الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339 الرجوع إلى "الثقافة"

الحرية، [ نقلا عن مقالة للورد مكولىMacouley عن الشاعر ميلين Miline]

Share

إن ماهية الثورات التى تقوم من أجل الحرية هى التى لا تجعلنا نرى الا القبيح منها . ولا يتسنى للأمم أن يستفيدوا من حريتهم إلا إذا عرفوا كيف يستخدمونها ، فان سكان البلاد التى تنتج الخمور مثلا هم عادة أكثر امتناعا عن تناولها ، وفى البلاد التى يندر فيها استخراج الأنبذة يكثر إفراط أهلها فى شربها .

ومثل هؤلاء الناس الذين رموا عن عاتقهم نير الاستبعاد وأخذوا يستنشقون نسيم الحرية كمثل جيش من سكان الشمال يعسكر على نهر الرين أو على نهر شيرى  (بأسبانيا) فيقال إن هؤلاء الجنود عندما يجدون أنفسهم فى بقاع يتيسر لهم فيها الاسراف فى تناول الخمر بدون أن يقف شىء فى طريقهم من الانغماس فيها تذهل عقولهم ويفقدون رويتهم ولا تراهم إلا سكارى ، ولكنهم سرعان ما يأنفون هذا الأفراط ويسأمونه ، ويعودون أدراجهم إلى الاعتدال ويرجعون إلى حالتهم التى كانوا عليها فى بلادهم . وعلى هذا النحو تكون الثمار النهائية المستقرة للحرية هى الحكمة والاعتدال والرحمة ، على أنه كثيرا ما تكون نتيجتها المباشرة الجرائم المروعة والأخطاء المتناقضة ، والريبة فى الآراء التى تكون واضحة كل الوضوح ، والجزم بصحة الادعاءات الغامضة كل الغموض . وعند هذه الحالة الحرجة يحب اعداؤها إظهارها . فيهدمون أدوات البناء الذى لم يتم تشييده بعد ، ويشيرون إلى الثرى المتناثر ، واللبنات المتساقطة ، والحجرات غير المنسقة ، وعدم انتظام الشكل العام للبناء ، ويتساءلون باحتقار عن منظر البناء الفخم وعن الراحة التى كانوا ينشدونها . ولو أن هذه المغالطات انتشرت لما استطعنا إيحاد منزل مريح أو حكومة لائقة فى العالم .

ويروى الكاتب الإيطالى أريستو (Ariosto) أقصوصة لطيفة عن جنية حكم عليها لأمر خفى فى طبيعتها

أن تظهر فى بعض الأوقات على شكل أفعى خبيثة سامة . فمن أساءها وهى متنكرة على هذا النحو حرم حرمانا أبديا من النعم التى كانت تغدقها على الأنس . ولكن أولئك الذين أشفقوا عليها وأخذوها تحت كنفهم على الرغم من بشاعة منظرها ، فإنها تظهر لهم فيما بعد بشكلها الطبيعى الجميل الفتان وتتبع خطوائهم وتمنحهم رغائبهم وتملأ منازلهم بالخيرات وتجعلهم سعداء فى الحب ومنتصرين فى الحروب . وإن مثل الحرية كمثل هذه الجنية ، فإنها فى بعض الأحيان تتخذ شكل أفعى ممقوتة : فتدب وتفح وتلدغ ، ولكن الويل لمن يمقتها ويجرؤ على سحقها ، ويا سعد من لا يخشاها ويرحب بها على شكلها الممقوت المخيف المزعج ، فإنها تكافئه عندما تظهر جميلة ذات بهاء ورواء .

وقد ينجم عن الحرية المكتسبة حديثا بعض الشرور والمفاسد ، ولكن علاج هذه الشرور هو الحرية . ألا ترى أن المسجون عندما يخرج من السجن بادئ الأمر لا يمكن أن يتحمل بصره ضوء النهار ، ولا يستطيع تميز الألوان بعضها عن بعض ، أو يتعرف على وجوه الناس ، فعلاجه ليس رده لحجرته المظلمة فى السجن ، بل تعويده رؤية أشعة الشمس . ولعمرى إن شعلة الحق ووهج الحرية وضياء الحق قد تدهش بادى بدء الأمم التى أصاب أعينها الرمد من طول السجن فى منزل الذل والعبودية وتضلها الطريق السوى . ولكن علاج هذه الأمم تعويدها استدامة النظر إلى هذه الشملة ، فسرعان ما تتحمل ضياءها على كر الزمن ويصبح رائدها الحكمة . وتصحح النظريات المتناقضة بعضها بعضا ، وتكف عناصر الحق المبعثرة عن النضال وتأخذ فى الامتزاج . وأخيرا ينجم عن فوضى الآراء نظام كله عدل وانسجام .

ولقد اعتاد كثير من ساسة عصرنا أن يقولوا برأى يعتبرونه بدهيا : وهو أنه ما من أمة تستحق الحرية إلا إذا عرفت وسيلة استخدامها . غير أن مثل هذا كمثل ذلك الأحمق الذى صمم ألا ينزل البحر إلا إذا تعلم . فلو أن الناس انتظروا الحرية حتى يصبحوا عقلاء وصالحين وهم أرقاء فقد ينتظرون إلى الأبد .

م.ع.ا

اشترك في نشرتنا البريدية