رجوت فى غاية مقال ( فى السياحة ) أن ألم بحديث الحكائين ممن كانوا يطلبون البلاد الأجنبية إذا كان الصيف . ولعلك تذكر أننى زعمت فى ذلك المقال أن غريزة المحا كاة والتقليد كان لهما فى تلك البدعة الأثر البعيد . كان الكبراء من رجال الحكم ومن على شاكلتهم يشدون الرحال إلى الآستانة فى مطالع الصيف وعلى رأسهم ولى الأمر نفسه . وجعلت العدوى تسرى حتى أصابت أهل الطبقة الوسطى فمن دونهم . فمن عز عليه السفر إلى الآستانة ، اكتفى بالشخوص إلى الشام . وكانت كلمة (الشام) تطلق فى مصر على ما ندعوه الآن سوريا ، ولبنان ، وفلسطين الخ .
وكيفما كانت الحال ، فأن السائح إذا عاد إلى مصر جلس فى داره أياما للهناء ، وربما سبق أهله فزينوا باطن الدار وظاهرها فرحا بسلامة القدوم ، وترى الناس يقبلون عليه أفواجا ، يبدون له فرحهم بعودته سالما ، وغبطتهم له ، بظهر الغيب ، على ما رأى وما شهد . ولا يلبهم هو حتى يسألوه عن شئ من ذلك ، بل إنه لسيعاجلهم بالحديث الطويل . وكلما أقبل فوج من الناس أعاد الحديث وكرره ، وهكذا حتى تنقضى أيام الهناء ، إذ يخرج للقاء الناس فلا يضمه بهم مجلس ، بل لا يكاد يلوح له اثنان يتحاوران فى شأن لهما حتى يفسح لنفسه بينهما مجلسا ، ثم طفق يتحدث فيما رأى فى رحلته وما شهد ، وما أكل وما شرب . ولقد تكون رحلته من يوم تحصله إلى يوم مهبطه مصر قد استهلكت ثلاثين يوما فقط ، ولكنه مستهلك فى الحديث عنها ثلاثين عاما !
ولقد ضاق بهذا جماعة من أهل الأدب والطرف ، وتجرعوا به برما شديدا . وكان على رأسهم المرحومان السيد محمد الويلحى بك ، والسيد محمد البابلى بك ، وغيرهما ممن لا يزالون فى الحياة ، وصل الله في أعمارهم ، وأسبغ عليهم العافية ؛ فقعدوا لجماعة (الحكائين) كل مرصد . وكلما تحركت فى مجالسهم شفتا (حكاء)، راحوا ( يبوخونه ) ويتلقونه بالنكتة الكاوية من جميع أقطاره ، حتى يعصروه عصرا . وما زالوا بجمهرة ( الحكائين ) كذلك حتى أزعجوهم عن هذه الخلة ، وعقدوا ألسنتهم عن الخوض فى هذا الحديث السمج المعاد ! فالفضل فى كف هذا البلاء عن المجالس لهم ، جزاهم الله خير الجزاء !
والعجيب أن (الحكاء) من هؤلاء ، سواء تحدث عن (اصطمبول) أو (الشام) ، فإنه قل أن يلم فى حديثه الطويل العريض بالطبيعة ، وما آثرت تلك البلاد من فتنة وجمال !
وقبل كل شئ ينبغى أن تفرق بين حكائى الشام وحكائى (اصطمبول) ، فالحديث عن كل منهما مختلف عن الآخر أشد الاختلاف . وسترى هذا من عرض الكلام .
وبعد ، فقد لا يكون من أخلاق (الحكاء) الكذب ، وقد لا يكون من خلاله التزيد . فإذا آنست من حديثه شيئا من التزيد أو الغلو الذى ينبو على كل تقدير ، فاعذر ، فما كان الرجل ليضرب فى الأرض ، ولا ليعانى من ألوان المشقات ما يعانى ، ولا ليبذل فى
ـــــ ١٧٠٩ ـــــ
وجوه النفقات ما يبذل ، ولا ليحتمل من آلام الغربة والغيبة عن الأهل والولد ما يحتمل - كل هذا ليقول لك : إنه مشى على أرض كالأرض التى تمشى عليها ، أو رأى سماء كالسماء التى تنظر كل يوم إليها . أو أكل عنبا كالعنب الذى تأكله ، أو شرب ماء كالماء ، الذى تشربه الخ !
اللهم إن هذا الرحالة الجواد بالمال ، وبالنفس إذا دعت الحال فى سبيل الترف وتلذيذ النفس بأسباب الرفاهية ، ليرى نفسه ملزما بأن يأتيك بالجديد ، ويطالعك بالطريف ، بل بما يذهلك ويدخل عليك الدهش والعجب .
ولنبدأ بحديث رواد الشام ، وما أصابوا فى بلاد الشام : أما العنب ، فالعنبة لا تقل فى حجمها عن بلحة الزغلول . ولهذا ترى القطف منه أكبر وأضخم من عذق النخل ! فإذا انت قشرتها وعرضتها للهواء استحالت قمما من السكر لا يميز بينهما إلا البذر ، فإذا لم يكن ثم بذر ، فالتمييز ضرب من المحال !
وهناك أنهار وجداول ، ماؤها أحلى من العسل وأبرد من الثلج ، إلى آخر ما انتهى إلينا من صفة الكوثر فى الجنة . وهناك التفاح وما أدراك ما التفاح ؟ لقد تلقى بالتفاحة فى النهر أو الجدول ، وسرعان ما تتناولها مقشرة وقد شطرها لك الماء أربعة شطور ، فإذا قذفتها فى فمك استحالت شرابا ولكنه زلال ، وخمرا ولكنه حلال !
وأما الخوخ فلا يقل فى الحجم عن ثمر الجوز الهندى . وهل تراك تحرك فكا لتمضنه مضغا ؟ بل إنك لتترشفه ترشفا وتعب من عسله عبا ! وأما البطيخ فما تنوء واحدته بالعبقر بين الشداد !
وأما المشمش ، وأما التين ، وأما الكمثرى ، وأما وأما مما تخرج الأرض وما تعالج الايدى من ألوان الفطائر والحلوى . فعد ذلك مما يتجاوز الجهد ولا يتسع له نطاق الكلام ! ولقد زعمت لك ، فى بعض هذا المقال ، أن
(الحكاء) من هؤلاء قل أن يلم فى حديثه الطويل العريض بالطبيعة الخ . والآن ذكرت ، وأستغفر الله مما عرانى من النسيان ، فأنهم يعرضون للطبيعة وفضل الطبيعة . فان أحدهم ليصف لك ما كان يصيب فى وجبته من لحم الضأن والطير والسمك والخضر والحلوى والنقل والفاكهة الخ ، حتى يخيل إليك أنه قام وحده بالتهام مطعم كامل ، أو أنه طهى له (سوق خضار) تزاد عليه صوانى الكنافة والبسبوسة والهريسة ، وما شئت أو لم تشأ من الفطائر والحلوى ، وإياك أن تنسى صينية (الكبة الشامى) التى تقرب إليه فى صدر الطعام ! وبعد أن يعرض على سمعك (لا على عينك ولا على شفتك) هذه القوائم أو هذه (المونيهات Menus ) ترراء يحلف لك بالمؤثمات من الأيمان ، أنه لا يكاد يمضى نصف ساعة على كل هذا الذى خضم وقضم ، وافترس والتهم ، حتى يحس إلحاح الجوع ، بل حتى يحس أن معدته تنتزى فى جوفه تنزيا بعد أن اعتصرها شدة التحلب على الطعام !
ولعمرى ، هل كان هذا كله إلا بفضل جودة الهواء ؟ أعود فأستغفر الله ! فلقد كان هؤلاء (الحكاؤون) يذ كرون الطبيعة ، بل لقد كانوا يشيدون بفضل الطبيعة ولكن فى العون على سرعة هضم الطعام ! يا سبحان الله ! وهل ثمة شئ وراء الطعام ؟ !
وبعد ، فلقد خرج لنا مما مضى من القول أولا أن بدعة قضاء جمهرة المصريين الصيف أو فترة من الصيف ، إنما كان منجمها شهوة المحاكاة والتقليد ، اللذين ما برحاشائعين فى خلالنا ، مع الأسف الشديد ، مهما عادا بالضرر العظيم . وثانيا شدة الرغبة في الاطراف والاغراب بالتزيد والافراط فى المبالغات ، إظهارا للاستئثار ، دون القاعدين ، بما لاعين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب إنسان ! وثالثا
ـــــ ١٧١٠ ـــــ
إفراد الطعام وكل ما يتصل بشهوة البطن ، واختصاصها بالوصف بين كل ما يرى المرء وما يعيب من السياحة فى بلاد الشام . ولو قد جعلوا شطرا من حديثهم لوصف ما حبا الله تلك البلاد من سحر وفتنة ، أو لما وثقوا من حبال المودة بيننا وبين جيرتنا الكرام ، أو لذكر ما يلقى القوم من عنت ورهق وأذى تحت الحكم التركى فى تلك الأيام ، لما كان لحديث (الحكائين) شئ من تلك الفسولة والإبرام !
ولقد رأيت أن حديث (الحكائين) من رواد الشام قد استغرق الساحة المقسومة المقال ، فلنرجى حديث رواد (اصطمبول) إلى وقت آخر ، أرجو أن يكون قريبا إن شاء الله ،

