جرى العلم علي أن يبحث عما يطلب علمه ، في الطبيعة أولا ، فيختار للظاهرة التي يريدها مواقعها من الأرض . وهو لا يستطيع ان يتخير مواقعها على هواه، ولكنه يتخير مما يجد منها . وهو لا يستطيع ان يتخير ظروف هذه الظاهرة ولا ملابساتها ، فهو يقبل رضاء أو كرها ما يلقي من هذه الظواهر والملابسات . وهو لا يستطيع ان يسيطر ، أو حتى ان يؤثر في السبيل التي تأخذها هذه الظواهر ، ولا في المجرى الذي تنحدر فيه إلي غاياتها ، وإنما هو بقيع عند هذا المنحدر فيصف انحداره وتلويه . ثم سرعة جريان الحوادث فيه . ثم هو ينتقل سريعا إلي نهاية المنحدر ، إلي غابات تلك الظاهرات ، فيصف ما يري ، شاءه أو لم يشأه ، وأحبه أم كرهه . ثم هو
يأخذ يربط العلة بمعلولها ، ورد النتائج إلي أسبابها ، فيتشفي من ذلك بعض الشفاء
ولكن ربط العلة بمعلولها ، ورد النتائج إلي أسبابها ، لا يؤمن فيه الزلل إذا بقيت العلل واحدة ، وبقيت الأسباب جامدة . فلا بد للوثوق على قدر ما يحتمل للفكر الإنساني من وثوق - من تغيير العلل ورصد التغير الحادث عن ذلك في المعلولات . لا بد للاطمئنان من تحوير الأسباب وتدويرها لمعرفة ما يكون في النتائج من تدوير وتحوير ، فالذي يثبت من النتائج يكون أكثر ارتباطا بالذي يثبت من الأسباب . كذلك الذي يتغير من النتائج يكون أقرب انتسابا إلي الذي يتغير من الأسباب . ولانتهاج هذا الأسلوب من البحث لابد أن ينتقل العلم إلي المعامل ليصطنع الظواهر فيها ، لا على الحال التي توجد عليها في الطبيعة ، ولكن على الحال التي يريدها العالم منها ، وبالعلل التي يصفها لها ، لتؤدي إلي غايات مختلفة هي ولائد تلك العلل
فهذا في العلم الطبيعي . أما في العلم الإنساني ، في علم السياسة وعلم الاجتماع وأضرابهما ، يعتمد الباحث أكثر اعتماده على ما يجد من ذلك عفوا في المجتمع ، فيرصد الظواهر كما يراها ، ويصف الأسباب التي تبين له ، ويرقم النتائج التي لا دخل له في عللها . فهو في ذلك اشبه بالباحث الطبيعي إذ ينظر في ظواهر الكون في العراء بعيدا عن جدران المعامل . كلاهما لا يستطيع السيطرة على موضوع بحثه ، وكلاهما ليس له سبيل إلي الدخول في تفصيله وترتيب اجزائه ، وتقديم هذا وتأخير ذلك أو الإبطاء في هذا والإسراع في ذلك ، فهو إما أن يأخذه جملة أو يتركه جملة . وتأتي النتائج فيكون وثوق الباحث بها ، واطمئنان المنطق إليها ، بمقدار ما استبان من عللها . وهي علل أخلاط لا يكاد يستبين الناظر مرابطها بتلك النتائج
وليس العلم الإنساني ، علم السياسة وعلم الاجتماع واضرابهما ، كالعلم الطبيعي يسهل إدخاله في المعامل ليسيطر المرء على علمه واسبابه وملابساته ، وليغير فيها على مشتهاه . ومن أجل هذا نفي هذا العلم الإنساني ظنا ، وبقي وجه المنطق فيه مسترابا ، وصار لأهل السياسة وأهل الاجتماع مذاهب لا سبيل إلي نصرتها إلا اللسان الذرب الخادع ، أو السيف القاطع
ومن تلك المواضيع الإنسانية التي لا تدخل العمل . ولا تلين للمنطق ، موضوع الحكم في الأمم . ففي حكم الأمم لا مندوحة لنا عن الإصغاء للتاريخ ، وإلى ما يصف من ذلك - إلي ما يصف من حوادث سابقة وحوادث لاحقة يخالها الظن نتائج لتلك السابقة . وقد تكون كذلك وقد لا تكون . ويجري الحكم في تلك الأمم الذاهبة علي اسلوب راتب جيلا بعد جيل ، فيأتي بالخير حينا ، ويأتي بالشر حينا ، والذهن الإنساني حائر في مصادر الخير ومصادر الشر وعلاقة كل هذا بأسلوب الحكم الكائن . ولم يكن هذا ، في اكثر الأمم الذاهبة ، أسلوبا له ذاتية ثابتة يتميز بها ، ويسمى باسمها ، بل كان أسلوبا مرتجلا يتغير بتغير الحاكم ، فهو لا قواعد له إلا قاعدة الحاكم ، والحاكم في أكثر الأمر لا قاعدة له إلا هواه
ولكن الطبيعة المادية كثيرا ما تخرج عن عادتها فتهيء لعالم المادة سلسلة من الظواهر متقاربة المكان ، متقاربة الزمان ، متشابهة الجوهر ، متباينة الوضع ، تمثل له في مجموعها تلك الأوضاع المختلفة التي كان يهوي أن يصطنعها في معمله اصطناعا . فعندئذ يستطيع أن يدرسها دراسة أقرب إلي الصواب ، في وثوق واطمئنان
وكذلك الحوادث الإنسانية كثيرا ما تخرج عن عاداتها فتهيء للباحث في شئون الإنسان سلسلة من تلك
الظواهر ، متقاربة الزمان ، متقاربة المكان ، مختلفة الأرض ، يستطيع أن يأمن فيها الفكر العثار بمقدار ما يرجو الفكر الإنساني أن يأمنه في امر لا يوزن بميزان ولا يكال بمكيال
ومن أروع الأمثلة لخروج الحوادث البشرية عن طبيعتها ما حدث في أرض الإغريق في بضعة قرون ، جرت فيها تجارب في الحكم من كل طراز ، وجرت كلها في الزمن الواحد في امكنة متعددة من البلاد ، واستمرت تلك التجارب في تبدل وتغير في هذا العدد العديد من البقاع نحوا من ستة قرون ، تأتي بنتائج مختلفة باختلاف مقدماتها ، متباينة بتباين عللها ، فكانما كانت معملا سياسيا ذا مائة غرفة أو تزيد ، تجري كلها تجارب واحدة في قضية واحدة هي قضية الحكم ، تحت ظروف متباينة ، يقوم تباينها شرطا لصدق الحكم وعونا علي اصابة التعليل
وحديث ذلك أن الإغريق كما سبق أن وصفنا لم يكونوا دولة واحدة ، بل دولاً عدة ، بلغت في وقت ما نحوا من مائة وخمسين دولة ، عاشت في وديان تلك الأرض الجبلية ذات النجاد العالية والوهاد المنخفضة ، حتى كاد ان يكون لكل واد دولة تسكنه . والجبال من حولها تزيد استقلالها مناعة ، وتعطى للدولة ما تعطى حوائط البيت للأسرة ، من معنى الاختصاص ، ومن معني الحرم الذي لا يجوز اقتحامه ، ومن معنى الذود عن مداخل هذا البيت إذا طمع فيه طامع أو جار عليه جار .
وزاد هذه الدول استمساكا بمعنى بيوتها من تلك الجبال أن أرض الإغريق ليست كثيرة الخيرات ، فتلك الجبال من حجر جيري صلد لا يكاد ينبت النبت ، أو يخصب الزرع ، والخصب كله في وديانها ، وهو ليس بالخصب الكثير ، فهو لا يكاد يقوم بأود سكانه إن كثروا .
لهذا كان استمساك هذه الدول بأوطانها استمساكا بطعامها . كغايري المغارة لاماء فيها ، لا تمنع أخوة بينهم أن يستقل كل بزاده ومائه ، وأن يستمسك بهما استمساكه بالحياة لهذا لم تكن تزيد مساحات هذه الدول علي بضع مئات من الأميال وقد اتسعت مساحة اثينا Athens على غير العادة فبلغت ألف ميل ، وإلي جانبها كورنثا Corinth بخمسين وثلاثمائة ميل . وإفليوس Phlinis بسبعين ميلا فقط
ولم يكن تعدد هذه الدول نتيجة الأرض وطبيعتها فحسب ، فقد كان هذا أيضا من طبيعة الناس ، إلا أن تكون طبيعة الناس من طبيعة أرضهم ، وهي جبلية فالأرض البسيطة الخضراء لا توحي من المعاني إلا معني الاستسلام . والأرض البسيطة الصفراء الصحراء لا توحي بمعنى من المعاني لأنه لا يطلبها طالب ، إلا أن توحي بمعني السلب في الأخضر والهرب بالأسلاب في الفحل الأصفر . أما الأرض الجبلية فتوحي أول ما توحي بمعنى الإعتصام ، يعتصم به في قنتها كما يعتصم العقاب لهذا كان الاستقلال عند الإغريق وحي الطبيعة ، حاطته كل دولة بدثار من غيرة أبي ثوبه أن ينشق لتسيح الدول بعضها على بعض فيكون منها دولة أغريقية واحدة كبري تطالب الزمن بمثل المجد الذي نوله الدول العظيمة الآخرى . فهي في هذا كقطرات الزئبق على المنضدة ، استدارت واشتد غشاؤها ، وكما لامعت يعود بينها لتندمج في قطرة واحدة لم يزدها العود إلا انقساما
وحمل الإغريق حب الاستقلال هذا إلي مستعمراتهم تلك التي نزحوا إليها غير البحر لما ضاقت بهم موارد العيش في بلادهم . فقد كانت الدولة الأم تشخص من أبنائها نفرا يستعمرون ، فإن هم عبروا البحر أعانهم بكل ما تستطيع حتي بالحرب إن لزم حرب ، فإن استقروا وعمرت مدائنهم
لم يحفظوا للدولة الأم إلا الذكري الطيبة ، ولم يرتبطوا بها إلا برباط العاطفة ، واستقلوا عنها استقلال القطة عن قطيطاتها وقد مضي زمن الرضاع . وقد يخطر للدول الأمهات أن تملي إرادتها على وليداتها المستعمرات ، فلا يكون من تلك المستعمرات إلا أن ينقلب عطفها خصومة ، وصداقتها عداء ، فهي تغار علي استقلالها أن يضيع أكثر من غيرتها على وشائج القربي أن تنقطع . حدث هذا في كورنثا وقد أرادت أن تنشئ إمبراطورية مستعمرة ، فزادت روابطها بمستعمراتها وثوقا . حتى إذا انقلبت إرادتها إملاء ، فسدت العلائق ، ثم انقطعت الروابط ، ثم صار العداء صريحا . وضاع حلم كورنثا العظيم في استعمار إمبراطوري فخم . وتلك ظاهرة فلما تحدث في شعب . فالشعوب تجنح دائما إلي التوسع والتمدد تحت علم واحد خفاق تحميه من حوله مئات الآلوف من السيوف . فالمجد عندها مجد مساحة في الأرض تضويها ، ومجد أعداد كثيرة من الأجناس تسخرها ، والمجد عند الإغريق في تلك الدويلات الصغيرة وتفاصلها .
من أجل هذا تركز المجهود الإغريقي السياسي داخل تلك الدويلات ، وتركز المجهود الحربي للدويلة عند نطاقها ، فوق ما اشرف عليها من جبال وما حاطها عند سواحلها من بحار
ويتركز المجهود السياسي داخل هذه الدويلات ، وأهلها من حب الاستقلال حيث وضعنا ، جري الحكم على كل أسلوب عرفته الامم حديثها والقديم . وجري ابتداعا واختراعا ، فلم تكن أمة أحس بوجودها السياسي ، وأرعي لحقها المدني ، من الأمة الإغريقية متفرقة على تلك الدويلات المتصادقة المتعادية . فكان الحكم في هذه الدويلات تارة ملكيا ، وتارة أرستقراطيا ، وتارة أولجرشيا ، وتارة استبداديا دكتاتوريا ، وتارة ديمقراطيا
فلو قدرنا تلك الدويلات بمائة دولة - وقد كانت أحيانا تزيد على المائة - وقدرنا أساليب الحكم هذه بخمسة صنوف ، لكان معنى هذا أن الشعب الإغريقي أجري خمسمائة تجربة في أنظمة الحكم ، في قرون دون أصابع اليدين عددا ، فإن كان أحد جديرا بإصدار حكم على هذه النظم ، فالإغريق أجدر الشعوب بذلك . وأجدر من ينطق بلسان الإغريق لا شك كتابها السياسيون ، وفلاسفها المعلمون
قالوا وكتبوا وعلموا أن نظم الحكم الثلاثة ، حكم الواحد ، وحكم القليل ، وحكم الكثير ، كلها سواء ، يجوز عليها الخير ، ويجوز عليها الشر ، وهي للخير ما جرى الحكم في ظلها لخير الدولة ، لخير الأفراد جميعا والفئات والطوائف جميعا ، وهي للشر ما جرى الحكم في
ظلها خير فرد أو أفراد أو فئة أوفئات بعينها .
فهذه خلاصة ما وجدوا فيما ابتدعوه ، ثم ارتضوه أو قاسوه ، من انظمة الحكم في ذلك الزمان الغابر . وقد نري رأيهم او لا نراه . ومهما يكن من الامر فهو وليد تجربة واحدة تعددت وتنوعت تعددا وتنوعا يأذن لها ببعض صفة التجربة العلمية . فلها حرمة تلك التجارب ، ولنتائجها بعض الصواب الذي يرتجي لهذه التجارب . نعم إنها تجربة في زمان غير زماننا ، وفي ارض غير ارضنا ، وفي أوعية غير أوعيتنا . ولكن هل تختلف التجربة باختلاف الزمن واختلاف الوعاء ؟ وهل تختلف الطبيعة البشرية بين قرون وقرون ؟ من يدري ؟ ( لها بقية )

