سرنى أن تناول الأستاذ أحمد أمين بك الحلف العربى فى مقال نشرته " الثقافة " وأن ثنى هذا المقال الأستاذ محمد فريد أبو حديد . فان أمرا كهذا حرى أن تتناوله الأفكار والأقلام ، وأن ينال حقه من النظر والتبيين والدعوة ، لا سيما فى هذه الأيام التى يضطرم فيها العالم بالنيران والدماء ، ويمور بالدمار والخراب ، وتعترك فيه الآراء والدعوات ، وتحاول الأمم الكبيرة أن تلعب بكرة الأرض كما تهوى ، وأن تخط للعالم من القوانين ما تشاء كبرياؤها ومصلحتها . وما سكوت الأمم العربية عن القول فيما يعنيها ، وقعودها عن السعى فيما تبتغى لحاضرها ومستقبلها إلا العجز والاستسلام ، والرضى بالهوان ، والنزول على حكم السادة ، والتنظر لما يقضى به القادة من خير أو شر ، ونفع أو ضر ، وما هكذا تختار الأمم الكريمة لأنفسها ولا كذلك أورثنا آباؤنا ،
وأوحى إلينا تاريخنا ، وعلمنا زماننا . إن الزمان يطالب الأمم الآخرى بدمائها وأموالها ، وما ادخرت أيديها وأفكارها . ولا يطالبنا اليوم إلا باجتماع الكلمة ، والقول الفصل فيما يحزبنا من الخطوب وما يحيط بنا من الحادثات . فان استمرت بنا الغفلة والتهاون والتخاذل والاستسلام ، فأهون بنا على ظهر الأرض ، وأجدر بنا أن يقضى علينا بخطة خسف تكافىء أعمالنا جزاء وفاقا .
كتبت فى " الثقافة " هذا العام مقالين فى اتحاد العرب ، فأبغت أن اتحاد الأمم العربية حقيقة واقعة لاريب فيها ، لا ينقصها إلا أن نعترف بها ونستفيد منها ، وأننا لسنا نعالج أمرا مصطنعا نلفق له الوسائل ، ولكن حقائق تملأ عقولنا وعواطفنا وأبصارنا وأسماعنا . ولست فى حاجة إلى أن أعبد اليوم ما قلت من قبل فى صلات الأمم العربية وأواصرها .
لابد أن نبين مقاصدنا تبيينا ، ونحدد دعوتنا تحديدا ، فلا يتيهم الأمر على الباحثين ، ولا تتفرق السبل بالساعين . ماذا تريد بالحلف العربى ؟ ما الأمم العربية وكيف يكون تخالفها ؟ تكلمت فى بيروت منذ خمس سنين ، فذكرت
البلاد العربية ونهوضها وسعبها إلي التعارف والتعاون ؛ وكنت كلما ذكرت الأمم العربية ذكرت الأمم التى تعيش فى الأقطار الواسعة بين بحر الظلمات وهضب إيران ؛ فلما انتهى الاجتماع تقدم إلى أحد الطرابلسيين شاكرا لى ، شاكيا إغفال الكتاب والخطباء بلاد العرب التى تمتد ما بين مصر إلى المحيط الأطلسى . وفى هذا العام دعت " جماعة الطلبة العرب " فى كلية الآداب الأستاذ الكبير مصطفى عامر بك ، فتكلم فى الاتحاد العربي ، وقصر الكلام على العراق والشام والجزيرة العربية ؟ فسخط الطلاب الذين لم تذكر بلادهم ، وعجبوا كيف أغفل الأستاذ مصر والسودان وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش ، حتى بينت لهم أن الموضوع واسع ، وأن الأستاذ تناول الصلات التى بين البلاد العربية الشرقية ليجعلها مثلا للبحث فى روابط الأمم العربية كلها . ولما كتب أستاذنا أحمد أمين بك مقاله عن الحلف العربى جاء فى كتاب من بعض الأدباء يسألنى : لماذا أغفل الأستاذ البلاد العربية الأخرى ؟ لست أرى أن البلاد العربية الغربية أقل اهتماما بمستقبل العرب ، ولا أضعف إيمانا بما بينهم من أواصر ، ولا أدنى طموحا إلى المشاركة فى جماعة العرب ، والمساهمة فى تكاليف المجد العربى ؛ وما أحسب الكتاب يرتابون فى هذه الحقائق ، ولكنهم يتناولون الجانب الذى نال الاستقلال أو كاد ، عالمين أنهم إذا أسسوا الجامعة العربية فى بعض الأقطار قما يضمون قواعد الجامعة الشاملة العامة ويتربصون لها الفرص المواتية .
ولست أبرىء الكتاب من الذنب فى إغفالهم بعض الأقطار العربية ، فان عليهم أن يعرفوا المقصد ويدعوا إليه ، ويخطوا الحدود الجامعة ، ويبينوا هدفهم الأقصى ومثلهم الأعلى ، ثم يدعوا إلى ابتداء العمل فى بعض الجوانب ، إلى أن بتيسر العمل فى الجوانب الأخرى ، فيجعلوا الجامعة الخاصة عملا ، والجامعة العامة أملا يطمحون إليه ويعملون
له ، وينتظرون له الفرص أو يخلقونها . إن أمور الأمم لا تعالج إلا بالصراحة ، ولا يجدى فيها المداهنة والنفاق ؛ فليعلم الناس كلهم أن الأمم العربية طامحة إلى الاتحاد ساعية إليه ، وأن اتحادهم لا يكون إلا خيرا وسلاما لأنفسهم وللناس كافة ، وأن من شاء مودتهم ونصرتهم فعليه أن يعترف بحقهم ، ولا يعترض طريقهم ، وبعرف أنهم أهل لشكر الصنيعة ، وعرفان الجميل لمن عاونهم فى محنهم الحاض بكلمة طيبة او عمل نافع ، وكف عنهم شره ومنحهم مودته .
تلكم كلمات تبين عن مقاصدنا وآمالنا فى اتحاد الأمم العربية فى غير مداهنة ولا مداراة . وأما قواعد الحلف العربى ووسائله فيبينها العمل وتحددها التجربة ، فعلينا أن نبدأ " فى أيسر أشكاله وأقربها ، ثم تتوسع فيه على قدر ما تواتى الأحوال ، وتستجيب الحادثات . يرى الأستاذ أحمد أمين أن يؤلف الحلف العربى من أربعة أقطار : مصر والشام والعراق وجزيرة العرب ، وأن تربط ما بين هذه الأقطار روابط ثقافية واقتصادية وسياسية ، ثم يبين وسائل هذه الروابط ، وهو رأى يجمع عليه كتاب العرب وزعماؤهم فى جملته ، تاركين التفصيل إلى حين العمل ، قربما يكون على هذه الصورة أو غيرها . فما ذكره الأستاذ ليس إلا تمثيلا ووضعا للنظريات فى بعض صورها الممكنة ، وتدليلا على أن الأمر يسير قريب إذا صدقت له النيات وصحت العزائم .
وأما الأستاذ فريد فقد غلبت فى مقاله فكرة الدولة العربية الواحدة ؛ وليس هذا الذى يعنيه دعاة الحلف العربى أو الجامعة العربية ؛ فان خيرا لتعاون العرب وتآلفهم أن يستقل كل قطر بأموره الخاصة ، ويدير أحواله الداخلية كما يشاء وكما تقتضى طبيعته وبيئته ، وأن يكون بين الامم العربية بعد هذا قدر من المشاركة فى الأمور العامة والأحوال التى لا تخص إقيلما منها . وقد قال الأستاذ :
" الطبيعى أن يكون تفكير الشعوب العربية فى الحلف بينها مستعدا من فكرة اتحاد الشعوب التى كانت متفرقة فى وقت من الأوقات ؛ وذكر الشعوب الإيطالية والألمانية والأمريكية ، والبوجوسلاف واليونان . وليس يهمنا أن يكون بعض العرب استمد فكرته من حوادث الشعوب أولا ؛ فان للعربى من مواقع بلاد العرب وتاريخها وأواصرها ما يوحى إليه التحالف والتآلف والتوحد ، دون حاجة إلي تقبل الشعوب الأخرى . وقد شغلت بأمور العرب كثيرا وكتبت فيها وتكلمت ، وما خطر لي قط التشبه بشعب من هذه الشعوب . وربما يكون اتحاد العرب الذى يدعون إليه على شاكلة لم يسبقوا إليها ، وأسلوب لا تعرفه شعوب الأرض الحاضرة ؛ فانما ينبغى أن نستعد تاريخنا ونستجيب لحاجاتنا ، ليكون اتحادنا طبيعيا لا شبة فيه من التقليد والصنعة .
ولا أتعرض لقول الأستاذ : " هناك طريقان لإيجاد مثل هذه الروابط : الطريق الأول هو أن تسعى الشعوب العربية بنفسها للاتحاد بغير تدخل دولة أخرى . . . والطريق الآخر لاحداث الاجتماع بين الشعوب المتجانسة هو أن يتم توحيدها تحت ظل دولة قوية تعمل على ذلك التوحيد " . ولكنى أدعو العرب إلى أن يأتمروا فيما بينهم ، ويسلكوا أقرب الطرق إلى مقاصدهم ، متعاونين مع غيرهم او غير متعاونين . وأن يسيروا إلى غايتهم ، غير مبالين بمن كره أو رضى ، باسطين أيديهم بالسلم والمودة لكل مسالم مواد . فان الأمم التى يقف بها التردد ، وننتظر أن يعيد لها الطريق حتى تسير فى سبيل ممهدة مطروقة آمنة لا تستحق المجد الذى تصبو إليه ، ولا تبلغ الغاية التى ترجوها ؛ وإنما السبيل أن تشق الأمة بآرائها ومعارفها وأخلاقها وعزائها طريقها بين الخطوب ، ماضية قدما إلى مقاصدها .
وبعد ، فالذى ندعو إليه دعوة عاجلة أن يجتمع او الرأى من العرب ، ويجمعوا على أمر جامع يجعلونه منهاجا قوميا وميثاقا عربيا ، ويعلنونه إلى الناس أجمعين ، ثم يعرفون الوسائل ويبينون الطريق ، ويدعون إلى العمل على مر الزمان ، لتتلقى الأمة العربية هذا المنهاج وذاك الميثاق ميراثا تحرص عليه وتعمل به " ، وتنهز الفرص لبلوغه ، حتى يوفوا على الغاية المرجوة . وليس تحالف العرب أو توحدهم عسيرا ولا بدعا ، فقد اجتمعت البلاد العربية كلها حقبة طويلة فى عهد الأمويين والعباسيين مع امتداد سلطان الدولتين على بلاد أخرى واسعة شغلتها عن العناية بالبلاد العربية كل العناية . وقد اجتمعت البلاد العربية وحدها إلا العراق فى سلطان الدولة الفاطمية . وإن العرب لأقدر فى هذا العصر وأجدر أن يتعاونوا ويتحالفوا ويتوحدوا بما خلق الزمان من معارف ووسائل لم يظفر بها سلفهم .
وما أهون كل صعب وأقرب كل بعيد ، إذا توسل إليه العرب بعزتهم ، وحريتهم ، وهممهم ، وتاريخهم ، ومجدهم ؛ والله يهدينا إلى التى هى أقوم ، ويهيىء لنا من أمرنا رشدا .
