-٢-
وقد وضع الحسن قواعد مذهبه ومبادئ طائفته بالفارسية ، في عدة رسائل فلسفية كلامية ، نقل إلينا خلاصتها مواطنه ومعاصره الفقيه والمتكلم البارع أبو الفتح الشهرستاني ( ١) في كتابه " الملل والنحل " . وقد عاش الشهرستاني في ذلك العصر المضطرب ، الحافل بالحروب والثورات الداخلية ، وعاصر حركات الإسماعيلية ووثبانهم في فارس ، وعاصر إمامهم الحسن منذ " صعوده " إلى ألَموت حتى وفاته ، ونقل إلينا تعاليمه قبل أن تمتد إليها يد التغيير والتبديل . وإليك خلاصة هذه التعاليم التي جعلها الحسن دستورا لدعوته ، والتي تدلي بكثير من الطرافة في الابتكار والمحاجة .
يقول الحسن بوجوب الدعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان ومكان ، وإن الفرقة الناجية تتميز من سائر الفرق بأن لها إماما وليس لغيرهم إمام . ويقول في معرفة الباري بضرورة استعمال العقل والنظر إلى جانب المعلم الصادق ، وأن الناس في ذلك فرقتان ، قالت الأولى بوجوب الاستعانة في معرفة الله بالمعلم الصادق ، وأنه لا بد من معرفته أولا والظفر به ثم التعلم منه . وقالت الثانية بالأخذ في كل علم من معلم وغير معلم ، وأن الحق مع
الفرقة الأولى فرأسهم يجب أن يكون رأس المحققين ؛ وإذ تبين أن الباطل مع الفرقة الثانية فرؤساؤهم يجب أن يكونوا رؤساء المبطلين . قال وبالاحتياج عرفنا الإمام ، وبالإمام عرفنا مقادير الاحتياج ، كما بالجواز عرفنا الوجوب ، أي واجب الوجود ، وبه عرفنا مقادير الجواز في الجائرات ، ثم يقول الحسن إن في العالم حقا وباطلا ، وإن علامة الحق هي الوحدة وعلامة الباطل هي الكثرة ، وإن الوحدة مع التعليم ، والكثرة مع الرأي ، والتعليم مع الجماعة ، والجماعة مع الإمام ، والرأي مع الفرق المختلفة ، وهي مع رؤسائها . وجعل الحق والباطل والتشابه بينهما من وجه والتمايز بينهما من وجه ، التضاد في الطرفين ، والترتب في أحد الطرفين ميزانًا يزن به جميع ما يتكلم فيه ، ووزن بذلك الخير والشر والصدق والكذب وسائر المتضادات ؛ وطريقته أن يرجع في كل مقالة وكلمة إلى إثبات المعلم ، وأن التوحيد هو التوحيد والنبوة معًا ، حتى يكون توحيدًا ، وأن النبوة هي النبوة والإمامة معا ، حتى يكون نبوة . ولم يتعد في مسألة الألوهية قوله إن إلهنا هو إله محمد ، وهو الذي أرسل رسوله بالهدي ، والرسول هو الهادي إليه . وقد منع الحسن العامة عن الخوض في العلوم ، وكذلك الخاصة عن مطالعة كتبه المتقدمة إلا من استطاع منهم فهمها .
هذه خلاصة الآراء والمبادئ التي أقام عليها الحسن
الصباح دعوته وجعلها دستورًا لطائفته ، وقد ذكر لنا الشهرستاني بعد إيرادها أنه كثيرًا ما ناظر القوم أي الإسماعيلية في هذه المقدمات ، فلم يظفر منهم بطائل ، وإنه كثيرًا ما نعى عليهم التسليم والتقليد دون المحاجة والإقناع (١) .
وليس من موضوعنا أن نناقش هذه الآراء والمبادئ فذلك شأن المتكلمين ، وقد ناقشوها في مواطن كثيرة . وقد وضع الغزالي مواطن الحسن ومعاصره رسالة خاصة في تفنيد مبادئ الإسماعيلية الباطنية أسماها "فضائح الباطنية" وحمل فيها عليهم وعلى مبادئهم حملة شديدة ، ووصف مذهبهم إجمالا فيما يأتي : " أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض ، ومفتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم ، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق لما يعتريها من الشبهات ويتطرق إلى النظار من الاختلافات ، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم ، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستنصر ، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع ، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات ، وأن كل زمان فلا بد فيه من إمام معصوم يرجع إليه فيما يستبهم من أمور الدين . هذا مبتدأ دعوتهم . ثم إنهم بالآخرة يظهرون ما يناقض الشرع وكأنه غاية مقصدهم ، لأن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه ، بعد أن يظفروا منهم بالإنقياد لهم والموالاة لإمامهم" .
ثم يقول : " والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ، ورفع الحجاب ، واستباحة المحظورات ، واستحلالها ، وإنكار الشرائع ، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم " (٢)
كانت هذه الدعوة الفلسفية الكلامية تمثل في برنامج الحسن جانبه المعنوي والنظري فقط . أما الجانب العملي فكانت تحدوه ثورة إلحادية حقيقية ؛ وكان شعار الحسن الخفي الواقعي ، " أنه لا شئ حق وكل شئ مباح" . بيد أنه كان يتشح بثوب من الورع الفياض ، ويسبغ على آرائه وخططه صبغة دينية عميقة ، ويستظل بلواء الإسلام الحق والإمامة المقدسة ، ويتظاهر بأنه لا يبغي سوى توطيد كلمة الدين وقمع البدع والضلال . وكان النظام السري المدهش الذي وضعه لطائفته أنفذ أسلحته وأمضاها . وكانت الطائفة تتدرج في مراتب سبع سرية ، على رأسها الرئيس أو السيد أو الشيخ ، وهو اللقب الذي اختاره الحسن وآثره على ألقاب الملك والإمارة ، وعرف فيما بعد " بشيخ الجبل" نظرًا لامتناع الشيخ في قلعته الجبلية الشاهقة . ويلي الشيخ المقدمون فالدعاة فالرفاق فالفدائيون ، وهم عماد الطائفة وسر قوتها وسيفها المشهر دائمًا على أعناق خصومها ؛ ثم الحراس والمحاربون ثم التلاميذ . ولا يقف أهل المراتب الأخيرة على شيء من أسرار الدعوة وغاياتها ، ولا يقف عليها سوى كبار المقدمين والدعاة ، وأهل المراتب الصغرى آلات صماء توجه حيثما وكيفما أريد .
وقد استعان الحسن في تنظيم طائفته بخبرة واسعة بالناس والطبيعة البشرية ، وكان يعرف حق المعرفة ما يمكن اجتناؤه من الدعوة السرية ، وما جناه الفاطميون بواسطتها من الظفر والسلطان ، فكانت وسيلته وسلاحه النافذ في تأييد هيبته وسلطانه . وكان يعلم من دراسة عميقة للسياسة والتاريخ ، أن الإلحاد والفساد الخلقي قد يعاونان أحيانًا على إسقاط أسرة ، ولكنهما لا يعاونان قط على تأسيس أخرى . وقد تفيد الفوض المحكومين أحيانًا ، ولكنها يجب ألا تكون قط غاية الحكام ، وأن الكتلة التي يخضع لواحد أو أكثر لا يمكن قيادتها إلا بقوانين
وأصول أخلاقية ودين مستنير ، فهذه وحدها كفيلة بطاعة الشعوب وسلامة الأمراء (١) .
وعاش الحسن في ألَموت في عزلة مطبقة يؤلف كتب الدعوة ويسهر على مصاير طائفته وسلطانه . وفي عهده ازدهرت الطائفة واستطاعت بسلسلة من المغامرات والمعارك المتواصلة أن تبسط سلطانها على عدد من الحصون والمعاقل القوية في العراق والشام . وغدا الإسماعيلية في الواقع قوة سياسية يحسب حسابها ولا سيما في فارس . ولما استفحل أمر الطائفة هب الأمراء السلاجقة إلى محاربتها وسحقها كما رأينا . وانتهت المرحلة الأولى من النضال بسحقهم وزوال نفوذهم من منطقة أصفهان . أما الحسن فلبث ممتنعًا في ألَموت يعمل على توطيد نفوذه في منطقة روزبار . ولما وقع الخلاف بين أبناء ملكشاه عمل الإسماعيلية على توسيع نفوذهم ، وأثخنوا في تلك الأنحاء , وقطعوا طرق القوافل ، وأسرفوا في الاعتداء والسفك والنهب . وبسط الحسن في تلك الأنحاء حكم إرهاب حقيقي . فاستغاث الناس بالسلطان ؛ وحاول السلطان أن يدعو الحسن إلى طاعته بالحسنى . وهنا يروى أن الحسن حينما وفد عليه رسول السلطان يدعوه إلى طاعته دعا أمامه باثنين من رجاله وأمر أحدهما أن يغمد خنجره في قلبه وأن يلقي الثاني من أعلى الحصن ، ففعلا في الحال وهلكا على الأثر . ثم قال الحسن للرسول قل لمولاك يطيعني هكذا سبعون ألفًا من الرعايا المخلصين .
فعندئذ سير السلطان وهو يومئذ محمد بن ملكشاه جنده لمحاربة الإسماعيلية والاستيلاء على ألَموت معقلهم ، وتوالت حملاته عليهم ، ولكنهم استطاعوا هزيمتها جميعًا . فلم ير السلطان بدًا من أن يشهر عليهم حربًا عظيمة فأرسل إليهم في سنة ٥٠٥ ه (١١١١م) جيشًا ضخمًا بقيادة الأمير
أنوشتكين شير كير ، فهاجمهم واستولي على عدة من قلاعهم . وغادر الإسماعيلية الحصون المفتوحة إلى ألَموت فغصت بهم ، وجمع الحسن قواته واستعد للمعركة الحاسمة . ثم سار أنوشتكين إلى ألَموت ، وضرب حولها الحصار الصارم ، وبنى حولها المساكن لجنده . وطال الحصار أعوامًا ولقى الإسماعيلية أهوالًا في جلب الأقوات والمؤن وأشرفوا على الهلاك . وهددهم شبح الموت جوعًا . وكاد اليأس يحملهم على التسليم ولم ينقذهم من القضاء المحتوم سوى موت السلطان محمد ( ٥١١ ه ) . وعندئذ اضطر أنوشتكين أن يرفع الحصار ، وأن يرحل فطارد الإسماعيلية مؤخرته واستولوا على ما خلفه من الأقوات والأسلاب ، وقويت بذلك نفوسهم وآمالهم وعاد سلطانهم كما كان خطرًا مرروعا
-٣-
إلى ذلك الحين قطع الحسن في ألَموت منذ استيلائه عليها زهاء ثلاثين عامًا ، يوطد زعامته الدينية وسلطانه السياسي ببراعة مدهشة . وكان يحرص جد الحرص على أمامته الدينية ، ويحيطها بجميع المظاهر الصارمة المؤثرة ؛ وكان يعيش في منتهي التقشف ، ويشتد في تطبيق أصول الدين وفرائضه ، ويسود الزهد المطبق والطاعة العمياء كل مكان ، وتحرم الخمر والموسيقى وكل الملاذ والملاهي الدنيوية المحرمة . وكان الشيخ أو السيد ( وهو اللقب الذي اتخذه الحسن ) يرتدي دائما البياض على طريقة المبيضة ، ويرتدي الرفاق والفدائية أثوابًا بيضاء وأحذية وأحزمة حمراء . وكان يلازم معقله طوال السنين لا يغاده مطلقًا ، بل يقال إنه مدى إمامته في ألَموت ، وقد طالت خمسة وثلاثين عامًا ، لم يظهر في شرفة قصره أكثر من مرتين (١) .
وعاش الحسن طويلا بعد أهله وصحبه جميعًا ، وسقط معظم أكابر دعاته صرعى الخناجر ؛ وفي أواخر حياته شابت الوحشية طباعه ، وتفاقمت صرامته وقسوته ، حتى إنه قتل
ولديه بيديه ، أولهما وهو "الأستاذ " الذي كان يرجى أن يخلفه في رياسة الطائفة ، لأنه اتهم بالاشتراك في مقتل حسين القيني مقدم قوهستان ، وهو من خاصة الدعاة المقربين ؛ والثاني لأنه شرب الخمر . بيد أنه لاريب أن هنالك بواعث أخرى حملت الحسن على هذه الصرامة الدموية ، فربما خشى من دسائس ولديه ، وقد سئما حكمه الطويل ، ويئسا من تولي السلطة مكانه ، وربما رآهما الحسن غير خليقين بخلافته في رياسة تقتضي كثيرا من المواهب والصفات الرفيعة ، فاعتزم أن يسحق الأسرة ، وأن يترك خلافته للأصلح من دعاته . ذلك أن روابط الدم والقرابة لم يكن لها كبير حساب في جماعة توثق روابطها قبل كل شيء بأواصر الجريمة والدم المسفوك (١) .
ويقول لنا فون هامار في هذا الموطن : " إن الحسن كان جامدا خلال سلطانه ، ولكنه كان يدفعه إلى أطراف خراسان والشام ، وكان يوجه بقلمه خناجر أتباعه الفدائية ، وكان أداة رائعة للقدر كالوباء والحرب ، كارثة على الملوك الضعفاء والشعوب المنحلة " .
وقد ترك لنا المؤرخ الفارسي " مبرخوند " في كتابه "روضة الصفا" نبذة طويلة عن تاريخ الإسماعيلية في فارس ، وأهمية روايته في أنها منقولة عن التاريخ الذي وضعه الوزير عطاء الملك وزير السلطان هولا كو عن الإسماعيلية ، منقولا عن كتبهم وأوراقهم بعد أن سقطت ألَموت في يد السلطان وافى الإسماعيلية مصرعهم في فارس سنة ٦٥٠ ه ، وتاريخ مبرخوند هو مرجعنا في كثير من الوقائع والتفاصيل التي أوردناها (٢) .
وتوفي الحسن الصباح في ألَموت سنة ٥١٨ ه (١١٢٤ م) بعد أن حكم خمسة وثلاثين عامًا ، وقد أشرف على التسعين من عمره .
وكان الحسن كما رأيت رجلا من أفذاذ الرجال ومغامرًا يفيض ذكاء وجرأة وإقدامًا ، وكان مفكرًا من أعظم مفكري عصره ، وقد شق إلى الرياسة والملك طريقًا وعرا محفوفا بالمخاطر ، فذلل وعره وصعابه بدهاء وبعد نظر ثاقب ومعرفته بالناس والحوادث ؛ وإذا كان قد لجأ في تحقيق خططه وغاياته إلى وسائل مروعة وأساليب مثيرة يأباها الولاء والشرف والخلق الأمثل ، فهو لم يكن في ذلك إلا مطبقًا لنوع من السياسة المكيافيلية ، قبل عصر المكيافيلية ، وهي سياسة لا تحجم اليوم عنها ولا تأنف من اتباعها في عصرنا دول عظيمة قوية . وإذا كان قد اختار هذه الأساليب الدموية لإنشاء دولته وتوطيد سلطانه ، فإنه لم يكن يقصد فيما يرجح أن ينحدر الإسماعيلية إلى ذلك الدرك الإجرامي الأسفل الذي انحدروا إليه على يد خلفائه ، والذي انتهوا فيه إلي جمعية ناهبة من السفاكين والأشقياء المرترقة الذين تجردوا من كل المثل والغايات .
وتنوه الرواية الإسلامية بشجاعة الحسن وقوة رأيه ، وبراعته في مختلف العلوم والفنون (١) . ويعتبره فون هامار عبقرية عظمى(٢) .
(النقل ممنوع)

