عناصر البحث : الحياة وهل نشأت بطريق الصدفة - الحياة كظاهرة طبيعية - فاء السكون وموته الحرارى
يذكر السير جيمس جنيز قولا ينسبه إلى هكسلى ، وهو (( إنك إذا تركت ستة قرود تضرب بأصابعها على آلة كاتبة دون قصد أو تفكير مدى ملايين الملايين من السنين ، فإنها فى النهاية تكون قد كتبت كل كتب المتحف البريطانى ؛ فلو جئنا بآخر صفحة كتبها أحد تلك القردة ، حينما كان يضرب بأصابعه الآلة الكاتبة على غير هدى ، ووجدناه قد كتب مصادفة إحدى أغنيات شكسبير ، لحق لنا أن نرى فى هذه الحادثة مصادفة عجيبة ؛ ولكننا إذا فحصنا عن جميع ملايين الصفحات التى كتبتها القردة فى ملايين السنين التى يخطئها الحصر ، فإننا لا شك واجدون فيها أغنية لشيكسبير جاءت بها المصادفة العمياء )) (١) .
هكذا نشأت الحياة بطريق الصدفة ، فقد ترتبت بعض الذرات الكيميائية العادية الموجودة فى الكون بطريق المصادقة بالترتيب الذى توجد به الآن فى المادة الحية ، فكما كان لا بد للقردة الستة مع طول الزمن أن تسطر يوما إحدى أغانى شيكسبير ، كان لا بد للذرات أن تترتب بهذا الشكل الخاص ، لتنتج مادة حية . هذا ما يراه العلماء الثقات . وهنا يحق لنا أن نتساءل : هل المادة الحية عبارة عن مجموع الذرات العادية فحسب مرتبة بشكل خاص ، أو هى كذلك مضافا إليها شىء اسمه الحياة ؟ أعنى هل الحياة شىء منفصل عن هذه الذرات ، أو هى ظاهرة طبيعية لهذه الذرات مرتبة على هذا النمط الخاص ؟ فأما أن المادة الحية تختلف عن المادة التى لا حياة فيها اختلافا يدل على وجود عناصر كيميائية جديدة لا توجد فى الثانية ، فهذا ما لا يمكن القول به ولا يقوم عليه أى دليل . فلم يبق إذن إلا أن نعتقد أن الحياة ظاهرة طبيعية كظاهرة المغنطيسية والإشعاع سواء بسواء . تبدو المغنطيسية أوضح ما تكون فى الحديد الذى يدور فى ذرته ٢٧ ألكترونا ، ويبدو بدرجة أقل فى
النيكل الذى عدد ألكترونات ذرته ٢٦ وفى الكوبلت الذى عدد ألكترونات ذرته ٢٨. ويبدو النشاط الإشعاعى فى العناصر التى لذراتها من ٨٣ إلى ٩٢ ألكترونات ، وهى من البينزموت إلى الإيرانيوم ، ولا تبدو فى غيرها ؛ فعلى هذا الأساس ، وقياسا على ذلك يمكن أن نعد الحياة ظاهرة طبيعية تظهر عند اتحاد ذرة الكربون المكونة من ستة ألكترونات بغيرها من الذرات التى تكون المادة الحية .
على أننا إذا سلمنا بذلك ، فهل نستطيع إذن ابتداء من مادة عديمة الحياة أن نحصل على مادة حية ؟ هل يستطيع كيماوى ماهر أن يوجد لنا حياة باستعمال عدد معين من الذرات ؟ وهل يمكننا تفسير الظواهر الحيوية على أسس طبيعية وكيميائية ؟ لقد نجح ((ايب)) ومعاصروه فى تعهد بويضة لم تلقح بحيث نتج منها كائن له قلب ومعدة وهيكل عظمى ، ولكن تنقصه الدورة الدموية ؛ كائن استطاع أن بعيش على هذه الأرض شهرا من الزمان ، ولكنه لم يستطع إحداث ذلك بالاستغناء عن البويضة نفسها . ولكن هذا لا يمكن أن يعنى استحالة الوصول إلى ذلك فى مستقبل الأيام ، فذلك قد يكون . وقد استطاعوا أيضا أن يفسروا بعض ظواهر الحياة مثل اتجاه الفراشة نحو الضوء فى خط مستقيم بظواهر كيميائية ضوئية . (١)
أعرض الآن لمسألة فناء الكون الحرارى ، وانعدام الحياة تبعا لذلك الموت الحرارى . فأولا نجح ((ليتر)) فى إرجاع الحركة والحرارة إلى أصل واحد ، وأصبحت هذه حقيقة لا تقبل جدلا ، فقد ثبت ثبوتا قاطعا عدم فناء الطاقة ، ويذكر الذين درسوا فى كليتى الهندسة أو العلوم التجربة المشهورة التى بها ترفع طاقة ميكانيكية معينة يمكن قياسها حرارة مسعر، وتنقل إليه كمية معينة من الحرارة تتناسب مع الطاقة الميكانيكية المستخدمة ؛ وهذه النسبة هى المعروفة (( بمعامل جول )) . فالحرارة إذن مظهر من مظاهر الشغل
الميكانيكى ، فهى إذن تتناسب مع طاقة الجزئيات. ومن ذلك يستدل ليتر على أن الحرارة هى مجموع طاقة مصادمات الجزيئات الداخلية . ومعنى هذا أن للجسم حرارة معينة أى لجزيئاته سرعة معينة . وهذه السرعة للجزئيات ليست متساوية تماما، فمنها ما هو سريع ، ومنها ما هو بطىء ، لكن ثمة متوسطا عاما لسرعة جميع الجزئيات ، وذلك المتوسط العام هو الذى يدل على درجة حرارة الجسم .
وأنت إذا وضعت يدك على جسم ساخن ، فإن الحرارة تنتقل من الجسم الساخن إلى يدك ، ولا تنتقل من يدك إلى الجسم الساخن رغم أن يدك تحوى حرارة يمكن أن تنتقل إلى الجسم الساخن لتزيد حرارته وتقل حرارة يدك ؛ وإذا وضعت جسما ساخنا فى الماء فإن الجسم لا يزداد حرارة ويزداد الماء برودة ، ولكن الذى يحدث دائما أن انتقال الحرارة يكون من جسم حار لأقل منه حرارة ، ولا يمكن أن يحدث العكس . هذا هو المبدأ الثانى للترموديناميكا الذى يحتم انتقال الحرارة من جسم مرتفع الدرجة إلى جسم خفيفها ، ويقرر أن (( العمليات الحرارية تتم جميعها فى الكون على طريقة التوزيع المتساوى لكل الكميات الحرارية المستعملة )) .
ويفسر (( بولتزمان )) هذا المبدأ بأنه عندما يتلاصق جسمان حرارتهما مختلفة ، فإن جزيئاتهما تتصادم وتختلف . ومن الجائز أن يصطدم جزىء بطىء مع آخر سريع ، فينقل إليه سرعته الخاصة به . ولكن هذا نادر جدا ؛ والأكثر منه أن تحدث مصادمات تتساوى بها سرعة الجزيئات على قدر الإمكان . وهكذا تكون نتيجة التلاصق نزولا حتميا فى حرارة الجسم الحار وارتفاعا حتميا فى حرارة الجسم البارد .
ومن هذا المبدأ البسيط - المبدأ الثانى للترموديناميكا - نصل إلى نتائج فى غاية الأهمية ؛ فإنه عندما تتوزع الطاقة الكلية للكون توزيعا متساويا - تطبيقا لذلك المبدأ - تصبح حرارة المادة المكونة لأجزاء الكون المختلفة
متساوية ؛ ونظرا لأن ما فى الكون من مادة ضئيل جدا بالنسبة لمجموع الحيز ، فإن هذه الحرارة تكون من الانخفاض بحيث لا تسمح لأى نوع من أنواع الحياة بالبقاء ، أى أن الحياة تنعدم على ظهر البسيطة على الأقل على الصورة التى نفهمها الآن من الحياة ، وكذا تنعدم الحركة (١) ، وهذا هو ما يسمونه بالموت الحرارى للكون .
على أن هذا لا يعنى ولا يمكن أن يعنى أن الحركة لا تستأنف بعد ذلك من جديد بعوامل لا تعرف ، تمت إلى الأصل فى معرفة الخليقة ووجود الكون .
ولعل خير مثال يفسر ذلك هو الذى ضربه العلامة الدكتور غالى ، إذ شبه هذه الحالة بعصا تقف رأسية ، فإننا نعلم - ونحن أشبه بنملة على هذه العصا - أنها لابد واقعة على الأرض ، ولكن يجوز أن يكون هنالك شخص يراقب هذه العصا فيعيدها رأسية إذا وقعت أو قبل أن تقع ؛ فوقوع العصا نتيجة حتمية لقانون الجاذبية ، كما أن موت الكون الحرارى نتيجة حتمية للمبدأ الثانى فى الترموديناميكا، ولكن هناك قوة تستطيع أن تعيد الكون إلى حاله قبل أن يحدث ذلك الموت الحرارى فيستأنف الحركة من جديد ، كما تعيد القوة الخارجة العصا إلى وضعها الأول من جديد . ( . . . . )

