كان عقد الميثاق الثلاثي بين تركيا وبريطانيا العظمى وفرنسا أهم الحوادث الدولية الأخيرة ، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه أهم حادث دبلوماسي وقع منذ نشوب الحرب الأوربية . وقد كان عقد هذا الميثاق متوقعًا منذ أشهر ، والواقع
أنه ليس سوى المرحلة الأخيرة لعدة تصريحات وعهود رسمية تبادلتها بريطانيا العظمى وفرنسا من ناحية ، وتركيا من ناحية أخرى ، في شهري مايو ويونيه الماضيين ؛ ثم تأخر إدماجها وإبرامها في الميثاق المرغوب نظرًا لما وقع من تطور فجائي في سير الحوادث الدولية ؛ ففي أواخر أغسطس عقد
الميثاق الألماني السوفيتي فجأة ، فكان له أعمق وقع في شئون أوربا الشرقية ، ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى أقدمت ألمانيا على اجتياح بولونيا ، وترتب على ذلك قيام الحرب الأوربية .
وكان يخشى أن يكون لهذا التحول الفجائي في سياسة روسيا السوفيتية واتجاهها إلى الاتفاق مع ألمانيا الهتلرية على اقتسام أوربا الشرقية ، أثر في موقف تركيا التي ترتبط مع جارتها روسيا بروابط وثيقة ، وتجمع بينهما في حلبة السياسة عوامل واعتبارات هامة ؛ ولما دعي وزير الخارجية التركية في أواخر سبتمبر الماضي إلى موسكو للمفاوضة مع زعماء السوفييت ، و كشفت روسيا خلال ذلك عن طرف من مطامعها الاستعمارية بانتزاع نصف بولونيا الشرقي والضغط على دول البلطيق ، خشى أن يقع مثل هذا الضغط من جانب روسيا على تركيا ، فيؤثر في موقفها تجاه الدول البلقانية ، وتجاه انكلترا وفرنسا ، فتنهار بذلك أسس الاتفاق الثلاثي في مهدها .
ولكن تركيا استطاعت ، بالرغم مما بذلته حكومة موسكو من الضغط والوعيد ، أن تقاوم كل محاولة لردها عن الطريق الذي اختارت أن تسلكه ، وآثرت أن تبقى مخلصة لوعودها وللسياسة التي اختطتها لنفسها بعد إمعان الروية والتفكير ؛ وهكذا فشلت مفاوضات موسكو ، وعلى أثر انقطاعها وقع الميثاق الثلاثي في أنقرة بين تركيا وانكلترا وفرنسا .
ويجدر بنا قبل التحدث عن الميثاق الجديد أن نذكر الخطوات التي سبقته والتي اتخذت أساسًا لعقده ، وهي تتلخص فيما يأتي :
أولا - على أثر استيلاء إيطاليا على ألبانيا في أوائل إبريل الماضي ، أصدرت الحكومتان الانكليزية والفرنسية
تصريحًا مماثلا بضمان من جانب واحد لرومانيا واليونان إذا اعتدي عليهما وقاومتا الاعتداء .
ثانيًا - صدر في ١٢ مايو الماضي تصريح متبادل بين كل من انكلترا وفرنسا من ناحية وتركيا من ناحية أخرى نصه " إنهما ( أي كل من الدولتين ) في حالة وقوع اعتداء يؤدي إلى الحرب في البحر الأبيض المتوسط ، تكونان على استعداد للتعاون العملي ، ولأن تقدم كل منهما للأخرى كل مساعدة في وسعها " . واتفق الفريقان على أن يعقد بينهما في أقرب وقت ميثاق نهائي متبادل لتأييد السلامة والأمن .
ثالثًا - عقد في باريس في أواخر يونيه الماضي ميثاق حربي بين فرنسا وتركيا بوجوب العمل على صون السلام في البلقان ، ووجوب التشاور لتحقيق هذه الغاية ، وبذل المعاونة المتبادلة إذا دعت الضرورة إلى بذلها . وعقد في نفس الوقت في أنقرة اتفاق آخر فرنسي تركي ، ينص على تنازل فرنسا نهائيًا لتركيا عن سنجق الإسكندرونة .
ويبدو مما تقدم أن الميثاق الثلاثي الجديد الذي عقد بين تركيا وفرنسا وانكلترا إنما هو تتمة للخطوات المتقدمة وتنظيم نهائي للمعاونة العسكرية بين الفريقين المتعاقدين ، لدفع الاعتداء وإقرار السلام في البلقان وفي شرقي البحر الأبيض المتوسط .
ويتلخص هذا الميثاق الذي يتكون من عشر مواد وملحقين في أنه إذا دخلت تركيا حربا مع دولة أوربية معتدية عليها ، قامت فرنسا وانكلترا بمساعدتها . وإذا قامت دولة أوربية بعمل عدائي في منطقة البحر الأبيض المتوسط يؤدي إلى حرب تدخل فيها انكلترا وفرنسا ، فإن تركيا تقدم لهما كل عون ممكن ؛ وإذا وقع مثل هذا العمل العدائي وترتب عليه حرب تدخلها تركيا ، عاونتها انكلترا وفرنسا ، وإنه ما دامت الضمانات التي قطعتها انكلترا وفرنسا إلى اليونان
ورومانيا قائمة ، فإن تركيا تتعاون معهما فعلا وتبذل لهما كل معاونة ممكنة إذا اضطرتا إلى دخول حرب ما من جراء تنفيذ الضمانات المشار إليها ، وإنه إذا اشتبك المتعاقدون في أعمال عدائية تطبيقًا لهذا الميثاق ، فإنه لا تعقد هدنة أو صلح إلا بالاتفاق المشترك .
ومدة الميثاق الثلاثي خمسة عشر سنة ؛ وقد نص فيه على أنه غير موجه إلى أحد ؛ ونص في ملحق خاص على أن التعهدات التي قطعتها تركيا لا يمكن أن تضطرها إلى عمل يجرها إلى نزاع مسلح مع اتحاد جمهوريات السوفييت ؛ وفي هذا النص ما يدل على أن تركيا ما زالت تؤمل أن تستمر علائقها الودية القديمة مع روسيا ، وأن الدولتين الحليفتين من جهة أخرى تحرصان على عدم المساس بروسيا ، وعلى الابتعاد عن كل ما يثيرها أو يحفزها إلى العمل على تعكير السلم .
هذا وقد كان لعقد الميثاق الثلاثي أحسن وقع في جميع الدول المحايدة ، وبخاصة في دول البلقان وفي الشرق الأدنى ؛ وهو فضلا عما ينطوي عليه من مغزى أدبي عميق لما أبدته تركيا من الوفاء بعهودها في وقت انهارت فيه الثقة الدولية ، وعز فيه الوفاء بالعهود ، يقدم من الناحية المادية دعامة جديدة في نظام السلامة المشتركة ، وضمانًا جديدًا قويًا للمحافظة على السلم في البلقان وشرقي البحر الأبيض المتوسط .
على أنه يجب لكي نقدر أثر الميثاق الثلاثي في مركز الدول البلقانية التي تعتبر تركيا زعيمتها ، وفي موقفها من الأزمة الأوربية الحاضرة ، أن نشير إلى العهود والمواثيق المشتركة التي ترتبط بها هذه الدول ، في سبيل المحافظة على سلامتها وعلى سلام البلقان .
فمنذ سنة ١٩٣٤ ، ترتبط الدول البلقانية ، أعني تركيا
واليونان ويوجوسلافيا ورومانيا بميثاق مشترك يعرف بالحلف البلقاني . أما بلغاريا فقد رفضت أن تشترك فيه . وينص الميثاق على أن الدول المذكورة تتعهد بالعمل على ضمان حدودها البلقانية ، وأنه متى وقع أي شئ تتأثر به مصالحها ، فلا تقوم بأي عمل مفرد دون التشاور ، أو تأخذ على نفسها أي تعهد سياسي نحو أية دولة بلقانية أخرى دون الموافقة المشتركة . وتنص الملاحق الإضافية على أنه إذا وقع اعتداء على أي واحدة منها ، سواء من جانب بلغاريا وحدها ، أو من جانب بلغاريا بالاشتراك مع دولة غير بلقانية ، فإنها تتضامن جميعًا في دفع هذا الاعتداء ، وأن تتعاون في قمع أية محاولة يراد بها تغيير الحالة الراهنة في البلقان . وقد أُعفيت اليونان بنص خاص من الدخول في أعمال عدائية إذا كانت إيطاليا هي الدولة التي تشد أزر بلغاريا في الاعتداء . بيد أنها تتعهد بالدخول في الحرب ضد إيطاليا لحماية الحدود البلقانية متى دخلت ضدها فرنسا وانكلترا .
ومن جهة أخرى فإن تركيا ترتبط وحدها مع العراق وفارس وأفغانستان بميثاق عدم اعتداء يعرف بميثاق سعد أباد ، يقضي على الدول الموقعة عليه بحل الخلافات التي تقع بينها بطريق المفاوضة والتحكيم .
وقد أصيب الحلف البلقاني بشيء من الضعف من جراء موقف يوجوسلافيا التي آثرت فيما بعد أن تسوي علائقها منفردة مع بلغاريا ثم إيطاليا ، وأن تعقد مع كل منهما ميثاقًا خاصًا . على أن الحلف البلقاني يعود اليوم فيسترد كل قوته وأهميته ، بعد عقد الميثاق الثلاثي الجديد ودخول انكلترا وفرنسا لضمان رومانيا واليونان وتركيا ضد كل اعتداء . أما يوجوسلافيا فقد تركت خارج هذه المواثيق والضمانات نظرًا لظروفها الخاصة ، ولأنها فضلت
أن تكون حرة في تكييف سياستها . ولسنا بحاجة إلى القول بأن الميثاق الثلاثي يكون سدًا منيعًا ضد مطامع ألمانيا وروسيا في البلقان والشرق الأدنى ، ويحملهما على التفكير طويلا قبل القيام بأي زحف أو اعتداء في هذا الاتجاه . والمعروف أن حكومة موسكو قد بذلت كل ما في وسعها لكي ترغم تركيا على إغلاق الدردنيل والبوسفور في وجه السفن الانكليزية والفرنسية ، واعتبار البحر الأسود بحيرة روسية ؛ وكانت تعمل في ذلك بوحي حليفتها الجديدة ألمانيا ؛ ولكن هذه المحاولة فشلت ولم تتأثر تركيا في ذلك بتهديدات موسكو ولا بدسائس ألمانيا ، وآثرت أن تحتفظ بسيادتها وحريتها بشأن المضايق ، وأن تعتمد على الضمانات الفرنسية الانكليزية لرد الاعتداء عليها وعلى حليفاتها من دول البلقان ، وأن تفتح المضايق لسفن الحلفاء عند الاقتضاء .
ثم إن الميثاق الثلاثي يعزز جبهة الحلفاء الدفاعية في شرقي البحر الأبيض كله من مصب الدانوب حتى قناة السويس ، ويعاون معاونة فعالة في القضاء على أي اعتداء يوجه إلى هذه الجبهة من أي دولة كانت ؛ وفي اعتقادنا أيضًا أنه يضيف عاملا جديدًا على العوامل والظروف التي تحمل إيطاليا على الاحتفاظ بحيدتها ، وقد يكون له أثر حاسم في إبعادها نهائيًا عن ألمانيا وسياسة محور برلين موسكو .
وأخيرًا لسنا بحاجة إلى القول بأن الميثاق الثلاثي كان صدمة قوية لألمانيا ، وأنه بما أحدثه فيها من خيبة أمل تبدو واضحة في اضطراب الدوائر النازية ، وأقوال الصحف الألمانية ، يعتبر فوزًا سياسيًا عظيمًا للحلفاء ، لا يقل عن فوز ألمانيا في أواخر أغسطس بعقد الميثاق السوفيتي .
