الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 209 الرجوع إلى "الثقافة"

الحكم عند الاغريق، الدكتاتورية من بعد الأرستقراطية

Share

تجري آلة العيش في الأسر ، في العادة الجارية ، علي التوافق والتراضي . وليس معني هذا أن أفراد الأسرة الواحدة يرضون الشئ الواحد ، وليس معناه أنهم يعزفون معا ، وبطبيعتهم ، عن الشئ الواحد . فهذا في طبيعة الأشياء غير ممكن ، ولا هو جائز ، وليس فيه نفع الحياة .

ولكن معناه أن هناك أخذا وعطاء ، وأن عملية الرضا الواحدة تتضمن رضي واسترضاء ، وأن الحب خلق بين الرجل وزوجه ، وبين الزوجين وبنيهم ، وبين البنين

والبنات ، وبين هؤلاء جميعا وما قد تتضمن الأسرة من أخوال وأعمام ، أو خالات وعمات ، هذا الحب خلق ليقوم من آلة العيش مقام الزيت ، وأجزاؤها من حديد خشن المجس ، صلب الملمس ، لا يمكن أن تدور عجلة منه

على عجلة ألا احترت وتطاير منها الشرر ، وفسدت ، وفسدت الآلة بفسادها

ولكن كثيرا ما يذهب عن الأسر حبها ، ويجف من الآلة زيتها ، فيدب الشقاق بين أفرادها ، فتصبح سياستهم سياسة الفرد الأوحد ، أخذا بلا عطاء ، ورضي ولا استرضاء ، وتصبح الحياة شكاسا وعنادا ، ويتجه

كل وجهته غير حاسب حسابا لوجهات أعضاء الشركة الآخرين . وإذن تفسد الأسرة وينحل رباطها . وعندئذ يقول الناس : وا أسفاه ، لو كان في هذه الأسرة رجل .. !

والناس تعني بهذا ليت في هذه الأسرة رجل بيمينه سوط ، رجل مستبد ، رجل ذو شدة وبأس ، يزأر الزأرة فترتعد لها فرائص العابثين . رجل تقوم عزيمته الواحدة مكان تلك العزائم المتفككة التى تأبي على عجلات الأسرة

الواحدة أن تسير في الوجهة الواحدة . رجل تقوم وحدة غرضه مكان توحد الأغراض التي تفرقت ، وتبرؤر الشعاعات التي تبعثرت . رجل تقوم إشارته الصادرة مكان تلك الشوري الغائرة الحائرة الجائرة .

هكذا يقول الناس ، وبهذا تجري ألسنة الخلق

وهذا الذي يستبيحه الناس في أمر الأسر ، تستبيحه الحوادث في أمر الأمم .

فالأمم لا يختل نظامها ، ويفسد حكمها وتنذر بالتداعي أصول الحياة منها ، حتى يجيئها رجل بيمينه سوط . فينقلب فيها الحكم استبدادا . وقد يجيء هذا الاستبداد من الخارج ، وقد يجيء هذا الاستبداد من الداخل . وهو في كلتا حاليه يتضمن قوة تستعيد النظام الذي انقطع ، وتسترد حباته التي انفرطت ، وتعيد المسئوليات

إلي أرباب لا جديرين بها جدارة ولو عاجلة . والناس إن لم تحب الاستبداد يأتي بعده الخلل ، فهي على الأقل لا تكرهه وجمهور الناس قلما يعني بنظريات الحكم والأمعدة فارغة من طعام ، والأنفس ذليلة من عوز ، وللجوع ذلة تنزل بالسواد من الناس إلي ذلة البهائم ، فلا يكون للرجل حرمة إلا حرمة الكلب يتمسح من أجل عظمة ، أو

حرمة القط يموء وراءك من أجل فتاة من فتات مائدة

على هذا النحو دخل حكم الاستبداد دويلات الإغريق من بعد حكم الأرستقراطية ، وتغاورها دويلة بعد دويلة ، فيما بين منتصف القرن السابع من الميلاد إلي منتصف القرن الذي تلاه

فالأرستقراطيات القائمة كان كلما أحست بزحام الحكم يفلت منها ، تشبثت به تشبث الغريق بالحياة وفعلت لإصلاح الخلل ما استطاعت ، ولكن ما إصلاح خلل يمس الظواهر دون البواطن . ما إصلاح خلل والأثرة قائمة . وزبدة الحياة عند قوم و مخيضها عند آخرين ، ما إصلاح

خلل وقد انقلب السادة ذوو المال سادة مرابين ، حذفوا فنون المال فأطلقوا علمهم يستغل جهل الجاهلين . يغرون بوفيرهم عند الأعطاء ، ولا يغرون بالصبر إذا ما تأخر الوفاء والفلاح الفقير لا تنتج أرضه مع الدين إلا فقرا ، وزاد الحال سوءا سفه السفهاء من الأشراف ، فكأنما لم يكفهم

ما أصابوا الناس به في أرزاقهم ، فجاءوا يذيقونهم مرارة الحياة في نفوسهم . فمثلوا بالناس من غضب تمثيلا والأشراف أنفسهم دب فيهم الشقاق بدبيب المطامع فانقسموا علي أنفسهم شيعا ، حتى لكان منهم من شايع الناس ليثأر من شيعته ، وليعمل عند الجهور لغده .

ولكن الجمهور الإغريقي كان قد ألف الصبر علي الذل زمانا فلم يعد به طاقة للنهوض . وهاب الحكم والحكام ، حتى لهاب أن يدخل قصور الحكم وقد خلت من جبابرتها . فدخلها رجال رأوا في أنفسهم القدرة التي أعوزت أمة وبدأ بهذا عهد المستبدين

وكان المستبد أحيانا رجلا تختاره الأحزاب جميعا . لينجو بالدولة من خراب محيق . يقلدونه الأمر جميعا ، ويعطونه الثقة جميعها . ولكنه كان في أكثر الأحيان رجلا تقدم للزعامة ، فلما لفت أبصار الأشراف إليه ، فاختصوه بالخصومة ، حاط نفسه بالخفراء من الجمهور يدفعون عن حياته . ويزيد عدد هؤلاء الخفراء علي الأيام ،

فإذا به وبهم يقتحمون معقل الدولة ، وإذا بمقاليد الأمور تقع في أيديهم بين عشية وضحاها . وقد كان المستبد في أحيان أخري يدخل إلي الحكم من أبواب أخري غير هذه ويكون رجلا غير هؤلاء . وما دام أن الأبواب تهيأت لأن تنفتح ، ولو بقليل عنف ، فهي لم تعدم بين الرجال ذوي الآمال من يفتحها بركزة من رجل ، أو بدفعة من كتف عريضة .

ومعنى الاستبداد كما قدمنا معني كريه . وقد كان كريها عند فلاسفة الإغريق ، وقد جاءوا بعد عهد الاستبداد هذا ببضعة أجيال فنظرية الحكم عند هؤلاء الفلاسفة أن المجتمع نظام يضمن للناس طيب الحياة ، ويضمن لهم العيش الحر لرخاء الفرد ورخاء المجتمع علي السواء فالحكومة التي تكون ، إنما تكون لنفع المحكومين لا لنفع الحاكمين . والمستبد إنما يريد الحكم

لنفع نفسه والقانون ينظم ما بين أفراد المجتمع من علائق ، والمستبد فوق القانون فهو خارج على القانون . فهو خارج عن نطاق القانون . فليس له إذن حماية القانون

ولكن مهما يكن من رأي هؤلاء الفلاسفة ، فحياة المجتمع وسط بين طرفين ، ونزاع بين نقيضين : حرية مطلقة أشبه بالفوضى ، بل هي الفوضى ، أو تقييد مطلق هو الاستبداد ، أو هو هذه الدكتاتورية العسكرية التي قال فيها الفلاسفة ما قالوا . والحكم المثالي هو شيء بين هذا وهذا والحكم إذا بلغ النهاية الأخرى ، حيث الخلل

والفوضي ، صار كالشمس إذا بلغت المغرب ، لا يمكن أن تعود إلي وسط السماء حتي تشرق من جديد . والإشراق في إعادة النظام وإعادة القانون ، مهما كلف هذا من ضياع حرية سياسية في ظل دكتاتورية لا يمكن أن تدوم إلا بمقدار ما يشفع نفعها في بقائها .

وقد شفع حال الإغريق الذي كان في ذلك الزمان لقيام دكتاتورياتهم ، وشفع لبقائها زمانا فلما أرادت أن تعيش فوق أعمارها ، جاءها الموت من أنفسها ، كما يجئ الأجسام الحية في شيخوختها ، وحسبك بالشيخوخة مرضا قاتلا.

فعهد الاستبداد ، عهد الدكتاتورية ، كان عهدا لازما في تطور دول الإغريق . وكان عهدا ذا منافع أيضا .

فالدكتاتور ، يأتي من بعد الفوضي ، يكون من أول مقاصده حتما إزالة هذه الفوضى بإزالة أسبابها . وأسبابها التي كانت في عهد تلك الدويلات الإغريقية وجود تلك الأرستقراطية التي تدهورت بالحكم عن المعني الذي يستمد من لفظة الأرستقراطية ، وهو الحكم

بالأحسن ، إلي المنى الأدنى ، معي الألجرشية ، أي الحكم بالأقل ، أى بالعصبة القليلة من الناس ، لخير هذه العصبة ولو فيه إضاعة الناس . فالدكتاتوريات أزالت أول ما أزالت تلك الأرستقراطيات الجاثمة على صدور هذا الشعب ، فأخذ الهواء يدخل إلي رئت كادت تختنق

والدكتاتوريات ردت سلطة القانون ، إلا فيما حماها فيما هي فيه من سلطان مغتصب . وسلطة القانون ، ولو غير كاملة خير من لا سلطة أبدا والدكتاتوريات من بعد استقرار أمرها ، واستتباب أمتها لا يمكن أن تعيش إلا إذا داهنت الجمهور ، واسترضته ، ويسرت له الرزق من بعد ضيق .

وقد فعلت كثير من هذه الدكتاتوريات ذلك بخلق العمل للمتعطلين . وكان هذا العمل بالطبع من النوع الذي يتفق مع أغراض الدكتاتورية الأخرى ، ولو كان به منافع أخري

فكان هذا العمل في أكثر الأحيان تشييد العظيم من المباني في العواصم الكبرى ، وعظم المباني من عظم السلطان و الأسقف العالية ، والعمد الفارعة ، من علو الهمة وطول الباع ؟ وهو فوق هذا يدغدغ العزة القومية في نفس الشعب ، ويحيى فيه شيئا من الكبرياء التي عزته زمانا ؟ وهو فوق كل هذا يملأ أوقات الألوف من تلك الشعوب المدائنية بما يشغل و يلهي ، ويملؤها طويلا ، ويملأ بطونهم من بعد جوع .

فإن قصرت هذه الأعمال عما قصد بها ، وبقي بالناس فضل ، أخرجوا من مدائنهم غصبا إلي الريف ، حيث يجدون في فلاحة الأرض العمل والطعام

وقد تضيق بالدكتاتور الخيل رغم هذا ، فلا يجد ما يشغل كل الناس به عن نفسه في داخل الحدود ، فيطلب المخلص وراء تلك الحدود ، بإحياء مطامع شعبه في الشعوب الأخرى . والوطنية عاطفة رخيصة يشتريها الدكتاتور من العامة بغير ثمن كبير ويحركها فيها بمحرك قصير ،

فإذا بها تتأجج في الناس حتي لا يكون لقائمهم قعود إلا بعد بلوغ الغاية . والغاية الحرب . وفي الوطنية المتأججة وفي الحرب العاصفة ، ينسي الناس ذل الدكتاتورية

ورقهم للإرادة الفردية ، ومحوها ذلك الإسترواح التي تتفتح فيه النفس الإنسانية في جو الحرية وغير هذا فالحرب فيها الهلك . والدكتاتور في الحرب يفقد من أعدائه ومن أصدقائه على السواء ، وكل غم . فالعدو

للدكتاتور عدو حاضر ظاهر ، والصديق عدو محتمل والصداقة في السياسة قليلة بين ذوي الحظوظ المتساوية ، فما بالها بين رجل أوحد ، وبين بطالة تضرب له شتى الألحان كلما صعد إلي هذا المكان المختار أو هبط ، وكل صاحب لحن يتخيل في أعماق نفسه الخبيثة ، تلك التي لا تصل إليها الأعين ولا تنالها التهائم ، يتخيل لنفسه تلك المشية المأمولة على نفس هذه الألحان ، للصعود إلى نفس هذا المكان .

ومن منافع تلك الدكتاتوريات الإغريقية ، أن الدكتاتور كان رجلا فردا ، لم يتقيد بقانون ، ولم تربطه ميزانية ، فاستطاع بما اجتمع في يده من مال ، وحرية تصرف فيه ، أن يتجه إلي تشجيع تلك النواحي المدنية التي قلما يأبه بها السواد من العامة ، لا سيما عامة تلك الأزمان

ومن تلك النواحي ، ناحية الفن ، من شعر وتصوير و بناء فعهد الدكتاتورية الإغريقية كان عهدا لإحياء الفن لا ينكر ، بل لعله كان أول عهد ترعرعت فيه الفنون وترعرعت بما أسبقه أرباب الإرادة الواحدة على رجال

الفنون من جود وحماية . وقد يقال إن هذا لم يكن إلا من غرور الملك . فإن يكن فأنعم بالغرور تنبثق من ورائه تلك الشعاعات الربانية التي تخرج من لسان شاعر ، أو ريشة راسم ، أو بنحت حجار

ومن منافع الدكتاتورية ، بل لعلها المنفعة الكبرى إن صح أن للدكتاتوريات منافع ، أنها كسرت رشوة الأشراف وغير الأشراف ، فوحدت بين الشعب ، وسوت بين الطبقات ، وأصبح الناس في الرق سواء . وبذلك  مهدت لعصر الديموقراطيات في الإغريق . فقد كان لا بد

لشروق الديمقراطية من هذه التسوية ولو في رق . ففي هذه التسوية كسر رؤوس الأرستقراطية ، وفرطحة النائي من قرون الأقلية الألجرشية ، فإذا صحا الناس من بعد ذلك صحوا علي أطوال متساوية ، ولم يكن ذرور الشمس ببعيد .

فالدكتاتوريات لم تعمر طويلا ، وما كان لها أن تعمر طويلا ، على رغم تساندها بل وتحالفها في دولة ودولة . ذلك أن الدكتاتوريين الأولين كانوا رجالا ذوي بأس وشدة ، وكان لهم بصر بقيادة الناس ، وكان لهم حضرة تفرض الإذعان علي الحاضرين . فلما ذهبوا لم يخلفهم

خلف لهم ذلك البأس وتلك البصيرة . فقد نشأ أبناؤهم وأخلافهم في حجر الدعة وفي ملاسة النعمة . فكان لهم حب الجمال وأناقة الفن ولكن العروش لا تحمي بالجمال ، ولا تقام والأوضاع شاذة على رؤوس الفنانين . والناس تتربص الخلاص من الرق كائنا نوع هذا الرق ما كان . فبدأت القلاقل ، ودب

الخوف إلي الحاكم الفرد . وشر شيء على حاكم مطلق أن يدخل قلبه خوف . فعندئذ تحوطه هواجمه ، وتكثر جواسيسه ، ويزيد علي العسكر المأجور اعتماده ، ويدفع عن نفسه بالسيف يطيحه في الظلام فيصيب به أعناقا يريدها

وأعناقا لا يريدها ، ويصبح الحكم للفزع . وحكم الفزع مصيره إلي النهاية تأتي غير منظورة . كالرجل المسلول . قد تطول أيامه ، وتبدو معالم الصحة في عينه ونبضه ولكنه ينطفئ فجأة كما ينطفئ السراج

فهكذا ذهب كثير من تلك الدكتاتوريات ، بالثورة بعد الثورة . وأعانت أسيرطة ، دولة الإغريق الكبرى ، تلك الدويلات علي التخلص من بلائها ، وذلك خوفا علي نفسها هي من عدوي ذلك البلاء ، ولكن كذلك لتصطنع من تلك الدويلات صنائع من بعد هذا .

فلما صحت تلك الشعوب ، صحت وبيدها أكثر زمام أمرها وبذلك انتهي عهد الدكتاتورية ، أو عهد التورائيين كما أسماهم الإغريق - ومنها لفظة Tyrant الإنجليزية وأخوانها في اللغات الأوروبية - كما انتهي من قبل عهد الملكية ، فالأرستقراطية ، فالألجرشية ، وتمهد السبيل لدخول عهد الديمقراطية .

اشترك في نشرتنا البريدية