لقد تحقق من دراسة العلماء الباحثين أن فكرة استخدام الحمام ظهرت منذ وجود البشرية على وجه البسيطة. واستنتج العالم الإنكليزي (داروين) أن المصريين القدماء استخدموا الحمام قبل الأسرة الفرعونية الخامسة. ويذكر (هوميروس) أن اليونانيين كانوا معروفين بتربية الحمام منذ العصور الغابرة، كما استفاد الرومان من هذه الوسيلة أثناء استيلائهم على بلاد اليونان ويشير المؤلف نفسه إلىأن استخدام الحمام عم في الهند حوالي سنة ١٦٠٠م.
وأول إشارة وردت في الكتب المقدسة عن استخدام الحمام هو ما جاء في التوارة، فقد أطلق النبي نوح عليه السلام حماماً من سفينته أثناء الطوفان ليستدل به عما إذا كان الماء قد غيض. . ويشير أبو سفيان الثوري إلى ما ورد في القرآن حول كلمة (المؤتفكات) إلى أنها مدن جرت بينها المخابرة بالحمام الزاجل قبل الميلاد بألفي (راجع نجيب عاصم: كوجرجين بوسته سي (في اللغة التركية) ص١١).
وقد قام الحمام الزاجل في العهود الغابرة بوظيفتي البريد والتلغراف. ويقال أن أول عهده بهذه الوظيفة كان في سنة ٧٨٦ ق م بأثينا ؛ فقد أحضر أحد اليونانيين حمامة من جزيرة (أوجين) وبعد أن حضر مسابقة في الألعاب كانت له الغلبة فيها أرسل هذه الحمامة إلى أهله لتحمل إليهم خبر فوزه، فأحدثت هذه الرسالة فكرة استخدام الحمام في المواصلات البريدية ثم انتشرت هذه الفكرة في أكثر بلاد العالم (عبد الغني غنام: الحمام وتربيته ص٨) ولما أن بزغ فجر الإسلام أدخلت تحسينات كبيرة في طريقة ستخدام الحمام الزاجل حتى امتاز المسلمون في ذلك على سائر
الأمم. ولقد قيل أهم كانوا يستخدمونه في المواصلات البريدية وخاصة خلال الحركات العسكرية بدرجة لم يبلغها الأوربيون في استخدامهم الحمام في الحروب الحاضرة (سياح كوكرج جينلر (في اللغة التركية) ص١٤)
وقد أجمع المؤرخون - كما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ- على أن المسلمين كانوا أول من استخدام الزاجل في الرسائل في القرن الثاني للهجرة.
ويبحث المؤرخ التركي عبد العزيز قره جلبي في كتابه المشهور (روضة الأبرار) عن استخدام الخليفة المتقي بالله في سنة ٣٢٣هـ الحمام الزاجل في بغداد ؛ فقد أرسل هذا الخليفة خطاباً بواسطة الحمام إلى الأمير المصري آقشيد يدعوه إلى معاونته على الأمير توزك ويبحث المؤرخ نفسه في حوادث ٣٧٢هـ عن استخدام الحمام في أغراض غير الرسالة)(١).
ورأى صاحب (التعريف) أن الزاجل نشأ في الموصل بالعراق وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى أقردوا له ديواناً وجرائد بأنساب الحمام. وللقاضي محي الدين بن عبدالظاهر في ذلك كتاب سماه بـ (تمائم الحمام) .
وأما أول من نقله من الموصل فهو الشهيد نور الدين بن محمود زنكي سنة ٥٦٥هـ ففي هذه السنة اتخذ نور الدين بالشام الحمام الهواوي وهي التي يقال لها المناسيب وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها، وجعلها في جميع بلاده فساعدته كثيراً في حروبه أيام الفرنج (عبد الغني غنام: نفس المرجع ص ١١ وص ٨٥)(٢) والواقع أن السيد خليل داهري من مؤلفي القرن الثاني يحدثنا عن الأبراج التي شيدت في نقل الرسائل فصارت مدينة الموصل حينذاك مركزاً هاماً لشبكة واسعة من دوائر المراسلات. وكان نور الدين بن محمود قد وسع هذه الشبكة داخل البلاد التي فتحها لتلقى الأخبار في أسرع وقت ممكن، فأمر بتشييد الأبراج المسماه ؛(البريد) في مصر وسوريا بأن لا تزيد المسافة بين كل برجين عن أثنى عشر ميلاً. وقد عين في هذه الأبراج حراساً يراقبون
حركات الحمام طيلة الليل والنهار، وخصص من الخزينة المبالغ الكافية لإدارة شئون هذه التشكيلات. (نجيب عاصم: المرجع السابق ص ١٨).
وفي سنة ٦٢٣هـ قام الخليفة العباسي (أحمد) بتأسيس شبكة أقوى وأحسن مما أسسه نور الدين كما سبق ذكره.
ومما يذكر في هذا الصدد أن أمير الجيش الإسلامي فخر الدين أعلن في سنة ٦٤٨هـ حادثة سقوط مدينة دمياط من جانب (سن لويس) ملك فرنسا بحمام أرسله إلى السلطان صالح نعيم الدين.
ويذكر (جو واتويل) الكاتب الخاص لـــ (سن لويس) أن المسلمين أبلغوا خبر ورود الصليبيين إلى بلاد السودان ثلاث مرات بالحمام الزاجل.
ويذكر صاحب كتاب (حمائل الحمامات) أن الرسائل كانت تحرر في ورق حريري خاص يسمى بورق الطير وتوضع في قوارير ذهبية خفيفة تعلق في عنق الحمام أو في ذيله وأحياناً كانت تربط بجناحيه، ويكتب في الورقة تاريخ يوم الإرسال وساعة حركة الحمام. وقد جرت العادة أن تكتب في أول الرسالة عبارة (الحمد لله) وفي آخرها (والله نكتفي) .
وكانت المخابرات تجرى بين البلاد حينذاك كما يلي: - بين القاهرة والإسكندرية، ودمياط، وغزة؛ - وبين غزة والقدس، والصفد، والشام؛ - وبين الشام وبعلبك، وحلب، وطرابلس الشام؛ - وبين حلب وبهسني.
وقد اعتادوا قديماً على إرسال نسخة ثانية من الرسالة تكون طبقاً لصورة الأصل وذلك لإزالة الخوف الناشئ من ضياع الأصل في الطريق.
وعند وصول الحمام إلىمحله يقوم الموظف المختص بقراءة الرسالة ووضع تاريخ يوم وصولها والساعة التي استلمها فيها.
وشاع استخدام الحمام في الحروب الصليبية؛ ففي سنة ٤٩٢هـ حينما حاصر الصليبيون مدينة القدس، قام القائد العربي في موضع (حصار) الوقع بين القدس وإنطاكية، بإبلاغ خبر تسليم المدينة بواسطة الحمام. وصادف أن وقعت حمامة بالقرب من (عكا) بيد الصليبين وفي عنقها رسالة فيها تفاصيل الحركات الحربية لدى المسلمين فاطلع الفرنج على أسرارها؛ وكان لهذه الواقعة أسوأ
الأثر في نفوس المسلمين. وكذلك استخدام السلطان صلاح الدين الأيوبي الحمام في أر سال التعاليم اللازمة إلى المحصورين في عكا فشيد برجاً في جبل (خروبة) للاتصال بهم، فكانت الاتصالات قوية حسب المرام مدة حولين كاملين (٥٨٤ - ٥٨٧هـ) (نجيب عاصم: نفس المرجع، ص ٢٠).
ولقد أساء بعض الزعماء العابثين والرؤساء المفسدين في القيام باستخدام الحمام في أغراضهم الخاصة للوصول به إلى غايات شخصية بحت. ومن بين الوقائع غير المشروعة ما قام به (حسن بن صباح) رئيس الجمعية الحشيشية بالاستفادة من الحمام الزاجل في تحقيق الأغراض التي من أجلها أنشئت الجمعية. وفي سنة ٥٩٥هـ تولى رئاسة هذه الجمعية (رشيد الدين سنان) الذي تمكن من تأسيس إمارة في سوريا باستخدام الحمام بصورة سرية وتزويد الأهلين بالوقائع التي تحدث في البلاد النائية قبل وصول أخبارها إلى الناس فكان بذلك يعتبر نفسه شيخاً كريماً وإماماً جليلا يرشد الناس إلىالخير ويأمرهم بإتباع طريقته.
وكان (عبد الله بن ميمون) رئيس مذهب الإسماعيلية يتنبأ بالحوادث قبل سماع الناس لها، باستخدامه الحمام الزاجل فكون له مركزاً ممتازاً بين أفراد حاشيته (نجيب عاصم: المرجع السابق ص ٢١).
ويذكر الأستاذ محمد كرد علي في مقال نشره في مجلة المقتطف (ديسمبر سنة ١٩٠٢) أنه منذ سنة ١٨٥٠ - ١٨٦٠ بطل ستعمال الزاجل بين الإسكندرونة وحلب لأن بعض لصوص الأكراد أطالوا يد التعدي عليها وقتلوا أكثرها. ويشير إلى أن بعض المؤرخين ذكروا أن الدولة العثمانية أبطلت استعمال الزاجل في أواخر القرن الحادي عشر بعد أن لبث زمناً مستعملا في بلادها فكان العثمانيون أبرع الناس في تربية الزاجل. . . بيد أننا لم نجد في كتب التواريخ العثمانية إشارة إلىأن الدولة العثمانية قد استخدمت الحمام في شئون الرسالة. ولا نقول بهذا جزافاً فإن العالم التركي المعروف نجيب عاصم يؤيدنا في كتابه السالف الذكر. فلا ندري من أين أتى الأستاذ محمد كرد علي بتلك المعلومات وما هي المصادر التركية التي اعتمد عليها في ذلك!

