الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الثقافة"

الحسن الصباح، فيلسوف ومتآمر، وزعيم ديني وسياسي

Share

في أواخر القرن الخامس الهجري ، بينما كانت الدولة الفاطمية بمصر ترفع لواء الشيعة الديني والسياسي ، كانت الدعوة الشيعية في فارس والعراق ، تتمخض عن فرقة اخري تنتمي كالخلافة الفاطمية إلي الامامة الإسماعيلية ، وتشق طريقها إلى السلطان والملك باساليب عجيبة لم تعرفها من قبل اية فرقة إسلامية اخرى ، وكان سلطان الشيعة السياسي الذي حققه الفاطمييون في مصر بفتوحهم وإقامة دولتهم الباذخة ، قد أخذ في الضعف والانحلال . ولكن الدعوة الشيعية لبقت مع ذلك قوية تضطرم في المشرق وكانت تتجه دائما إلى الخلافة الفاطمية لتستمد منها الالهام والعضد الروحي ، ولكنها كانت تتخذ مع ذلك صبغة محلية تكيفها الحوادث والظروف .

وكانت هذه الفرقة المذهبية الجديدة تنطوي منذ البداية تحت علم الامامة الإسماعيلية ، بيد انها عرفت فيما بعد في مختلف الأقطار بأسماء مختلفة مثل الملحدة والمزدكية والتعليمية والباطنية ، وعرفت في الشام أيام الصلبيين بالحشيشية والباطنية اشهر القابهم واخصها ، اطلق عليهم لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا ولكل تأويل تنزيلا ( ١ ) . ولأنهم من جهة اخري كانوا يحرصون على كتمان دعوتهم وغاياتهم ( ٢ ) يبثونها في الخفاء ولا يبدونها إلا لخاصة الصحب والتلاميذ

ومؤسس هذه الدعوة الإسماعيلية الباطنية وواضع اصولها ومنظم دعاتها رجل تقدم لنا سيرته العجيبة صفحة من أغرب صحف الدعوات السرية ، هو الحسن بن علي الصباح الحميري ، وهو شخصية تذكرنا أعمالها وقوة خلالها بأعظم زعماء الحركات السرية والأرهابية الحديثة ، بل سنري فيما يلي ان الحركات الثورية والأرهابية الحديثة التي هزت أركان العروش والدول ، قد تقتبس كثيرا من نظمها وتعاليمها السرية من علم الحسن وتعاليمه ، وان الحسن كان إمام هذا الفن واستاذه الذي لا يجاري .

كان الحسن الصباح إماما من أئمة الدعوة السرية في عصر كانت الدعوة فيه انفذ سلاح لغزو المجتمعات والجماهير . وكان قطبا من اقطاب الخفاء يحيطه الخفاء بسياج من القوة والروع ، وكانت فلسفته اعظم عناصر قوته ، ذلك لان الحسن لم يكن متآمرا وداعية فقط ، بل كان أيضا كما ستري فيلسوفا يطبع فلسفته كثير من الذكاء والطرافة ؛ وكان ينظر من خلال فلسفته إلي العالم والمجتمع بمنظاره الخاص ، ويتخذ منها قانونا خاصا للحكم على الأشخاص والأشياء والحوادث .

ظهر الحسن في عصر كان الإسلام يستقبل فيه مرحلة من ادق المراحل وإخطرها ، ويستجمع قواه ليخوض مع النصرانية في ميدان الحروب الصليبية معركة جديدة ، من معارك الحياة والموت . وكان مولده في طوس من أعمال خراسان في حدود الثلاثين بعد المائة الرابعة . وكان والده الصباح فقيها متواضعا يعتنق مذهب الشيعة الرافضة في الخفاء ، ويستتر بثوب من التقشف والورع . وكان ينتحل لنفسه نسبة عربية ويزعم انه سليل الصباح الحميري . وقضي الحسن صباء في طوس ، ودرس الفقه والحديث على المحدث الشهير موفق الدين النيسابوري ، وكان من زملائه

في الدراسة اثنان تألف تجمعهما فيما بعد واصبحا من اعلام العصر ، وهما الشاعر الأشهر عمر الخيام والوزير الكبير نظام الملك . وكانت طوس يومئذ مركزا للدراسات الدينية الخطيرة ، وفيها ولد وظهر في نفس العصر اعظم فلاسفة الإسلام ، الروحيين وتعنى حجة الإسلام الغزالي ، وكانت ايضا مركزا للدعوات الدينية السرية ، ومهبطا لأقطاب الدعاة ، وفيها تلتقى الحسن الدعوة الإسماعيلية منذ حداثته .

ويحدثنا الحسن عما خالجه يومئذ من تردد في قبولها ، وما كان يعتقده من ان مذهب الإسماعيلية إنما هو مذهب الفلاسفة ، وان إمامهم خليفة مصر الفاطمي إنما هو مفكر من المفكرين الفلاسفة ، وكف انتهي اخيرا إلي اعتناق المذهب ، وغدا من تلاميذ عبد الملك بن عطاش احد اقطاب دعوتهم ، ثم صحبه إلى الري شابا يضطرم إخلاصا للدعوة وحماسة في بثها ( ١ )

ودرس الحسن الكيمياء والفلك وضروب السحر والخفاء التي كانت في عصر علوما رفيعة ، وكانت سلاحا يشهره الأذكياء والأدعياء على البسطاء والعامة . وكان صديقه ورفيق صباه نظام الملك قد شق طريقه إلى السلطان والمجد ، فاتصل به يلتمس عونه وعضده ، فالحقه بخدمة السلطان . وقربه السلطان وحطي لديه بما ايدي من فطنة وبراعة . ولكنه لم يلبث ان القلب على صديقه والمحسن إليه يحاول الإيقاع به وأوجس نظام الملك خشية من دسه ونفوذه ، فعمل على إقصائه ، وأتهمه بالالحاد وبث الدعوة الإسماعيلية فاقصاه السلطان وغادر البلاط ساخطا يلتمس لنشاطه آفاقا أخري .

وكانت هذه مرحلة التكوين والاستعداد في حياة

الحسن . وكان هذا الرهط المستتر من الدعاة يتجه دائما إلي مصر وإمامها الفاطمي قطب الدعوة وملاذها ، ورمز سلطانها وسيادتها ، فالي مصر اتجهت انظار الحسن ، وشجعه شيخة عبد الملك لما انس فيه من مقدرة وإخلاص ، على السفر إليها ليحظي برؤية إمامها المستنصر بالله الخليفة الفاطمي ، وليستمد منه التأييد والعون . فسار الحسن إلي مصر وهبطها في حدود الثمانين ( نحو سنة ٤٨٠ ه ) (١) وفي رواية اخري ان الحسن سار إلي مصر فرارا من نقمة حاكم الري إذ اتهمه ببث الدعوة الالحادية واتستر على نفر من دعاة المصريين ( ٢ ) . ولما وصل إلي مصر لقي منتهي الحفاوة ، واستقبله داعي الدعاة الشريف طاهر القزوينى وعدة من الشيوخ الأكابر عند الحدود . ورحب به الخليفة المستنصر بالله وأكرم وعادته ، وأفرد لاقامته منزلا خاصا ،

وقربه وأمره بدعاه الناس إلي إمامته . ولبث الحسن بمصر ثمانية عشر شهرا يتمتع فيها بتأييد الخليفة ورعايته وثقته ، ويدرس اساليب الدعوة على اساتذة دار الحكمة المصرية ، التي لبثت بالرغم من تقلص نفوذها القديم ، أعظم مركز علمى لتلقين الدعوات السرية ، بيد أنه لم يستطع أن يحرز من النفوذ ما كان يطمح إليه . ذلك أن الخليفة الفاطمي لم يكن يومئذ اكثر من زعيم روحي ، وكانت مصاير الحكم والسلطان قد انتهت يومئذ كلها إلي امير الجيوش بدر الجمالي المتغلب على الدولة والمستأثر بشؤونها . ولم يوفق الحسن إلي الخطوة لدي أمير الجيوش ، إذ كان يوجس خيفة من بيانه ومشاريعه . واستحكم الجفاء بين الرجلين . ولما ثارت مسألة ولاية العهد واختار المستنصر ولد ترارا لولاية عهده ، ايده الحسن في اختياره بحماسة . ولكن خالفه امير الجيوش وحزنه ، واختار ولد الخليفة المستعلي

لولاية العهد ، وكان هذا الخلاف منشأ فرقة إمامية بعثت " بالنزارية " نسبة لنزار ولد المستنصر . وسخط امير الجيوش على الحسن لمناواته ، وانتهز هذه الفرصة فحمل الخليفة على إقصائه ، وأمر به فاعتقل في بعض قلاع دمياط ، بيد أنه استطاع غير بعيد أن يفر من معتقله ، وان يجوز في بعض السفن إلي ساحل الشام .

ونزل الحسن في حلب وأقام بها حينا ، ثم رحل إلي بغداد فخوزستان وأصفهان ويزدوكرمان ، وهو بيت دعوته أينما حل . وكان يبثها في الواقع في مهاد خصبة تجتاحها الدعوات السرية منذ بعيد . بيد أن الحسن لم يكن رجلا نظريا يقف عند الدعوة والمثل النظرية ، وإنما كان رجل عمل يري في الدعوة مرحلة تمهيدية ويتطلع إلي اجتناء ثمراتها العملية . وكانت فارس تقدم يومئذ بنظمها الاقطاعية وأحوالها السياسية والاجتماعية المضطربة إلي المغامرين خير الفرص . وكانت المنطقة الشمالية الغربية ما بين الديلم والعراق تتخللها عدة قلاع منيعة شاهقة تقع في هضاب وعرة ، ويستطيع المسيطر عليها أن يبسط سيادته على تلك المتعلقة كلها . فالي هذه المنطقة اتجهت أنظار الحسن . وكان الإسماعيلية قد بدأوا بالفعل حركتهم العنيفة فرفعوا لواء الثورة في أنحاء همذان ، وحاربوا جند السلطان ، واستطاع أحد زعمائهم أحمد بن عطاش ولد الشيخ عبد الملك أن يستولي على قلعة شاء در بالقرب من أصفهان ، وأن يتخذها قاعدة للهجوم والدفاع . أما الحسن فوجه اهتمامه إلي ولاية روزبار الواقعة في شمالي قزوين وإلي قلعتها المنيعة ألموت . وكان قد بعث دعاته إلي هاتيك القلاع والحصون يبثون الدعوة بين الجند ويفسدون ولاءهم وعقائدهم . وكان حاكم القلعة من قبل ملكشاء علويا يدعي أبا مسلم وهو صهر لنظام الملك ، فاتصل به الحسن وتوثقت بينهما أواصر الصداقة . ولبث الحسن بتحين الفرص ؛ وفي ذات مساء

وثب بصاحب القلعة في جمع من انصاره فأخرجه منها واستولي عليها . وكان ذلك في السادس من رجب سنة  ٤٨٣ ه ( ١٠٩٠ م ) .

وبادر السلطان بارسال الجند إلي ألموت لاستردادها . فضيقوا الحصار عليها وجهد الحسن وانصاره داخلها ، فعندئذ فكر في اغتيال نظام الملك خصيمة ومطارده الحقيقي ، فدس عليه في من دعائه ، فاغتاله ذات مساء من شهر رمضان ( سنة ٤٨٥ ) وقتل القاتل لوقته ( ١ ). ووقع الاضطراب في البلاط واستدعي السلطان جنده فرحلوا عن الموت وتنفس الحسن الصعداء ثم بادر إلى تحصين القلعة وملاها بالرجال والذخائر والأقوات ، وغرس حولها الأشجار الباسفة ، وغدت ألموت ومعناها " تعليم العقاب " - تسيطر بقوتها ومناعتها على ولاية روزبار كلها .

ولم يمض سوي قليل حتي توفي السلطان ملكشاء ، ووقع الخلاف بين ولديه محمود وبركيارق ، وانتهز الإسماعيلية فرصة الحرب الأهلية بين الأخوين ، فاستولوا على عدد كبر من القلاع والحصون في قوهستان واصفهان وهمذان وغيرها ، واستفحل امر ابن عطاش صاحب قلعة شاء در وبسط سلطانه على كثير من انحاء أصفهان . وازداد الإسماعيلية قوة حين حالفهم السلطان بركيارق على أخيه ، ونشطوا إلي مطاردة الامراء السلجوقية حلفاء السلطان محمود واغتالوا عدة منهم ، وبثوا الرعب والروع في انحاء فارس وفشت دعوتهم بين الجند والعامة وغدوا قوة يخشى بأسها . وكان بركيارق نفسه أول من خشي عطشهم فانقلب إلي قنالهم . وفتك بجموعهم في انحاء مملكته . ولما انتهت الحرب الأهلية بين أبناء ملكشاء وعقد الصلح بينهم جد

الأمراء السلاجقة في محاربة الإسماعيلية ، وأثخن فيهم السلطان محمد بن ملكشاء وأفني جموعهم في انحاء أصفهان ، وحاصر ابن عطاش في شاء در واستبسل الإسماعيلية في الدفاع فلم يفهم ذلك شيئا ، ووقعت القلعة أخيرا في قبضة السلطان واسر ابن عطاش واله ولقوا اروع موت .

وليس من موضوعنا أن نتتبع أدوار هذه المعركة التي اضطرمت في فارس بين الإسماعيلية والأمراء السلاجقة وخلفائهم التتار . ويكفي ان نقول إنها استطالت زهاء قرن ونصف قرن بسط الاسماعيلية خلالها حكم إرهاب حقيقي علي الانحاء الشمالية ، ولم يظفر السلاطين بالقضاء على دولتهم المروعة إلا بعد جهود جبارة متوالية :

في ذلك الحين كان الحسن الصباح ممتنعا في الموت معقله ومركز سلطانه ؛ وكان صعوده إلي " الموت " بدء مرحلة جديدة في حياته وحياة طائفته . ومن ذلك الحين ينتقل الإسماعيلية إلي دولة حقيقية ، ويغدو الحسن الصباح زعيما لدولة دينية سياسية ، دولة من نوع خاص يتمتع زعيمها قبل كل شئ بصفة الإمامة الروحية ، ويستند إلي قوة خفية غير ظاهرة ، قوامها جيش من الدعاة والفدائيين المتعصبين ، يتشحون باثواب من الزهد والورع ويعتمدون على غزو الأذهان والعقول ، وعلى سلاح المؤامرة والغيلة ، ويؤيدون تعاليمهم الخفية بالخناجر المستورة ، ومثلهم الفلسفية والروحية بأعمال عنف مروعة . والواقع أن دولة الإسماعيلية الباطنية لم تكن سوي جمعية سرية هائلة ، وضع الحسن نظمها ومبادئها المدهشة ، ولبث أعواما طويلة يرعاها ويوطدها في عزلة ، حتى غدت قوة عظيمة تحدث آثارها العميقة في حوادث العصر وتطوراته . ( النقل ممنوع - لها بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية