أثروا على " الانكشارية " تأثيرا كبيرا حتى كان وعظهم وخطباؤهم منهم . ولذلك عده أكثر العلماء المؤسس الحقيقي لفرقة البكتاشية(٢) .

وكان للبكاشية منزلة مهمة في الحياة الدينية والاجتماعية بل وفي الحياة السياسية للأمبراطورية العثمانية ، وكان لدراويشها الذين انتشروا في سائر أنحاء تلك الخلافة صوت مسموع كما كانت أعمالهم منسقة منظمة ، وكان لزعيمهم " البير " أو " حاج بابا " سلطان كبير على نفوس أتباعه . سلطان يهدد نفوذ الحكومة . ولذلك حاول بعض السلاطين الاستفادة من هذا النفوذ ، كما حاول البعض الآخر التخلص منه ، ولذلك قاوموا البكتاشية وطاردوهم(٣) .

اشترك في نشرتنا البريدية