غلب على الكثير من الناس في مختلف العهود الاعتقاد بأن بعض الذين اوتوا الحكمة ، ورزقوا البصيرة ، وخبروا الحياة ، أدركوا في النهاية أن الدنيا متاع الغرور وباطل الأباطيل ، وأنها ليس فيها ما يستحق ان يشغل الخاطر ، ويملأ النفس ، ويأسي عليه القلب ، واننا بعد الكد والعناء وطول المزاولة لا نفيد منها شيئا ولا نظفر بطائل ، وأن لا أمل في إصلاح أمورها ، ورتق فتوقها ، لأن - كما يقول الجامعة - " المؤود لا يمكن أن يثقف والخلل لا يمكن أن يسد " فما جدوي تحصيل العلم واقتناء الحكمة إذا كانت الحماقة والسخف هما لخمة الحياة وسداتها ! وما قيمة نعيمها المرموق إذا كان يعقب الحسرات وخيرها العميم إذا كان مصيره إلي بلى ونفاد ؟ والإنسان هذا السائح الغريب ، والطيف الزائر ، سرعان ما يطوي ذكره ، ويذهب خبره مثل سائر السوائم والحشرات
وليس بغني عنه رفاهة حسه ، والتماع ذكائه ، وسمو حكمته ، وعميق فلسفته . وهذه الحكمة الحزينة تطالعنا في آداب الأمم القديمة والحديثة ، أحيانا ساذجة بسيطة ، وأحيانا أخرى متدرعة بالمنطق ، متلقمة بالفلسفة ، وقد وجدت معبرين عنها ومتأثرين بها في متباين العصور ، ولا سيما العصور التي اضطربت فيها العلاقات الإنسانية ، وتفشي الفساد في الحياة الاجتماعية ، وساءت أحوال الإنسان حتى انهزمت نفسه ، وكل عزمه ، واستمكن منه الاعتقاد بأن زوال الحياة والفناء اخف حملا ، واهون أمراض الصبر علي لأواء العيش ، ومعاناة مساوئ الحياة وتوازن هذه الحكمة بين نقائص الحياة وعيويبها ، وقدرة الإنسان على النهوض والمقاومة والإصلاح ، فتري الأولى كثيرة متعددة ، ضخمة هائلة ، وتري قدرة الإنسان
قاصرة محدودة ، هزيلة مستضعفة ، فتدعو إلي رفض الحياة أو ما يشبه الرفض ، وتوصي بالانسحاب من المعركة ، وتؤثر السكون والصمت والعكوف علي النفس .
ويعتز أصحاب هذه الحكمة برأيهم في الحياة ، ويستمسكون بمذهبهم ، ويستعذبون حزنهم ، ويعزونه إلي طبيعة الحياة وحركات الكون ، ويظنون أن مسلكهم المترفع ، واعتزالهم الوديع . هو الموقف اللائق بالرجل المستنير المصقول الوجدان الذي تجلت عن ناظريه غيابات الوهم ، وتبدت له حقائق الأمور ، وأصبح لا تطبي لبه الأهواء ، ولا تستعبده الشهوات . والذي يسترعي النظر في تفكير أصحاب هذه الحكمة أنهم يقصرون تفكيرهم على حقائق خاصة ، ويفسرونها تفسيرا ملائما لمزاجهم ، والحالة النفسية الغالبة عليهم ، ويغضون النظر عن حقائق أخري لها أهميتها ومكانتها في الحياة ، مما يدل على أن لمزاجهم الخاص تأثيرا كبيرا في اختيارهم للحقائق وتوجيه تفكيرهم وتلوين حكمتهم ، فالجامعة مثلا يقول : " جميع الأنهار تجري إلي البحر ، والبحر ليس بملآن ، ثم إلي الموضع الذي جرت منه الأنهار إلي هناك تعود لتجري أيضا " وهذا من الأشياء التي ساءته ، ولكن أي ضير علي الإنسان في كون المياه تجري إلي ، البحر وانه ليس ممتلئا ، وإنها تعود إلي حيث أتت ؟ وماذا يثير حزننا في ذلك ؟ وهل الاستقرار خير من الحركة والتنقل ؟ تأثر المزاج واضح في تفسير هذه الحقيقة .
وسفر الجامعة هو التعبير التقليدي " الكلاسيكي " عن مثل هذه الحكمة والوضع النهائي لها الملائم لكل العصور .
ومؤلف هذا السفر قد طاف بالشك ، ومارس الملل من الحياة ، وضمن هذا السفر القيم اعترافاته وخواطره ، وخلجات نفسه وخلاصة تجاربة ، وقد أجري الحديث علي لسان " الجامعة " والمفروض ان الجامعة هو سليمان بن داود ملك أورشليم ويري رينان - في المقدمة البديعة التى قدم بها ترجمته لهذا السفر إلي اللغة الفرنسية - ان
مؤلف السفر أراد أن يظهر خليفة داود على المسرح ، وقد بدا له ان هذا الملك الموصوف بالحكمة ، والذي جمع المجد من أطرافه ، شخصية مناسبة للموضوع الذي أراد تناوله ، وهو اظهار أن كل شيء باطل ؛ فسليمان قد وصل إلي قمة المجد ، وبلغ اقصي ما بلغه إنسان ، واتيح له اكثر من غيره ان يكشف عن تفاهة الحياة ، ويرفع الستار عن خدعة العيش ويري سخافة الآراء التي يقوم عليها المجتمع الإنساني . ويري رينان ان المؤلف قد اختار سليمان كما اختار افلاطون بارمنيدس في المحاورة الموسومة باسمه لشرح آراء الإيليين ، فالأفكار المعزوة إلي سليمان هي الأفكار المناسبة للصورة التي رسمتها التقاليد لملك أورشليم
ويردد السفر فكرة أن الحياة باطل الأباطيل وقبض الريح ، وأن تأمل " الدراما البشرية ينتهي بنا إلي الاعتقاد بأن الحماقة غالبة ، وأنها اكثر مما تقدر ، وهو يستخلص هذه النتيجة من حقائق شتى ، ويصل إليها من طرائق مختلفة . والحياة في نظر مؤلفه سلسلة من المظاهر تتوالي متشابهة في شبه دائرة ، فلا تقدم ولا تجديد لأن الماضي يشبه الحاضر ، والحاضر يشبه المستقبل ، والحاضر بغيض مكروه ، ولم يكن الماضي أصلح منه حالا ، والمستقبل لا يفوقهما ، وكل محاولة لتحسين حالة الإنسان وإقالة عثاره ، والنهوض به ، محاولة فاشلة غير موفقة ، لأن الإنسان محدود في مواهبه ، ولم يؤت من العلم إلا قليلا . والشر الذي نعتقد أنه قد غلب على امره سرعان ما يعود أقوي شعارا وأشد استفحالا مما كان قبل هزيمته واندحاره . ويؤكد لنا المؤلف أنه قد مارس كل مهنة ، وعالج كل شئ فلم يجد إلا عبئا وباطلا ، وهو يلخص لنا رأيه في الفصل الأول من السفر فيقول : " أي فائدة للبشر من جميع تعبهم ؟ ما الذي يعانونه تحت الشمس ؟ جيل يمضي وجيل يأتي والأرض قائمة مدي الدهر ، والشمس تشرق والشمس تغرب ، ثم تسرع إلي موضعها الذي
طلعت منه ، جميع الأمور تعيى فلا يستطيع الإنسان أن يشرحها ، لا تشبع العين من النظر ولا تمتلئ الأذن من السمع ، ما كان فهو الذي سيكون ، وما صنع فهو الذي سيصنع ، فليس تحت الشمس شئ جديد ثم روي لنا جانبا من تجاربة الخاصة التي تدعم هذا المذهب فيقول : " أتخذت أعمالا عظيمة ، بنيت لي بيوتا وغرست لي كروما ، وأنشأت لي جنات وقراديس وغرست فيها أشجارا من كل ثمر ، وصنعت لي برك ماء لأسقي بها الخمائل النامية الأشجار ، واقتنيت عبيدا وإماء ، وكان بيتي عامرا بالبنين ، ورزقت مواشي كثيرة من البقر والغنم حتى فقت جميع الذين كانوا قبلي بأورشليم ، وجمعت لي فضة وذهبا مع أموال الملوك والأقاليم ، واتخذت لي مغنيين ومغنيات وأصناف لذات بني البشر وحليلة وسراري ، فزدت عظمة ونموا علي جميع الذين كانوا قبلي بأورشليم ، والحكمة أيضا لم تبارحني . وكل ما ابتغته عيناي لم ادعه يفوتهما ، ولا منعت قلبي من الفرح شيئا بل فرح قلبي بكل تعبي ، ثم التفت إلي جميع أعمالي التي عملت يداي ، وإلي ما عانيت من التعب في عملهما فإذا بالجميع باطل ولا فائدة في شيء تحت الشمس .
ولا فائدة من الاستمتاع باللذات ، والانغماس في الترف ، والتهالك على النساء ، لأن كل ذلك لا يخلف وراءه غير الحسرات والالم ؛ والاعتصام بالعقل ، والتعلق بالمعرفة والإقبال علي العلم يضني الجسم ، ويتعب الروح ، والإنسان بعد ذلك كله لا يدري شيئا ، وسيظل كذلك في عمياء من أمره . وحقيقة إن الحكمة تفضل الحماقة لان " للحكيم عينين في رأسه أما الجاهل فيسير في الظلماء ولكن ما قيمة هذه الحكمة التي لا تجلب خيرا ولا تدفع شرا والذي يحدث للجاهل يحدث للحكيم " ووا اسفا ! يموت الحكيم كالجاهل وقد نتعب وتجهد ليرثنا الجهال .
ثم كيف نطمئن ويهدأ بالنا والعدالة في هذه الدنيا موضع الشبهة ومظنة الإتهام ؟ " رأيت أيضا تحت الشمس
في موضع العدل جورا وفي موضع البر نفاقا . وقد ترك ذلك كله في نفس الجامعة - أو مؤلف السفر - أقوي أثر حتى جعله يغبط الموتى والذين لم يوجدوا فهو يقول : " ثم التفت فرأيت جميع المظالم التي تجري تحت الشمس وإذا بدموع المظلومين وليس لهم من معز وفي ايدى ظالميهم قدرة وهم لا معزي لهم ، فغبطت الأموات الذين درجوا من قبل على الأحياء الذين هم باقون حتي الآن ، وخير من كليهما من لم يوجد حتي الآن لأنه لم ير العمل الشرير الذي يفعل تحت الشمس
وأمثال هذه المظاهر جعلته كاسف البال موجع القلب ، يستطيب الحزن ويؤثره علي الابتهاج والاستبشار ويقول : " يوم الموت خير من يوم الولادة ، والدخول إلي بيت النياحة خير من الدخول إلي بيت الوليمة ، والحزن خير من الضحك ، لأنه بكآبة الوجه يصلح القلب ، وقلب الحكماء في بيت النياحة وقلب الجهال في بيت الفرح " . والجامعة مثل سائر المتشائمين سيئ الرأي في المرأة وسوء الرأي هنا من الأدلة الواضحة على شدة الكلف بها والعناية بأمرها ، فهو يقول عنها : " جلت بقلبى لأعلم وأبحث لألتمس الحكمة وحقيقة الأمور ، ولأعلم نفاق الجهال وجنون الحمقي ، فوجدت أن ما هو أمر من الموت المرأة التي قلبها أحبولة وشبكة ويداها قيود ، من كان صالحا أمام الله فإنه ينجو منها وأما الخاطئ فيقتنص بها . علي أنه يعود فيمتدح الفرح ويوصي به : " مدحت الفرح لأنه ليس في يد الإنسان خير تحت الشمس غير أن يأكل ويشرب ويفرح ، فهذا ما يثبت له من تعبه أيام حياته التي منحها الله له تحت الشمس " . وليقنع الإنسان بالمتعة مع المرأة التي أحبها " تمتع جميع أيام حياتك الفانية بالعيش مع المرأة التي أحببتها وأوتيتها تحث الشمس لتقضي أيامك الفانية ، فإن ذلك حظك من الحياة ومن تعبك الذي تعانيه تحت الشمس . والحكمة عنده خير من القوة ، ولكن مع ذلك فإن حكمة المسكين مزدراة
وكلامه غير مسموع وإذا عاش الإنسان وطالت أيامه فهو يوصية بالحذر واصطناع النقية لكي لا يخلق لنفسه المشكلات ، ويجر عليها المتاعب . والحكمة التي تسيئ الظن بالوجود والناس لا يستكثر عليها الحذر والتخوف ، والحرص على الهدوء وتجنب الحركة والمجهود ، فهو يوصيك بأن " لا تلعن الملك ولو في فكرك ، ولا تلعن الغني ولو في أخادير مضجعك ، فإن طير السماء ينقل الصوت وذا الجناح يخبر بالكلام ؟ ويعاوده حبه القديم للحياة وولوعه بالإستمتاع ولكن سرعان ما يبدو له ظل الموت او شبح الفناء ، فهو يقول : " النور بهيج والعين تلتذ بنظرات الشمس ، ولكن إذا عاش الإنسان سنين كثيرة وفرح في جميعها فليتذكر أيام الظلمة انها ستكون كثيرة فإن المستقبل كله باطل ، فأقص الغم عن قلبك وباعد السوء عن جسدك ، فإن الصبا وريعان العمر باطلان .
وهذه الحكمة المتعبة الحزينة الزاهدة في الكفاح وبذل المجهود ، والتي تري كل ما تحت الشمس عبئا وباطلا لا يستحق العناء ولا يستوجب الاهتمام هي حكمة أهل الهدوء والاحساس الرهيف ومحبي السلام والصفاء ، وقد ينقص اصحابنا حرارة اليقين والإيمان ، وحماسة التعصب للعقيدة ، ولكنهم قوم كرماء النفوس ، طيبو الدخلة ، قد قل من عزمهم انحطاط العصر وصروف الحياة المحزنة وهذه الحكمة الحزينة قد توحى الأخيلة الشعرية ، والخواطر الرقيقة ولكنها لا تسمو بالحياة ولا تبعث العزيمه ، لان الحكمة الفعالة هي الحكمة المنتجة التي تلهم الامل وتشيع في النفس الإبتهاج ، وتجعلنا نواجه الحياة والأقدار في ثقة وأمل واستبشار وتحد إذا استلزم الأمر . والحياة في العصر الحاضر مليئة بأسباب الخوف والقلق ، فهي تلتمس الحكمة الواثقة الآملة ، الموجدة الخالقة ، التي تطلق النفس من أغلال الخوف ، وتذود عنها اشباح الهم والقلق ، وتعمل على إسعاد البشر ، ومناصرة الخير ، ومقاومة الشر :

