الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 670 الرجوع إلى "الثقافة"

الحضارة والادب، وأيهما ينهض بالآخر ؟

Share

لم يزل الكتاب يحاولون الوقوف على كنه الصلة بين الحضارة والأدب ، ويتساءلون أيهما السابق على الآخر في الوجود ، والحافز له إلى التقدم ؟ . .

وقد مالت الكثرة من أولئك الكتاب . وهم من الأدباء ، إلى إرجاع الفضل في رقى الجماعات ، وازدهار الحضارات إلى الأدب ، فهم يرونه قوة فعالة تغلق الأذهان وتنعى المدارك . وتوقظ المشاعر ، وتحفز الهمم . فالشعراء على حد قولهم لم يكفوا في مختلف العصور عن التغني بالحريه وغرس حبها في النفوس ، وتمجيد البطولة ، وحث الناس على التسامي إليها والإشادة بالجمال وإبراز خصائصه ومزاياه . وظل الأدباء المعنيون بالمذاهب السياسية وقضاياها الفلسفية والفقهية يميطون اللئام في بحوثهم عما يشوب الأوضاع الاجتماعية القائمة في وقتهم من ظلم وعنت ، ويذكرون الشعوب بحقوقهم المهضومة ، ويدعونهم إلى انتزاعها من أيدي المستبدين والمتعنتين حتى تتحقق العدالة والمساواة بين الناس ، ولم يزل كتاب القصة يصورون الحياة في قصصهم ويتناولون بالدراسة والتحليل طباع الناس وسلوكهم .

ويبرزون سجاياهم وعيوبهم فيعينونهم على فهم أنفسهم وفهم الحياة فهما صحيحا ، ويبصرونهم بما غمض عليهم من حقائق يكشفون لهم عن وجه كل من الحق والباطل ، فيهدونهم إلى السبيل القمينة بالإتباع ؛ فالأدب وهو يؤدي رسالته على هذا الوجه يرسم لمجتمعه طريق الرقى الحضاري ، ويبث فيه الخلال التي تؤهله للصعود في معارجه ؟ ثم إن مثل هذه الحملات الأدبية في نظر أولئك الكتاب هي التي أشعلت الثورات الأوربية التي تعد مراحل انتقال رئيسية من نظام حضاري إلي نظام حضاري أرقي منه ؟ وكان إبراهيم عبد القادر المازني يؤيد هذا الرأي في مصر ، ويرى أننا لا بد واجدون نهضة أدبية وراء كل ثورة سياسية ، ثوري

زندها ، وتزودها بالوقود ، ولا تفك تلهبها حتى تصل بها إلى تحقيق أهدافها ، واستند الكاتب في تأييد هذا الزعم إلى النهضات الأدبية التي سبقت الثورات الانجليزية والفرنسية والإيطالية في تاريخ أوربا الحديث ، ثم إلى نهضتنا الأدبية التي سبقت ثورة عام ١٩١٩ .

أما القلة التي تعارض هذا الرأي وقوامها بعض الفلاسفة والمؤرخين فتري أن الحضاره هي التي تهيئ الظروف والملابسات لظهور الأدب ، وهي التي تفسح له في مجال النهوض والازدهار .

وقد أخذ " توماس باكل " بهذا الرأي وهو يؤرخ الحضارة الانجليزية ، فزعم أن الجماعات الإنسانية وهي تعيش في طورها البدائي الهمجي على الصيد والقنص ، تظل على خوف دائم من المجهول ، فهي تخشى قاتلة الجوع ، وفتك الضواري ، وغضب الطبيعة حين تثور .

وهي في هذه الحالة لا تفكر إلا في سد حاجاتها الوقتية الماسة ، ودره المخاطر عنها ، أما التفكير فيها وراء ذلك من أمور الحياة فتعذر عليها وهي تعاني ما تعانيه من خوف متصل وقلق مستديم ، فإذا ما تخطت طور الصيد والقنص إلى طور الزراعة واستئناس الحيوان . توصلت بذلك إلى توفير أقوات زائدة عن حاجتها وتخزينها ، فأمنت شر الجوع وأتيحت لها حياة مستقرة نوعا ، تتسع فيها مندوحة من الوقت للتفكير في أمور الكون المحيطة بها ودراستها ؟ . .

وحينذاك يظهر بين أفرادها الأدباء والعلماء ، وتنشأ فنون القصة والشعر والنحت ، وعلوم الفلسفة والطبيعيات ، وغير ذلك من ألوان الفنون والعلوم . . ثم يستمر ازدهار العلوم والفنون على قدر ازدهار الحضارة .

وينحو " وول ديورانت " هذا المنحي في كتابه " قصة الحضارة " ويؤيد رأي توماس باكل من طريق غير مباشر

إذ يقول : " لا تتوقف المدنية على جنس دون جنس ، فقد ظهر في هذه القارة أو تلك وقد تنشأ عن هذا اللون من البشرة أو ذاك . . فليس هو الجنس العظيم الذي يصنع الم نية ، بل هي المدنية العظيمة التي تخلق الشعب . . فلو تهيا الجنسي بشري غير الإنجليز نفس ظروفهم المادية ، ألقيت النتائج نفسها تتولد عنها ، ومعنى هذا أن حضارة أى شعب من الشعوب لا تخلق ثقافته الفنية والعلمية فحسب ، ولكنها تخلق مقوماته الفكرية والنفسية والخلقية كافة .

ونحن إذا استعرضنا هذه الاتجاهات الفكرية ومحصناها ، نجد أنها لا تثبت للنقد الذي يتخذ من الواقع محكا يفرق به ما بين الصحة والزيف . فالقول بأن النهضات الأدبية تخلق النهضات الحضارية العامة ينظر أصحابه إلى هذا الموضوع المعقد من زاوية واحدة . فإنك إذا سألت دارس التاريخ عن أسباب أية نهضة من نهضات الحضارة ، أو آية ثورة نجحت في تحطيم نظام سياسي عتيق واستبدال ما هو خير منه به . ثراء لا يذكر لك أثر أهل القلم إلا في ذيل قائمة أسبابه ، بل قد ينسى أثر أهل القلم وهو يعدد لك ما يسميه أسباب الحضارات المباشرة . ثم إن الأخذ بهذا الرأي ، أي بالرأي الذي ينسب إلى القلم فضل بناء الحضارات ، يتتبع التسليم بأن فكرة الحضارات تنشأ من العدم في أذهان الكتاب فيعمد هؤلاء إلي بثها في الصدور بما يدبجون من الصفحات الأدبية الرائعة . وبديهي أن هذا الزعم الشاطح بعيد كل البعد عن حقيقة الواقع ، لأن اتجاهات الكتاب الفكرية مستمدة من الاتجاه الفكري العام في العصر الذي يعيشون فيه ؛ فهم لا يستمدون إنتاجهم الأدبي من عالم الغيب ، ولكنهم يقتبسونه من عالم الواقع ، ولولا ذلك لما صادف هوي في أي فؤاد . أما القول بأن الحضارات تخلق النهضات الأدبية فمنحرف عن الصواب انحراف الرأي الذي سبق شرحه ، ذلك لأن القائلين به يحسبون أن الاستقرار والاطمئنان كفيلان وحدهما بنشوء الأدب وتقدمه ، في حين أن الواقع يناقض هذا الحسبان . فالأدب تعبير عما يجيش في صدر الإنسانية من مشاعر ، وما يدور في خلدها من خواطر . وهو لم ينشأ إلا حين مست الحاجة في بعض المجتمعات إلي نشر بعض العقائد وتنميتها . وكانت تلك العقائد في بادئ الأمر دينية ، ثم

تطورت إلي وطنية فإنسانية . وعلى ذلك سار تطور الأدب في موكب التطور العام وظل وثيق الصلة به ، يؤثر فيه على قدر ما يتأثر به . ولزيادة هذا الرأي شرحا نقول إنه ما دام الأدب الحي تعبيرا صادقا عن الإنسانية المتطورة في طريق الرقي فهو لابد مقترف من نبعها، وهو إذ يسيل ميولها ومعتقداتها ومثلها يعمق تلك الميول والمعتقدات والمثل . ويضاعف قوتها ، ويزيد سرعة انطلاقها في طريق النمو والتقدم . فإذا ما تم ذلك عادت ، بعد بلوغها مستوي جديدا من التقدم ، إلى التأثير فيه ومعاونته على بلوغه هو الآخر مستوي أعلى مما كان عليه . وهكذا يدور هذا التأثير والتأثر في حلقة مفرغة ، ويتم النمو المبني على هذا التساند غير المنظور في خطوات بطيئة قصيرة في مراحل تطورها ، ولكن تلك الخطوات تنقلب وثبا في طفرات الانتقال من طور إلى طور ، وقد يعترض علينا القارئ المدقق بأننا حاولنا حل الإشكال المتقدم بالتورط في إشكال أعقد منه ، فما دمنا ننكر نشوء الآيات الأدبية في خلد الأدباء من العدم ، ونقول إنها وليدة المعتقدات والحوالج العامة ، فكيف نشأت هذه الحوالج والمعتقدات ؟ أنسلم بأنها تنشأ من العدم ؟ أم نصر على القول باستحالة نشوء شيء من العدم ؟ وإذا أخذنا بهذا الرأي الأخير ، وهو الرأي الذي يؤيده العلم ويقره الواقع ، فكيف تنشأ المعتقدات الاجتماعية إذا

إن كل شئ في الوجود يخرج من صلب غيره ، وينمو ويشتد على حساب غيره ، ثم يضعف وينهار مفسحا المجال لغيره ، ثم يصبح غذاء لغيره فيعينه على النمو والاشتداد بدوره . هذه هي الخطوات التي يسير عليها الكون في تقدمه . ولا يظن أنها مقصورة على الأجسام المادية ، فإن النظم والمذاهب والمعتقدات والأفكار تخطو هي كذلك نفس الخطوات في تقدمها ، ونحن لا نستطيع أن نشرح تلك الخطوات الشرح الكافي إلا إذا ألممنا بنظرية التفسير المادئ للتاريخ ، فعلى ضوء تلك النظرية نستطيع أن نصل في دراستنا للأدب وغير الأدب من نتاج الفرائح إلى ما لا يمكن أن نصل إليه بدونه . ولذلك نأمل أن نشرح تلك النظرية بالتفصيل في فصول تالية لنتمكن من دراسة نهضتنا الأدبية علي أصول صحيحة ، ومنهج سليم . ونكتفي

هنا بالقول إن حاجات الإنسان ، سواء في ذلك الضرورية والكمالية ، تدفعه إلى الإنتاج ، والعمل على تحسينه ووفرته ، وهذا يؤدي إلى تحوير وتجويد في وسائل الإنتاج والعلاقات القانونية بين أصحاب العمل والمنتجين ؛ وهكذا يرتفع على توالى الزمن مستوي الحياة المادي . وتتبدل طبيعة العلاقة بين كل من أصحاب العمل والمنتجين والمستيلكين ، وتتطور النظم والقوانين ، وتتغير طرق توزيع الانتاج ، فتظهر المعتقدات والمثل الجديدة المستنبتة مما سبقها ، ولا يتم تطور كل ناحية من هذه النواحي على حدة ، ولكنه يتم في تناسق وتآزر وارتباط بينهما جميعا . .

نعود ، بعد الذي قدمناه ، إلى مناقشة رأي وول ديورانت في الحضارة ، وإصراره علي أنها تخلق شعوبها . هذا الرأي يستند إلى المذهب المادي في تفسير تطور المجتمعات ، ولكنه يتطرف فيه إلى الحد الذي ينحرف قليلا عن جادة الصواب . ولا بد لنا من الرجوع إلي تفسيره للحضارة حتي تبني مناقشاتنا على أساس واضح . يقول ذلك الكاتب " الحضارة نظام اجتماعي يعين الانسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي ، وتتألف الحضارة من عناصر أربعة : الموارد الاقتصادية ، والنظم السياسية ، والتقاليد الخلقية ، ومتابعة العلوم والفنون . . " ويبدو من هذا القول أن الكاتب في تعريفه للحضارة لم يفرق بينها وبين مقومات شعوبها ، فكيف يقول إن الحضارة تخلق تلك المقومات ؟ ! ثم إننا نأخذ عليه كذلك قوله الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال : " لو تهيأت لجنس بشري غير الانجليز نفس ظروفهم المادية ، ألقيت النتائج نفسها تتولد عنها " هذا الرأي مؤسس على المذهب المادي البحث الذي أخذ به فلاسفة القرن السابع عشر ، وهو المعروف باسم المذهب الآلي ، أو الميكانيكي الذي يحسب حساب تأثير الظروف المادية في المجتمعات ، ويغفل تأثير أفراد الجماعات في الظروف المادية ، وعملهم على تحويرها بعد تأثرهم بهم ، واختلاف هذا التأثير حسب درجة وعي الشعوب لظروفها المادية ، وتأثرها بثقافات غيرها تأثرا يحور درجة وعيها لتلك الظروف . ومما لا شك فيه أن ظروف انجلترا المادية من الناحية العامة ظلت على ما هي عليه منذ زمن قديم ، فما المدى أخر وعيها لها حتي القرن السادس عشر ؟ . .

نستخلص مما تقدم أن كلا الرأيين اللذين تعرضنا لهما

خاطئ ، فلا الأدب يخلق الحضارة ، ولا الحضارة تخلق الأدب . والذي يقول بهذا الرأي أو ذاك ينظر إلى الموضوع نظرة فردية ، أو نظرة ميتافيزيقية بالية ؟ ذلك لأنه يفرق بين نواحي النشاط الفكرية المختلفة ، وبين الظروف المادية تفرقة لا أساس لها من الواقع ، فكلها وحدة متشابكة متفاعلة يؤدى تشابكها وتفاعلها وحدهما إلى تقدم الشعوب . وما من سبب لهذه النظرة الفردية الميتافيزيقية إلا أن أصحابها ينظرون إلى الحياة ، إذ يحاولون فهم معضلاتها ، نظرة الفاحص الواقف خارج نطاق ذلك المعترك . فهم إذ يعزلون أنفسهم عن الحياة وهم يدرسونها ، ويحسبون أنهم يتتبعون تطوراتها من بعيد ، يعزلون كل شئ فيها عن سواء ، ويقسمون أجزاءها متأثرين بعزلتهم ، على أنهم لو فطنوا إلى حقيقة الواقع ، أى إلى أنهم جزء من الحياة مندمج فيها ، لأدركوا على التو أن الحياة وحدة لا يؤثر جزء منها في الآخر وهو منعزل عنه ، ولكن التأثير والتأثر بين أجزائها المندمجة متداخلان متشابكان لا يجوز التفريق بينهما كذلك .

وإذا اردنا أن نفيد مما تقدم ونحن نمحص نهضتنا الأدبية ، ونحاول تسديد خطاها في سبيل النهوض والتقدم ، فلا بد أن نلفت نظر أدبائنا إلى أهمية تقدمنا الحضاري . وإلى أن قيمة أدبهم تتوقف على درجة وعيهم لذلك التقدم وتأثرهم به ، فعلى قدر ذلك التأثر سيكون تأثيرهم فيه تأثيرا يدفعه إلى الأمام دفعة أخري .

يظن بعض المهتمين بأدبنا الحديث أنه في طليعة نواحي نشاطنا الثقافي ، ولكن الواقع على نقيض ذلك فيما تزعم . فالأدب عندنا في ذيل نهضتنا العامة ، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن تقدمنا المادي يطرد إلى الأمام في سرعة فائقة أبعدت الشقة بينه وبين غيره من ألوان التقدم . ولما كنا في أشد الحاجة اليوم إلي تضافر القوي حتى نتمكن من تحقيق ما نصبو إليه من نهضة حقة ، فقد وجب على كل أديب يدرك هذا أن يتنبه ، وينبه غيره ، إلى أن الأوان قد آن لتحويل الأدب من معرض للتنسيق والتزويق إلي قوة فعالة وثيقة الصلة بنهضتنا العامة ، تتأثر بها وتؤثر فيها ما وسعها . هذه هي مهمة الأدب الرئيسية ، ونحن أحوج ما نكون الآن إلى إدراك هذا حتى نستطيع تحطيم قيود الجهل والرجعية والارتفاع إلى مستوي الحياة الكريمة المرتقبة .

اشترك في نشرتنا البريدية