قرأت في " الثقافة " الغراء مقالا عن ( الموت في الأدب العربي ) للأستاذ جمال الدين الرمادي ، فما دريت أي باعث حملني على الكتابة في ( الحياة في الشعر العربي ) لعلها دعوة الحياة أهابت بي أن أدع الأكفان لأبحث في أبواب الحياة ، ولعلها تداعى المعاني التي ذكرتني بالضد حين يذكر ضده ، فذكرتني بالحياة حين ذكر أمامها الموت ؛ أو لعلها حاجة ملحة في النفس قامت لترى كيف رأى شعراؤنا الحياة ، وكيف تصوروها ، وكيف استجابوا لدواعيها بما يتفق مع تصورهم لفكرتها .
وأما ما كان الباعث الذي دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع ، فلا أزعم أنى أحطت بأقوال شعرائنا جميعا في الحياة ، ولا أدعي أنني ألممت بكل شاعر عربي عالج موضوع الحياة في شعره ، ولكن الذي أجزم به أنني عشت مع جماعة من شعراء الأدب العربي ساعة من نهار أو ساعة من ليل ، فعرفت في الحياة رأيهم واستطلعت طلعهم . وهأنذا أعرضه على القراء الكرام ، فإن من ألذ الساعات أن تقضي مع الشعراء بعض الوقت لتعرف - بعد جولة قصيرة معهم - كيف كانت الحياة في نظرهم ؟ وكيف وصفوها عن خبرة وإحساس وتجربة ذاتية ، وهل ضاقوا بها فما وسعوها ؛ وهي التي تتسع لكل شئ وكل حى .
وأول ما نلاحظه عند كثير من شعرائنا هو تلك النظرة المشتملة علي غير قليل من السأم والتعب والملل من الحياة . حتى هؤلاء الشعراء الذين أتوا الزمان في شبيته . فهذا الشاعري ( زهبر بن أبي سلمى ) الجاهلي يسأم الحياة ، أو يسأم على الأصح طول الحياة ؛ فيقول :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين عاماً لا أبالك يسأم
وواضح أن السأم هنا من طول الحياة وطول العيش
الذي قد يضر بالمرء حتى تفنى بشاشته ، ويبقى له بعد حلو العيش مره . . . وتسوؤه الأيام حتى لا يعود يرى فيها شيئاً يسره ؛ كما يقول شاعر جاهلي آخر . . ولم يكن ( زهير ) هو الوحيد بين الشعراء الذين سئموا طول الحياة ؟ فهذا ( لبيد ) الجاهلي يقول :
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس : كيف لبيد ؟
ولعل فكرة الموت أو حادث الموت الذي لا شك فيه ، هو الذي سخر من شأن الحياة عند الشعراء ، لان هذه الفترة التى يحبون فيها - طالت أم قصرت - ستنتهي إلى رقدة أبدية وضجعة يستريح الجسم فيها بعد عيش كان مثل السهاد . . ولهذا نرى الذين يكرهون الحياة يدخلون إلى هذه الكراهية من باب الموت الكريه الدين تخافه النفوس ، ولكنها لا تجد منه مفرا ، فهذا أبو نواس يقول في القرن الثاني من الهجرة ؛
وما المرء إلا هالك وابن هالك
وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن "الدنيا" لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
ويظهر أن هذه الفكرة أعجبت الشاعر ابن الرومي ،
فأخذها وصاغها في أبيات من البحر والقافية نفسها قائلاً :
وما تعدم " الدنيا " الدنية أهلها
شواظ حريق أو دخان حريق
يجرع فيها هالك فقد هالك
فيشجى فريق بينهم بفريق
فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها
قراراً ، فما دنياك غير طريق
ووصف ابن الرومي الحياة الدنيا بالدنية يذكرنا بقول الشاعر :
يا طالب الدنيا الدنية إنها
دار الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها
ابكت غداً تباً لها من دار !
ونفس ابن الرومي تصفة الفرار عن الدنيا يذكرنا يقول " التهامي الشاعر " :
حكم المنية في السبرية جاري
ما هذه الدنيا بدار قرار
ولعلنا لا نصادف في الشعر العربي كراهية للحياة وسخطا عليها ، وضيقاً بها ، كما نجد عند " أبي العلاء المعري " فهو يؤكد لنا متاعها . ويبدي عجبه ممن يرغب في الزيادة في العمر بقوله :
تعب كلها الحياة فما أعـ
ـجب إلا من راغب في ازدياد
وإذا كانت فرحة الميلاد تبشرنا باستقبال الحياة ، فإن الموت الكريه يزيد على الفرحة بالحياة ، ومن هنا كان الحزن في ساعة الموت أضعاف السرور في ساعة الميلاد :
إن حزنا في ساعة الموت أضعا
ف سرور في ساعة الميلاد
ولهذه الفجعة الأليمة ، فجمعة الموت ، يرى أبو العلاء المعري أن الدعاء له بالحياة دعاء عليه ، ولو كان الأمر له ما بقي في الحياة باختياره ؛ ولعل هذه الأمنية بالتخلص من الحياة هي فرار من تعبها من ناحية ، أو تشوق لما وراء الموت من ناحية اخرى . ولكنه على كل حال يرى الرغبة في الحياة جهلا ، كما يرى فقد الحياة حظا في قوله :
رغبنا في الحياة لفرط جهل
وفقد حياتنا حظ رغيب
وكثيراً ما كان يتمنى أبو العلاء المعري الموت ؛ فإذا قرأنا لشاعر قوله :
ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه
ذكرنا للمعري قوله :
من باعني محياني ميتة سرحاً
بايعته ، وأهان الله من ندما ! !
فهو غير آسف على هذه الصفقة ، بل لقد همت نفسه بالتخلص من الحياة لو أنه أمن التبعة واطمأن إلى المصير . . فنراه يقول نثراً في كتابه : " الفصول والغايات " ( لو أمنت التبعة ، لجاز أن أمسك عن الطعام والشراب ، حتى أخلص من ضنك الحياة ، ولكن أرهب غوائل السبيل ) . وهذه الرهبة التي منحت أبا العلاء المعري من تنفيذ الرغبة ، هي التى قال عنها شاعر النيل " حافظ إبراهيم " :
سلام على الدنيا سلام مودع
رأي في ظلام الغير انساً ومغنما
أضرت به الأولى فهام بأختها
فإن ساعت الأخري قوبلاه منهما !
ففوائل السبيل عند المعري ، وسوء الآخرة والمصير عند حافظ إبراهيم هي التي منعت الشاعرين من الإقدام على التخلص من الحياة . .
ولم يكن حافظ إبراهيم وحده في شعراء عصرنا هو الذي تمني الموت وهم به فراراً من الحياة . فهذا الشاعر " عبد الرحمن شكري " أطال الله عمره في ظل العافية - يحن بالعيش طوراً ثم يبغضه طوراً ، فلا يجد له منفذاً من تلك الحيرة النفسية إلا فقدان الحياة ، فيقول :
ما من مجير على هذا الملال سوى
موت يبعد بين النفس والعلل
لو كان لي حيلة أفني بها مللي
من الحياة لما قصرت في الحيل . .
وقد قال " شكري هذا الشعر من سبعة وثلاثين عاما ، ولا يزال إلى اليوم بحمد الله يتمتع بالحياة التى كان يشكو منها ! ولعل السر في ذلك أن عبد الرحمن شكري في الفترة التى يرم بها بالحياة ، وفي الديوان نفسه الذي نشر فيه حيرته بين اليأس والأمل ، عاد في قصيدة أخرى بعنوان " الإيمان بالحياة " يقول :
لي في " الحياة " اعتقاد لا فناء له
الكون يعلنه والفكر يوضح لي
لا ترجمونا بيأس في مقالكم
فاليأس أقبح ما ينعى على الرجل
أعاظم الناس في اللأواء كم صبروا
إن العظيم عظيم السعي والأمل . .
وأغلب الظن عندي أن اليأس من " الحياة " موجة تصاب بها بعض النفوس ، أو بعض العصور ، كما تهب موجة من الحر أو موجة من البرد فلا يسلم كثيرون من أذاها . ولقد هبت هذه الموجه اليائسة السئوم من " الحياة في أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، فترى أن شاعراً من المجددين ، وهو " إسماعيل باشا صبري " . يكتب لنا " وصفة " تريحنا إن سئمنا من الحياة ؛ ويصف لنا راحة القبر بأنها عودة الإنسان الغريب سالما إلى التراب . . ويقول في ذلك :
إن سئمت " الحياة " فارجع إلي الأر
ض تنم آمناً من الأوصاب
تلك أم احنى عليك من الأم
التي خلفتك للأتعاب
لا تحف ؛ فالممات ليس بماح
منك إلا ما تشتكي من عذاب
وحياة المرء اغتراب . . فإن ما
ت فقد عاد سالماً للتراب . .
وإذا كنا نجد في تمني الشاعر حافظ إبراهيم للموت ما يسوغه من سوء عيشه ، وحظه بعد خروجه أو إخراجه من وظيفته في الجيش ، وضيقه بالحياة ، فكيف نستسيغ من الشاعر صبري الذي لم يبخل عليه الوجود بالجدة في الرزق أن يقول مثل الكلام !!
على أن ضيق الرزق وسوء الحظ ونكد الطالع في الحياة لا يحمل المنكودين على أن يضيقوا بها ويتخلصوا منها ؛ فما هى إلا ساعات من الشدة تجيء ثم تذهب ، وعاصفة تمر ثم تنجلي ؛ فإن " الحياة " في ذاتها أعلى قدرا من أن تقاس بلقمة من الزاد أو جرعة من الماء ؛ ولهذا نجد الشاعر الأديب المترجم النابغة الدكتور " لويس صابونجى " - في أخريات القرن العشرين - يثير كوامن الحس فيه أن يلجأ طبيب إنجليزي إلى الانتحار على ظهر باخرة سنة ١٨٩٣ ، فيتخذ من هذه
الحادثة موضوعا للرد على من تهون " الحياة " عندهم إلى هذا الحد قائلا :
من الناس من يئسو "الحياة" ويشتكي
من الدهر عيشاً لا يطيب نعيمه
إذا ضاق عقل المرء ضاقت حياته
وأقعده ما كان ليس بقيمه
يرى الشوك في أرض ويخفاه وردها
ويزعم أن الكون طرا غريمه .
فلو كان يدري ما "الحياة" وقدرها
لطاب له العمر الرقيق نسيمه . .
والحق أنه ليس هناك ما يسوغ التبرم بالحياة ؛ فإنها جميلة في ذاتها ؛ ولكننا نقيسها دائما بمقاييس أغراضنا ، وننظر إليها بمنظار مصالحنا . فالحياة لا تختلف في ذاتها ، ولكن عيوننا هي التي تختلف ؛ فإذا نظرت إلي الحياة خلال البياض رأيت بياضاً ، وإذا نظرت إليها خلال السواد رأيت سواداً ، مع أن المرئى واحد في الحالتين . . ولعل شاعراً عربياً لم يوفق إلي التعبير عن ذلك كما وفق المرحوم الشاعر " خليل شيبوب " الذي فقدناه من أيام . . فهو يقول من قصيدة بعنوان ( النور والحياة ) :
أحب الضحى وأحب المساء
وأهوى الظلام , وأهوى الضياء
ووقتا ترفرف روحي فيه
ينازعني من بقائي البقاء . .
معاني ( الحياة ) كأوقاتها
فما سر سر ؛ وما سئ ساء
وإن ( الحياة ) لتقضى كذلك
طوراً ظلاماً ، وطوراً ضياء
وما اختلفت غير كعين تراها
شقاء وعين تراها هناء
وما النور إلا ( الحياة ) فهذا
رآه صباحاً . . وذاك مساء
واختلاف الأنظار إلى مرائى الحياة ، هو بعينه اختلاف أحوال النفس إلى مرائى الكون . . . ذلك الاختلاف الذى
عبر عنه الشاعر ( سيد قطب ) بقوله :
فهي النفس حين تصفو تراها
خلعت صفوها على الأكوان
وهي النفس حين تغير يبدو
كل ضوء أمامهما كالدخان . .
على أن الشاعر ( جميل صدقى الزهاوى ) قد رأى أن :
الموت يهزأ بالحياة والقبر يبعث بالرفات
ورأى أن ( الحياة ) خليفة بالذم ، لأنها ( لم تخل يوماً من أذاة ) ، ومع ذلك فهي لا تخلو من بعض المتاع والسعيد من اغتنم لذاتها قبل الفوات :
ليس الحياة سوى وعي
قد طبقت كل الجهات
حرب تأجج نارها
والقائدون من الدهاة
ما فاز بالظفر امرؤ
في الحرب إلا بالثبات
متع حياتك واغتنم
لذاتها قبل الفوات
وإذا كان ( الشاعر الزهاوي ) قد رأى ( الحياة ) ساحة حرب وميدان وفي يزدحم بالدهاة من القواد ، فإن الشاعر ( عباس محمود العقاد ) يراها بحراً يجيش بالماضي والآتي ، والإنسان يسبح في هذا البحر منذ مولده سياحة تدنيه مما يخشاه ويتحاشاه ، فتراه يقول من قصيدة بعنوان ( البحر والحياة ) :
يا بحر : أذكرتني بحر ( الحياة ) وما
يجيش ما بين ماضيه وآنيه
والمرء يسبح فيه منذ مولده
سبحاً يقربه مما يحاشية
وكم تمنى به الخيرات معجلة
فكان عادى المنايا في تميه
والعقاد فوق ذلك يرى - في أبيات أخرى - أن الحياة لا تكون حياة إلا بما فيها من نعيم وشقاء ، ولولا ذلك ما كانت سائغة ولا استحقت أن تسمى حياة ، ولعله يرده فى تهكم ساخر مرير على الدين يبطرون دائماً بالحياة ،
فلا يعجبهم منها العجب ، فيقول :
قالوا : ( الحياة ) قشور قلنا فأين الصميم ؟
قالوا : شقاء فقلنا نعم ! فأين النعيم ؟
إن الحياة حياة ففارقوا أو أقيموا . . !
ولعل شاعراً عربياً لم يفلسف الحياة كما فلسفها الشاعر ( أحمد شوقي ) ، فهي التي تحمل بالجسم المادى للإنسان أو الحيوان فلا يطول بهما العمر ولا يمتد البقاء ، وهي التي لا تحمل بالحجر الصلد أو الحديد الصلب فلا يدركهما الفناء ، ولا يلحق بهما البلى ؛ ولقد سلم " أبو الهول " من الحياة فطال عمر ولو أنها لبسته كما لبست الفراعنة الذين صنعوه وأقاموا ليلى كما بلوا :
أبا الهول ماذا وراء البقاء
إذا ما تطاول غير الضجر ؟
عحبت للقمان في حرصه
على ليد والنور الآخره
وشكوى لبيد لطول ( الحياة )
ولو لم تطل لنشكى القيصره
ولو وجدت فيك يا ابن الصفاة
لحقت بصانعك المقتدره
فإن الحياة تقل الحديد
إذا لبسته وتبل الحجر
وقد رأي " شوق " الحياة في صور كثيرة ، فه طوراً الحب ، كما في قوله :
الحياة الحب ، والحب الحياه
هي من سرحتها سر النواء
وهي طوراً مطبوعة من السم حين خانت امرأة زوجها فدست له السم :
طبعت من السم الحياة : طعامها
وشرابها ، وهواؤها المنتشق
والناس بين بطيئه وزعافه
لا يعلمون بأي سمها سقوا . .
وهي طوراً دقائق وثوان كما تدق بذلك ضربات القلب :
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثواني
البقية على الصفحة التالية
وهي طوراً جادة غير هازلة ، والناس حولها لاعبون ، وتجرب في الأغرار ولا يعلمون ، مثل الأرانب تحت مبضع العلماء الحربيين . .
فياويحهم ؛ هل أحسوا ( الحياة )
لقد لعبوا وهي لم تلعب
تجرب فيهم وما يعلمون
كتجرية الطب في الأرنب . .
سقتهم بسم جرى في الأصول
ورؤى الفروع ولم ينضب . .
ولكنها على الرغم من ذلك كله محبوبة لدينا ، لا نريد
مفارقتها ، ولا نود زوالها . .
حياة ما نريد لها زوالاً
ودنيا لا نود لها انتقالاً
هذه هي الحياة كما فهمها شعراؤنا ، وكما تصوروها ، أما سر الحياة نفسه ، وكيف جاءت إلى الأرض فدبت فيها
وحركت كائناتها ؛ فذلك هو اللغز المحير الذي نحاول حله فيقف بنا العجز عن بلوغ ما نريد ، وذلك هو السؤال المحير الذي يعبر عنه الشاعر " محمود غنيم " بقوله :
صاح إن ( الحياة ) لغز إذا ما
زدته بحثاً زادني إيهاما
ليت شعري ماذا تكون أحساً
أم خيالا ؟ ويقظه أم مناماً ؟
أم طريقاً إلى الفناء قصيراً
قد ركبنا لطيه الأياما ؟
حدثنا كيف ابتدأت على الأر
ض وحركت هذه الأجراما ؟
وأرينا من ظهرت عليها
وإلآم البقاء فيها إلاما ؟
الحق أنها أسئلة لا نجد لها الجواب إلا عند علام الغيوب . .

