الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 406الرجوع إلى "الثقافة"

الحظوظ

Share

ضمنا مجلس للسمر وكنا ثلة من الأدباء - النابهين والخاملين والأدعياء - وكنا موامين بإبداء بعض الآراء أو الملاحظات عن الكتب التى تظهر حديثا أو الشعر الذى ينشر فى المجلات أو فى الدواوين .

وقد ظهر فى الأيام الأخيرة ديوان تغريدات الصباح للشاعر المبدع الأستاذ محمد الأسمر وكان فى غضون الكلام عنه وتوضيح مواطن الإجادة والإبداع والقوة والمتانة أن تعرض أحد جلاسنا الأدباء لأبيات من الديوان تحت عنوان حظى وقال فجأة : ولا تنسوا أن الأسمر أيضا من الشعراء غير المحظوظين ، فيجب إضافته إلى القائمة الخاصة بهم وكان يقصد الأبيات :

سألت عن حظى فقالوا : مضى

مغتربا يرحمه الله

عاش ولم أعرف له موضعا

ومات لا أدرى بمثواه

اذكر حاليه وما فيهما

لشد ما تؤلم ذكراه

فقدته فى العيش ياليتنى

فى الموت أو فى البعث ألقاه

ثم أخذ فى تعليل وجهة نظره عن الشعراء وكيف يلازمهم سوء الطالع ، وخفة الجيوب ، ونكد العيش دون تريث ولا إكتراث . وقد شن حملة شعواء على الشعراء والأدباء ، ونوه بأن نحارب الشعر ونجافى الأدب ، لأنه ما من شخص امتهن هذه المهنة أو احترف هذه الحرفة إلا وكان الهوان والفقر نصيبه وقسمته

ثم اسكته بعض المناوئين لهذه الفكرة الواهمة المغلوطة ولكن دون ما جدوى ، لأن مفهومه واعتقاده بأن الأدب والإملاق هما كقطعة المغناطيس والحديد أيهما وجد بقرب

الثانى انجذب إليه وعلى سبيل التفهيم أريد أن أكتب هذا المقال .

إن فى هذا العالم الملىء بشتى المحترفين والعلماء والعباقرة والنوابغ والعمال والزراع إلى أحط الطبقات أو المهن فى هذا العالم يوجد قسمان : قسم غنى لحد ما ، أو فقير معدم لا يجد القوت إلا بشق النفس فكثيرا ما نسمع أو نقرأ أن فلانا العبقري النابغة يعيش فى خفض من العيش وعيشة البؤس والشقاء ، وأن فلانا العالم مات وهو طاو لثلاثة أو أربعة أيام لأنه لم يجد القوت الكافى لسد رمقه أو أن فلانا الباشا أو فلانا الخطير توفى وترك عائلة ضخمة العدد والتبعات ، وهى الآن ترزح تحت أعباء الديون ، وأن الحكومة تبرعت لعائلته بكذا من الدنانير أو الجنيهات وسددت جميع ديونه من خزينة الدولة الخاصة وهكذا مئات ومئات الأمثلة الواقعية المحسوسة .

وتقع مثل هذه الحالات لأشخاص من أى الأصناف أو الطبقات ، ولكن من كل صنف أشخاص يعدون على الأصابع . فهذا إذا نظرنا إلى طبقة الشعراء والمفكرين أو الساسة والعلماء فليس معنى ذلك أن كل الشعراء مفلسون ، ولا كل العلماء معدمون ، ولا كل العظماء ، يموتون وهم مدينون ، فهناك من ثرواتهم تتجاوز المئات إلى الألوف وتتعداها

وتطالعنا الصحف في كل مناسبة أن فلانا الجاهل يدر عليه المال مدرارا ، ويفترش أرض داره ذهبا ، لأن الذهب والحصى عنده بمنزلة سواء ، فلا قيمة للمال عنده ولا وزنا من الأوزان ، مع المسلم أنه لا يجيد القراءة والكتابة ، ولذلك فقد اتخذ له كاتبا يكتب وارده وصادره وأن كاتبه يقدم له استمارة ليمضيها فيخرج الختم من كيسه فيختم به الاستمارة لأنه لا يجيد الإمضاء .

وتمر بنا الآية الكريمة وفضلنا بعضكم على بعض فى

الرزق ولكن لا ندرى ما هى الحكمة فى هذا التفضيل ؟ فذاك عالم نابغة فنان يبيت طاويا يتضور من الجوع ويتقلب من الألم ، وهذا جاهل حيوان لا ينفع يبيت مقتولا من التخمة والبطر . إذا ما هى الحكمة من تعب العالم لإسعاد البشر والرزق ضحلا لديه ، و كسل الجاهل عن فائدة أى إنسان غيره والرزق مدرارا عليه

فالقضية هنا ليست قضية عالم وجاهل ، أو مثقف وأمى ، وإنما هى قضية حظوظ وهذه الحظوظ تكاد تلازم الشخص من يوم ولادته إلى مماته ، أو ما يتخللها من معاكسات سلبية كانت أو إيجابية فى غضون المدة التى يقضيها بين مهده ولحده . وشاهد كلامنا أن الأرزاق هى ليست مقاييس ذكائنا ومواهبنا وقابلياتنا والأارزاق يدخل في ضمنها الأكل والشرب والملبس والمركب والمفرش - وإنما هى مقاييس المحاولات التى تنمو فى الأشخاص وتكون غريزة فيهم . وهذه المحاولات هى كيفية اصطياد الرزق وبأى واسطة وكيف . وإنى أسلم جدلا بأن الكثير من الرزق يأتى فى معظم الأحيان إلى أكثر الأشخاص عن طريق الصادفة ، وهذه الصادفة هى ما يمكننا أن نسميها بحظ الشخص . على أن لهذه الصادفة مقدمات من جهود ومتاعب إن أخطأت في واحدة منها فلن تخطئ في الكثير ، وترى كثيرا من الناس أيضا يهدى من المحاولات غير الموجهة بالنسبة لحكم ونطاق عمله فلا تأتى صحيحة ، بل تكون مصحوبة بالإخفاق الشامل العام ، وهذه هى صدمات في الحياة وكل صدمة تجابه الإنسان فى حياته يجب أن يكتسب منها خبرة أكثر فيتلقاها بصدر رحب ، ومن ثم يستأنف السير فى عمله والمثابرة فى محاولاته ، وعلى كل ما قلناه يمكننا أن استشهد بما قاله المتنبى:

فلو كانت الأرزاق تعطي على الحجى

هلكن إذا من جهلهن البهائم

وهذا هو الصحيح المضبوط فلو كان الأمر كذلك

أى أن الرزق يعطى على حسب الدرجات بالنسبة للعلم والعقل والذكاء لمات إذا من هم فى الدركات .

فالدواب هى الحيوانات العجماوات والتى لا تملك من العقل فتيلا ، ولكن بالرغم من ذلك نرى كل الدواب تعيش وتتكاثر ، بل نشاهد من الحيوانات ما هو أنعم وأسعد بكثير من بنى الإنسان .

فما الكلاب المدللة ، والقطط المحببة ، والقردة المقربة ، أو الدببة المسلية ، إلا شواهد ناطقة على أن بعض الحيوانات أهنأ وأسعد من أكثر الناس .

ولقد أسمعتنا بعض المجلات : أن ولى عهد إمارة كان له حمار صغير مدلل لا يفارقه ساعة واحدة طيلة نهاره وأراد جلالة والده أن يرسله إلى بعض مدن أوربا . فما كان من الأمير الصغير إلا أن اصطحب جحشه المدلل معه في الطائرة .

وإلى هذا التاريخ كثير من الناس لم يشاهد الطائرة وإن شاهدها لم يركبها . أو كما يروى لنا الأستاذ مصطفى أمين بك فى كتابه ) أمريكا الضاحكة ( عن اللورد بوبى الكلب المليونير " وكيف تنفق له ألوف الدنانير ، وتحضر له المركبات الفخمة ، ووصفة واحدة يشير طبيبه الخاص بها تكلفه خمسة آلاف دولار وتستحضر له من ألمانيا بالطائرة وملايين من الناس يتقطعون حسرة على الدينار الواحد . فإذا كانت حكاية أمريكا الضاحكة هذه فى حيز الحقيقة فهذا هو ما نريده ، وإن كانت من نسج الخيال فلم نأت بها إلا للاستشهاد . فإذا أخذنا قول أدبينا الأستاذ بنظر الاعتبار وهو أن جميع الشعراء أو الأدباء مفلسون لأن بعضهم فى حظه وتكلم عن سوء طالعه ونحسه ، صح لنا أن نقول إن الحمير أو الكلاب أحسن من بنى الإنسان حالا ، لأن حمارا ما أركب في طائرة ، وأن كلبا من الكلاب ملك الملايين من الدولارات وإذا وافقنا الأستاذ الأديب على رأيه وجب علينا أن نقرر أن كلامنا لا يعتمد على منطق

وما هو إلا هذيان وكل ما بالأمر أن الشعراء أكثر حساسية من غيرهم وأرق شعورا ، ولهم من الأخيلة ما يجعلك ان تتصور الشئ وكانك تراه . ولهذا فهم يظهرون ويكشفون عن دخائلهم ؛ فإذا صادف أن شاعرا وثانيا وثالثا من تلك الجماعة التى تعد بالمئات أو الألوف أكثروا من رثاء حظهم وتأبين طالعهم فتحدث ضجة تحسبها صدرت من ألوف . فمثل هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص من مئات الشعراء والأدباء يعد شاذا ولا قياس على الشاذ .

أما بقية الطبقات ففيها من المفلسين والمعوزين ما يربو عددهم على عدد الشعراء والأدباء الذين على شاكلتهم ، ولكن لا يمكنهم التعبير عما يجول بخاطرهم من مثل هذه الأحاسيس نحو الفقر والعدم ، ولذلك تبقى مكبوتة في نفوسهم إلي أن تقتلهم ولا يحس بهم الغير

وختاما لمقالنا أود أن أنقل إلى القارئ العزيز بعض ما أحفظه من رثاء حظوظ بعض الشعراء ووصف حالاتهم النفسانية والمادية .

فإني قرأت لشاعر كلمة طويلة عن حياته البائسة التي يختمها بأبيات من نظمه يصف بها حظه

إن حظي كدقيق بين شوك بعثروه

ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه

صعب الأمر عليهم قلت يا قوم اتركوه

إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه

فهذه الأبيات هي من أدق الأوصاف ، وأروع ما جاءت به عبقرية شاعر في وصف حظه بهذه الخطورة والدقة .

وكان أبو الشمقمق الشاعر من أكثر خلق الله تبرما بالناس ، واستخفافا بهم ، وقد لزم بيته في أطمار بالية مهلهلة حتى لا يقابل أحدا . وأقبل عليه أحد إخوانه الظرفاء فلما رأي سوء حاله قال : أبشر أبا الشمقمق فإنا روينا

في بعض الحديث أن العارين في الدنيا هم الكاسون في الآخرة . فقال إن صح والله هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزازا ثم أنشأ يقول :

أنا فى حال تعالى الله ربي أي حال

ليس لي شئ إذا قيل في لمن ذا قلت : ذا لي

ولقد أفلست حتى

محت الشمس خيالى

ولقد أفلست حتى

حل أكلى لعيالى

وكان يحاول كل المحاولات في أول أمره حتى مل وسئم برم بالحياة ورأى ذم الدنيا . ووصف حظه خير ملهاته ومسلاته ، ويسمعنا آخر قوله : في وصف منزله وفقره :

منزل أوطنه الفقر فلو

يدخل السارق فيه سرقا

وهكذا الخ

اشترك في نشرتنا البريدية