الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 685الرجوع إلى "الثقافة"

الحكم الصالح،

Share

شعر الناس منذ كونوا الجماعات بضرورة قيام نفر منهم ينظمون العلاقة بينهم حتى يعيش كل فرد مطمئا على حياته وعلى ملكه لايخشى أن يعتدي على حقه أحد ، هذا النفر الذى أخذ على عاتقه حفظ الأمن وصيانة الحقوق هم من نسميهم أولى الأمر منا أو " الحكومة " وليس الحكم بالأمر الهين اليسير كما قد يبدو ، فحقوق الناس ليست واضحة محددة ، والحاكم مسوق إلى الطغيان والتمادى فى بسط النفوذ والسلطان يحكم غزيزته ، والحكم العادل الصالح عبقرية نادرة قل أن يحور بها التاريخ .

وقد سلك الحكام فى كافة أقطار العالم سبلا شتى ، فمنهم من استبد برأيه وزعم أنه وحده أوتي الحكمة فأعلن نفسه دكتاتورا حاكما بأمره . ومنهم من وصل إلى مكانة الحكم باختيار الناس يشاور ممثليهم ولا يبرم أمرا إلا برضى منهم ، وهو الحكم المسقراطى الحديث ، وهناك غير أولئك وهؤلا ، يحكمون الناس أو يتحكمون فيهم لمصلحة الحاكمين أو المحكومين أو مصلحتهم جميعا ، وهم دائما يحملون فى رء وسهم أفكارا وآراء يحبون أن يفرضوها على الناس قرضا ، ويعهدون فى ذلك طورا إلى طريق العنف والشدة وتارة إلى سبيل الإقناع واللين .

ومن يدرس التاريخ دراسة فحص وتمحيص يجد أن الإنسان لم يتقدم خطوة واحدة فى سبيل المدنية إلا بالعطف والملاينة ، ولم ينجح قط حاكم أتخذ الشدة والاستبداد

وسيلة ، فإن العنف لا يولد إلا العنف ؟ عنف الحاكم يؤدي إلى عنف المحكوم ويثير فى نفسه الريبة والاستياء والحقد . والشدة تقابلها الشدة . ولا يبرر الغاية الطيبة وسيلة دنيئة ، ولا يصح أن يكون القتال والفتك بالناس وسيلة لإقرار النظام وإصلاح الجماعة وفقا لآراء الحاكم التى قد تكون طيبة وقد لا تكون ، وكلنا يدرك من معاملاته مع الناس أن الغضب يثير الغضب ، ولا يقل من حدة الغضب إلا أن تقابله بالحلم والصبر ، ولا تستطيع أن تقسو على رجل يتصف بالإيثار وإنكار الذات

وكما ينفع اللين فى معاملة الفرد للفرد ينفع كذلك فى حل المشكلات الاجتماعية . وقد أخذ المصلحون منذ قرن واحد فقط يدركون ذلك ، فعاملوا المجانين بالعطف وأنشأوا لهم المستشفيات بعد ما كان الحكام السابقون يعاملونهم بالقسوة فيزيدونهم جنونا على جنون ، وأصلحت سجون المجرمين فأسست بيوتا للتهذيب والاصلاح بعد ما كانت منازل للتعذيب تنحط فيها أخلاقى السجين ، ويخرج منها المجرم وهو أشد إجراما مما كان ، وأخذ المربون أطفالهم بالحسنى ، بعد ما كانوا يتهالون عليهم بالضرب المبرح ليخرجوا الشاطين من رؤوسهم - كما كانوا يعتقدون .

وبدلنا التاريخ على أن الثورة نفسها إذا اصطحبت بالعنف الشديد أدت إلى عكس النتيجة التى هبت من أجلها . الثورة الفرنسية انتهت بعد حكم الإرهاب بدكتانورية

نابليون العسكرية وقد قامت الثورة الروسية على وسائل العنف والشدة ، فبدلا من أن توفر للثائرين حكما ذاتيا فى نواحى نشاطهم المختلفة أضحت لروسيا دولة دكتاتورية حكومتها مركزية ، تتحكم فى اقتصاديات البلاد . وتلجأ إلى الجاسوسية والتجنيد الاجبارى ورقابة المطبوعات ، وإخضاع الشعب بالقوة

وما أجد ذلك عن الوسائل التى لجأ إليها غاندي فى جنوب أفريقيا أولا ، وفى الهند ثانيا ، فاستطاع بطريق المقاومة السلبية أن يلغى قانون التمييز بين الهنود والأوربيين فى جنوب أفريقيا فى عام ١٩١٤ ونجحت حركته فى الهند إلى حد كبير وتحقق لبلاده استقلالها فى نهاية الأمر ، وكانت وسيلة مقاطعة البضائع الإنجليزية وعدم التعاون مع العدو ولم يعمد إلي سلاح او قتال .

والحاكم الصلح هو الذى لا يثير سخط الجمهور ، والجمهور بطبعه بديل إلى الاحتفاظ بالقديم ومن ثم كان من واجب المصلح أن يبقى على تقاليد المجتمع التى ليس من ورائها ضرر محقق ، أو التى لا تضر ولا تنفع ، ولا يدخل فى نظام الجماعة تعديلا إلا إن دعت إليه الضرورة القصوى وأن يمتنع عن إدخال الإصلاح الذى يقابله الشعب بالنهيج والنفور ، وان يحمل من النظم القائمة أساسا للتطوير الذى يرمى إليه . بذلك ينجو من المعارضة الشديدة التى يقابلها كل إصلاح جديد ، ولا يحس الحاجة إلي استخدام وسائل العنف والشدة

ولعل إلى ذلك يرجع السبب فى اطراد التقدم فى انجلترا وتحويلها تديجيا إلى النظام الاشتراكى دون أن يقوم الشعب بثورة أو يعمد إلي قلب نظام الحكم ودفع أغنياؤها ضريبة الدخل وضريبة الميراث صادقين مخلصين . فخففوا من حدة المفارقات الاقتصادية بين الطبقات والأفراد وقررت الدولة زيادة أجور العمال، وتولت بنفسها الأشراف على كثير من الصناعات فرادت ثروة البلاد وعم الخير الجميع

فى حين أن الروسيا أرادت أن تحقق هذه الأهداف عينها ، ولكن بطريق العنف والثورة ، فاستبد الحكام بالسلطة ، ولم تتحسن حال العمال كثيرا ، ولم يتخلصوا من نفوذ كبار الملاك إلا ليقعوا تحت نفوذ الدولة الغاشمة .

وقد توهم بعض الحكام أن إصلاح النظام الاقتصادى وحده كفيل بترقية المجتمع ، وغاب عنهم أن إصلاح النظام الاقتصادى يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع إصلاح الأداة الحكومية ونظام التعليم والأخلاقى والمعتقدات

فالأداة الحكومية ينبغي أن تتخلص من نظام التركيز ،

فلا تتجمع السلطة فى أيدى أفراد قلائل ، بل يجب أن توزع على أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب ، كما يجب أن يتلاشى كل نظام دكتاتورى من وجه الأرض ، وأن يتمتع كل بلد بالحكم الديمقراطى الصحيح الذى يتحمل فيه الشعب تبعية حكم نفسه بنفسه

ولا يكفى أن تكون الدولة ديمقراطية فى نظامها العام ، بل ينبغى كذلك أن تتغلغل هذه الروح الديمقراطية فى جميع دوائر الأعمال ، ولكن أكثر هذه الدوائر فى ظل النظام السائد - أشبه ما تكون بدكتاتوريات صغيرة ، بعضها يميل إلى الخير وبعضها يميل إلى الشر ، وطاعة العمال فيها على كل حال لرؤساء فرضوا عليهم فرضا يغير انتخاب محتمة واجبة هؤلاء العمال يعيشون فى ظل دولة ديمقراطية ، ولكنهم - فى الواقع - ينفقون حياتهم رعايا لحكام مستبدين هم أصحاب المصانع التى يعملون فيها .

ويري أولدس هكسلى علاجا لذلك أن تدخل الروح الديمقراطية فى المتاجر الكبيرة والمصانع فينتخب العمال من بينهم رؤساءهم الذين يشتركون اشتراكا فعليا فى إدارة المصنع أو المتجر ويشرفون على توزيع الأرباح وتقدير الأجور ، وتكون لهم سلطات تأديبية علي القائمين للنظام الذى وضعوه بأنفسهم .

وفى هذا العصر الذى تشابكت فيه أطراف العالم طرأ وارتبطت مصلحة كل دولة بالأخرى ينبغى لنا أن نؤمن بالهيئات الدولية ونعتقد فى إمكان الاتفاق بين حكومة وأخرى وفى المؤتمرات العالمية التى تهدف إلى تحقيق الصالح العام .

وأخيرا يجب الا يغفل الحاكم الصالح إيجاد شىء من المساواة الاقتصادية بين الافراد . ولا نقول المساواة التامة فهى ضرب من المجال لى ولا يرغب فيها أكثر الناس ، لأنها تمحو الفوارق بين الناس التى يغيرها لا يكون للحياة للبدأ طعم ولكن شيئا من المساواة المادية يحقق التعاون بين جميع أفراد المجتمع ولا يثير سخط طبقة على طبقة ، وقد أخذت بذلك فعلا أكثر الدول المتقدمة فوضعت حدا أدنى وحدا اقصى للأجور ، وجعلت كذلك حدا أقصى للدخل لا يزيد عنه مهما تضخم رأس المال

ولعل التقارب الاقتصادى بين الأفراد والطبقات أيسر من إيجاد القربى بينهم فى النواحي العقلية ، وذلك لاختلاف الناس بالطبيعة فى مداركهم ؛ ولكنا نستطيع بتهيئة التربية الصالحة لكل فرد وفق ميوله واستعداده . وبايجاد البيئة المتشابهة التى ينشأ فيها الجميع ، نستطيع بذلك أن تقارب بين

العقول فنجعل التفاهم بين الأفراد والأمم أيسر مما هو اليوم .

هذا بعض ما ينبغى للحاكم الصالح ألا يغفل عنه فى عصر لعل أهم ما يميزه التفكير فى الاصلاح الاجتماعى ومحاولة النهوض بالطبقات الدنيا إلى مستوى معقول والتخفيف عنها بعض ما تعانى من آلام وويلات .

اشترك في نشرتنا البريدية