الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44 الرجوع إلى "الثقافة"

الحلف الثلاثى بين تركيا وانكلترا وفرنسا، والمواثيق الدفاعية فى البلقان وشرقي البحر الأبيض المتوسط، لمحرر "الثقافة" السياسي

Share

كان عقد الميثاق الثلاثي بين تركيا وبريطانيا العظمى وفرنسا أهم الحوادث الدولية الأخيرة ، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه أهم حادث دبلوماسي وقع منذ نشوب الحرب الأوربية . وقد كان عقد هذا الميثاق متوقعًا منذ أشهر ، والواقع

أنه ليس سوى المرحلة الأخيرة لعدة تصريحات وعهود رسمية تبادلتها بريطانيا العظمى وفرنسا من ناحية ، وتركيا من ناحية أخرى ، في شهري مايو ويونيه الماضيين ؛ ثم تأخر إدماجها وإبرامها في الميثاق المرغوب نظرًا لما وقع من تطور فجائي في سير الحوادث الدولية ؛ ففي أواخر أغسطس عقد

الميثاق الألماني السوفيتي فجأة ، فكان له أعمق وقع في شئون أوربا الشرقية ، ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى أقدمت ألمانيا على اجتياح بولونيا ، وترتب على ذلك قيام الحرب الأوربية .

وكان يخشى أن يكون لهذا التحول الفجائي في سياسة روسيا السوفيتية واتجاهها إلى الاتفاق مع ألمانيا الهتلرية على اقتسام أوربا الشرقية ، أثر في موقف تركيا التي ترتبط مع جارتها روسيا بروابط وثيقة ، وتجمع بينهما في حلبة السياسة عوامل واعتبارات هامة ؛ ولما دعي وزير الخارجية التركية في أواخر سبتمبر الماضي إلى موسكو للمفاوضة مع زعماء السوفييت ، و كشفت روسيا خلال ذلك عن طرف من مطامعها الاستعمارية بانتزاع نصف بولونيا الشرقي والضغط على دول البلطيق ، خشى أن يقع مثل هذا الضغط من جانب روسيا على تركيا ، فيؤثر في موقفها تجاه الدول البلقانية ، وتجاه انكلترا وفرنسا ، فتنهار بذلك أسس الاتفاق الثلاثي في مهدها .

ولكن تركيا استطاعت ، بالرغم مما بذلته حكومة موسكو من الضغط والوعيد ، أن تقاوم كل محاولة لردها عن الطريق الذي اختارت أن تسلكه ، وآثرت أن تبقى مخلصة لوعودها وللسياسة التي اختطتها لنفسها بعد إمعان الروية والتفكير ؛ وهكذا فشلت مفاوضات موسكو ، وعلى أثر انقطاعها وقع الميثاق الثلاثي في أنقرة بين تركيا وانكلترا وفرنسا .

ويجدر بنا قبل التحدث عن الميثاق الجديد أن نذكر الخطوات التي سبقته والتي اتخذت أساسًا لعقده ، وهي تتلخص فيما يأتي :

أولا - على أثر استيلاء إيطاليا على ألبانيا في أوائل إبريل الماضي ، أصدرت الحكومتان الانكليزية والفرنسية

تصريحًا مماثلا بضمان من جانب واحد لرومانيا واليونان إذا اعتدي عليهما وقاومتا الاعتداء .

ثانيًا - صدر في ١٢ مايو الماضي تصريح متبادل بين كل من انكلترا وفرنسا من ناحية وتركيا من ناحية أخرى نصه " إنهما ( أي كل من الدولتين ) في حالة وقوع اعتداء يؤدي إلى الحرب في البحر الأبيض المتوسط ، تكونان على استعداد للتعاون العملي ، ولأن تقدم كل منهما للأخرى كل مساعدة في وسعها " . واتفق الفريقان على أن يعقد بينهما في أقرب وقت ميثاق نهائي متبادل لتأييد السلامة والأمن .

ثالثًا - عقد في باريس في أواخر يونيه الماضي ميثاق حربي بين فرنسا وتركيا بوجوب العمل على صون السلام في البلقان ، ووجوب التشاور لتحقيق هذه الغاية ، وبذل المعاونة المتبادلة إذا دعت الضرورة إلى بذلها . وعقد في نفس الوقت في أنقرة اتفاق آخر فرنسي تركي ، ينص على تنازل فرنسا نهائيًا لتركيا عن سنجق الإسكندرونة .

ويبدو مما تقدم أن الميثاق الثلاثي الجديد الذي عقد بين تركيا وفرنسا وانكلترا إنما هو تتمة للخطوات المتقدمة وتنظيم نهائي للمعاونة العسكرية بين الفريقين المتعاقدين ، لدفع الاعتداء وإقرار السلام في البلقان وفي شرقي البحر الأبيض المتوسط .

ويتلخص هذا الميثاق الذي يتكون من عشر مواد وملحقين في أنه إذا دخلت تركيا حربا مع دولة أوربية معتدية عليها ، قامت فرنسا وانكلترا بمساعدتها . وإذا قامت دولة أوربية بعمل عدائي في منطقة البحر الأبيض المتوسط يؤدي إلى حرب تدخل فيها انكلترا وفرنسا ، فإن تركيا تقدم لهما كل عون ممكن ؛ وإذا وقع مثل هذا العمل العدائي وترتب عليه حرب تدخلها تركيا ، عاونتها انكلترا وفرنسا ، وإنه ما دامت الضمانات التي قطعتها انكلترا وفرنسا إلى اليونان

ورومانيا قائمة ، فإن تركيا تتعاون معهما فعلا وتبذل لهما كل معاونة ممكنة إذا اضطرتا إلى دخول حرب ما من جراء تنفيذ الضمانات المشار إليها ، وإنه إذا اشتبك المتعاقدون في أعمال عدائية تطبيقًا لهذا الميثاق ، فإنه لا تعقد هدنة أو صلح إلا بالاتفاق المشترك .

ومدة الميثاق الثلاثي خمسة عشر سنة ؛ وقد نص فيه على أنه غير موجه إلى أحد ؛ ونص في ملحق خاص على أن التعهدات التي قطعتها تركيا لا يمكن أن تضطرها إلى عمل يجرها إلى نزاع مسلح مع اتحاد جمهوريات السوفييت ؛ وفي هذا النص ما يدل على أن تركيا ما زالت تؤمل أن تستمر علائقها الودية القديمة مع روسيا ، وأن الدولتين الحليفتين من جهة أخرى تحرصان على عدم المساس بروسيا ، وعلى الابتعاد عن كل ما يثيرها أو يحفزها إلى العمل على تعكير السلم .

هذا وقد كان لعقد الميثاق الثلاثي أحسن وقع في جميع الدول المحايدة ، وبخاصة في دول البلقان وفي الشرق الأدنى ؛ وهو فضلا عما ينطوي عليه من مغزى أدبي عميق لما أبدته تركيا من الوفاء بعهودها في وقت انهارت فيه الثقة الدولية ، وعز فيه الوفاء بالعهود ، يقدم من الناحية المادية دعامة جديدة في نظام السلامة المشتركة ، وضمانًا جديدًا قويًا للمحافظة على السلم في البلقان وشرقي البحر الأبيض المتوسط .

على أنه يجب لكي نقدر أثر الميثاق الثلاثي في مركز الدول البلقانية التي تعتبر تركيا زعيمتها ، وفي موقفها من الأزمة الأوربية الحاضرة ، أن نشير إلى العهود والمواثيق المشتركة التي ترتبط بها هذه الدول ، في سبيل المحافظة على سلامتها وعلى سلام البلقان .

فمنذ سنة ١٩٣٤ ، ترتبط الدول البلقانية ، أعني تركيا

واليونان ويوجوسلافيا ورومانيا بميثاق مشترك يعرف بالحلف البلقاني . أما بلغاريا فقد رفضت أن تشترك فيه . وينص الميثاق على أن الدول المذكورة تتعهد بالعمل على ضمان حدودها البلقانية ، وأنه متى وقع أي شئ تتأثر به مصالحها ، فلا تقوم بأي عمل مفرد دون التشاور ، أو تأخذ على نفسها أي تعهد سياسي نحو أية دولة بلقانية أخرى دون الموافقة المشتركة . وتنص الملاحق الإضافية على أنه إذا وقع اعتداء على أي واحدة منها ، سواء من جانب بلغاريا وحدها ، أو من جانب بلغاريا بالاشتراك مع دولة غير بلقانية ، فإنها تتضامن جميعًا في دفع هذا الاعتداء ، وأن تتعاون في قمع أية محاولة يراد بها تغيير الحالة الراهنة في البلقان . وقد أُعفيت اليونان بنص خاص من الدخول في أعمال عدائية إذا كانت إيطاليا هي الدولة التي تشد أزر بلغاريا في الاعتداء . بيد أنها تتعهد بالدخول في الحرب ضد إيطاليا لحماية الحدود البلقانية متى دخلت ضدها فرنسا وانكلترا .

ومن جهة أخرى فإن تركيا ترتبط وحدها مع العراق وفارس وأفغانستان بميثاق عدم اعتداء يعرف بميثاق سعد أباد ، يقضي على الدول الموقعة عليه بحل الخلافات التي تقع بينها بطريق المفاوضة والتحكيم .

وقد أصيب الحلف البلقاني بشيء من الضعف من جراء موقف يوجوسلافيا التي آثرت فيما بعد أن تسوي علائقها منفردة مع بلغاريا ثم إيطاليا ، وأن تعقد مع كل منهما ميثاقًا خاصًا . على أن الحلف البلقاني يعود اليوم فيسترد كل قوته وأهميته ، بعد عقد الميثاق الثلاثي الجديد ودخول انكلترا وفرنسا لضمان رومانيا واليونان وتركيا ضد كل اعتداء . أما يوجوسلافيا فقد تركت خارج هذه المواثيق والضمانات نظرًا لظروفها الخاصة ، ولأنها فضلت

أن تكون حرة في تكييف سياستها . ولسنا بحاجة إلى القول بأن الميثاق الثلاثي يكون سدًا منيعًا ضد مطامع ألمانيا وروسيا في البلقان والشرق الأدنى ، ويحملهما على التفكير طويلا قبل القيام بأي زحف أو اعتداء في هذا الاتجاه . والمعروف أن حكومة موسكو قد بذلت كل ما في وسعها لكي ترغم تركيا على إغلاق الدردنيل والبوسفور في وجه السفن الانكليزية والفرنسية ، واعتبار البحر الأسود بحيرة روسية ؛ وكانت تعمل في ذلك بوحي حليفتها الجديدة ألمانيا ؛ ولكن هذه المحاولة فشلت ولم تتأثر تركيا في ذلك بتهديدات موسكو ولا بدسائس ألمانيا ، وآثرت أن تحتفظ بسيادتها وحريتها بشأن المضايق ، وأن تعتمد على الضمانات الفرنسية الانكليزية لرد الاعتداء عليها وعلى حليفاتها من دول البلقان ، وأن تفتح المضايق لسفن الحلفاء عند الاقتضاء .

ثم إن الميثاق الثلاثي يعزز جبهة الحلفاء الدفاعية في شرقي البحر الأبيض كله من مصب الدانوب حتى قناة السويس ، ويعاون معاونة فعالة في القضاء على أي اعتداء يوجه إلى هذه الجبهة من أي دولة كانت ؛ وفي اعتقادنا أيضًا أنه يضيف عاملا جديدًا على العوامل والظروف التي تحمل إيطاليا على الاحتفاظ بحيدتها ، وقد يكون له أثر حاسم في إبعادها نهائيًا عن ألمانيا وسياسة محور برلين موسكو .

وأخيرًا لسنا بحاجة إلى القول بأن الميثاق الثلاثي كان صدمة قوية لألمانيا ، وأنه بما أحدثه فيها من خيبة أمل تبدو واضحة في اضطراب الدوائر النازية ، وأقوال الصحف الألمانية ، يعتبر فوزًا سياسيًا عظيمًا للحلفاء ، لا يقل عن فوز ألمانيا في أواخر أغسطس بعقد الميثاق السوفيتي .

اشترك في نشرتنا البريدية