ذكرنا فيما سبق تنظيم استخدام العمال ، ونذكر فيما يلى شيئا عن تنظيم استخدام المتعلمين ، وما ينشأ عن هذا التنظيم من تحسين لتخفيف البطالة بينهم .
ذكرنا أن العدد الكلي لمجموع المتعلمين في مصر ليس سببا في أزمة المتعلمين المتعطلين ، إنما ما يجب مراعاته في هذا الصدد هو أن يقترن الإقبال على التعليم بالتوازن بين العرض والطلب ، طبقا لكل ناحية من نواحي العمل على حدثها . فالعرض يقل عن الطلب بين متخرجي كلية الهندسة بالأقسام الميكانيكية والكهربا ؛ ويكاد يتقدم العرض بين خريجي الصيدلة وبعض أقسام كلية العلوم ، إذ أن المتخرجين منهم لا يكادون يسدون حاجة الوظائف الحكومية ، بينما يزيد العرض على الطلب بين خريجي
كليات الحقوق والآداب والزراعة والتجارة ؛ ويظهر بصورة واضحة بين الحاصلين على شهادة الدراسة الثانوية ويضطرون إلى التوقف عن مواصلة دراستهم . ومن الإنصاف ما دمنا نتكلم عن تنظيم استخدام المتعلمين أن نشير إلى ما يسبق هذا الاستخدام ، وهو وجوب استكمال إعداد جمهور المتعلمين إلى مزاولة العمل سواء في الحكومة أو في المنشآت الحرة
وقد سبق أن أحالت وزارة المالية في ٢٤ مارس سنة ١٩٣٨ إلى وزارة المعارف العمومية مذكرة قدمتها إليها ضمنها الملاحظات التى استخلصتها من بعض أرباب الأعمال عن الشبان المتعلمين المصريين ؛ وفي مقدمة هذه الملاحظات أن الكثيرين من المتعلمين المصريين لا يجيدون
إحدى اللغات الأجنبية أو الكتابة على الآلة الكاتبة أو الاختزال بإحدى اللغات الأجنبية
كما أوصى بعض رجال الأعمال أن يهتم خريجو المعاهد التجارية بالمحاسبة الصناعية والجداول الإحصائية ؛ وأن يهتم خريجو الزراعة بالصناعات الزراعية والمحاسبة الزراعية ؛ وأن يعني خريجو الفنون والصناعات بالرياضة والرسم والتمرين على وضع التصميمات باللغة الأجنبية ، ووجوب أن يستكمل جميع المتخرجين من المعاهد الفنية التمرين العملي عقب دراسهتم
كما أن الحرب الحالية استلزمت العناية بنوعين من التعليم الصناعي ، أولا : الصناعات التي تتصل بالحرب مباشرة ، والنوع الثاني : الصناعات التي كنا نعول علي استيرادها واضطررنا إلى إنتاجها محليا .
ومن الإنصاف أن نقرر أن كثيرا من الأسباب التي سبق الإشارة إليها لا يشترط أن تعالجه البرامج الدراسية ، لأن الاتجاه في تزويد الشبان بهذه المعلومات بعد تخرجهم ينتقل إلى المتخرجين أنفسهم ، وإلى مجهودهم الشخصي وخصوصا إذا أقبل ذوو الثقافة العالية من المصريين على إنشاء معاهد ليلية فنية غير حكومية ، أو قامت نوادي المتخرجين وجمعياتهم والإخصائيين من أعضاء هذه الجمعيات بتزويد الأعضاء جميعا بما يحتاجون إليه من معلومات فنية . إذا ما فرغنا من المرحلة التي تسبق استخدام المتعلمين وجب علينا بعد ذلك أن نواجه النواحي التي يتجه إليها هؤلاء المتعلمون عند ولوجهم باب الحياة العملية
لا تخرج هذه النواحي عن ثلاث وظائف - الحكومة - والقيام بأعمال حرة خاصه - ثم الاشتغال في المنشآت والشركات ولا تدري أمن حسن الحظ أم من سوء الحظ أن كانت وظائف الحكومة هي الهدف الأول للشبان
المتعلمين . ويرجع ذلك إلى أن الحكومة في مصر فضلا عن أنها مهيمنة على الإدارة وتصريف شئون البلاد فهي إلى حد ما منشأة زراعية وصناعية وتجارية في كثير من الأحيان
فمثلا تشرف الحكومة على مصلحة الأملاك الأميرية وعلى قسم البساتين ، وعلى المزارع النموذجية ، وعلى الأراضي الشاسعة التابعة لوزارة الأوقاف ، هذا عن الزراعة - وتشرف أيضا على المطبعة الأميرية والترسانة والورش الأميرية ، بل وتضم مصانع نموذجية ، هذا عن الصناعة - والحكومة تشرف على أكبر هيئة شبه تجارية وصناعية وهي مصلحة السكة الحديد والتلغرافات والتليفونات ، كما تشرف أيضا على البورصة وأسواق الغلال وأسواق الخضر ، هذا عن التجارة - ويضاف إلى ذلك اضطلاعها بالتعليم ابتداء من رياض الأطفال إلى التعليم الجامعي ، واضطلاعها بالناحية الصحية من العيادات الخارجية إلى المستشفيات الكبرى .
وأكثر هذه الأعمال نضطلع بها في البلاد الأخرى إما شركات وإما جمعيات وإما مجالس إقليمية . وهذا عدا الأعباء التي تستجد تبعا لتطور الحالة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في البلاد .
فإذن لا مفر لمن يريد أن يبحث وسائل الاستخدام أمام الشبان المصريين من أن يعمل حسابا للوظائف الحكومية - ووظائف الحكومة منافس خطر للأعمال الحرة فيجب كي نساعد على الاشتغال بالأعمال الحرة أن توجد التوازن والتناسق بين هذين الاتجاهين ، وما دمنا عاجزين عن أن نضطر اصحاب الأعمال إلى مجاراة الحكومة في نظمها وطرائق الاستخدام والترقية فيها ، فالحكمة تقضي بأن نجتهد في أن نكون من المرونة حتى نقرب ما بين وظائف
الحكومة ووظائف الشركات ، ولو أدى ذلك إلى إنشاء أو تعديل بعض النظم واللوائح ؛ لأنه بغير هذا الإجراء ستستمر الكثرة الساحقة من المتخرجين متطلعة إلى وظائف الحكومة مفضلة لها عما عداها ، وستوقف جهودها على انتهاز الفرص مهما طال الأمد للالتحاق بها ، فمنهم وهم القلة من يقضي وطره ، ومنهم وهم الأغلبية العظمى من ينتظر .
ومن الغريب أن هذا الوضع قد شعرت به الحكومة من قديم ، وكان الدافع لها حينذاك هو الرغبة في وضع نظام مستقر ثابت للاستخدام والترقية . فقد وجدت أثناء بحثي في هذا الموضوع ، عندما تقدمت بمذكرة في سنة ١٩٣٧ إلى اللجنة التي تشكلت في وزارة المالية لوضع لائحة استخدام ، أن مجلس الوزراء كان قد شكل لجنة في سنة ١٩١٧ لإعداد هذه اللائحة . واطلعت على تقرير مسهب للمستشار المالي الانجليزي عن مشروع تفصيلي لكيفية استخدام الموظفين في الحكومة .
والطريقة المثلى أن يكون الامتحان هو الوسيلة الوحيدة للتوظف فيما عدا الوظائف التي تتطلب استعدادا خاصا ، وأن يكون هذا الامتحان معدا في مواعيد سنوية ، وليكن عقب صدور المزانية والوقوف على الوظائف التي تتطلبها حاجة الدولة في العام الجديد ؛ وعلى أن يخصص كل فريق من حملة الشهادات لنوع من الوظائف يجتاز امتحانا خاصا به ويتناسب مع مؤهلاته والوظائف المراد شغلها ، حتى تنعدم المنافسة غير المشروعة بين حملة الشهادات العليا والمتوسطة . وحتي لا ينعدم التناسق الواجب الأخذ به بين مؤهلات من يقومون بوظائف متجانسه ، وحتي تتحدد الأهداف في وظائف الحكومة أمام حملة الشهادات ، ولا يخبطون في الحصول عليها خبط عشواء ، ولا يسيرون في البحث عنها على غير هدى ، فتتعدد أمامهم المسالك ويصبحون كالمنبت
لا أرضا قطع ولا طهرا أبقى . وبذلك يقل الضغط على التوظف في الحكومة في غير الميعاد المحدد ، ولغير الوظائف المطلوبة ، وبغير الوسيلة الوحيدة المقررة .
كذلك مما يتصل بهذا تنظيم الترقية في وظائف الحكومة . حقيقة إن حسن سير العمل يحتم في بعض الحالات مكافأة المجدين ؛ وعلى هذا تسير المنشآت الحرة والشركات ، إنما يجب أن يتم هذا في حدود نسبة عددية لموظفي كل هيئة تقرر في نظامها ترقية من يراد ترقيتهم لكفائاتهم دون مراعاة القواعد الموضوعة . أما من عدوا هذه النسبة فيطبق عليهم جميعا قواعد الترقية المعمول بها ، على أن يعني عناية كبرى بمجهود الموظف وتقارير رؤسائه المباشرين ، والأعمال البارزة التي قام بها ، وأن يكون ذلك كله محفوظا في ملفه " وأن تكون كل هذه الأسباب مجتمعة هي المرجع الأول والأخير في ترقيته ، وبذلك تشيع الطمأنينة والثقة في النفوس ، وتتوحد السبل بين طلاب الوظائف الحكومية وغير الحكومية
وقد أشرنا فيما سبق أن العناية بهذا الموضوع بدأت منذ أكثر من ربع قرن ، ولكن ربما كان الدافع إليها حينذاك الرغبة في تحسين الأداة الحكومية فقط ؛ إنما في هذه السنوات الأخيرة وجد عامل هام آخر وهو العامل الاجتماعي . وقد أوضحنا مدى تأثير نظم التوظف في الحكومة على التوظف في المنشآت والشركات وعلي البطالة بين المتعلمين ، بل وعلى الحياة الاجتماعية بصفة عامة .
الناحية الثانية ، عدا وظائف الحكومة ، هي أن يشتغل الشبان المتعلمون بأنفسهم في أعمال حرة فردية خاصة على أن تبذل لهم المعونة والإرشاد ، وهذا اتجاه لا يخلو من الفائدة ؛ غير أن الاستعداد دل على أن الاشتغال علي هذا الوجه في مصر قاصر على الحقوقيين إذا ما زاولوا مهنة
المحاماة ، وعلى بعض خريحي الزراعة المتوسطة ، ويجري ذلك في أوربا أيضا ، إذ أن من يتخرج من الكليات والمعاهد لا يقوم بنفسه بالاشتغال في الأعمال الحرة لحسابه الخاص بعد التخرج مباشرة ، بل يلحق بشركة تجارية أو صناعية حيث يشتغل فيها بعض الوقت ؛ ففيها يكتسب المران والخبرة العملية ، وفيها ينتقل إذا واتاه الحظ إلى ميدان الأعمال الحرة لحسابه الخاص
على ذلك فأمثل الطرق ، بعد أن تأخذ الحكومة كفايتها بالقواعد الثابتة الموضوعة ، أن يوجه الشبان المتعلمون إلى الاشتغال لدى أصحاب الأعمال والشركات الصناعية والزراعية والتجارية .
وعدد المنشآت الحرة لا يحتاج إلى بيان ، وكذلك ضخامة رؤوس أموالها التي تستخدم في هذه البلاد أشهر من أن تذكر - غير أن هذه المنشآت لعوامل تاريخية
رأيت على الاستفادة بجهود أبناء الجاليات الأجنبية في البلاد ، ويرجع ذلك إلى أنها بدأت عملها في وقت لم يكن قد انتشر التعليم وتنوعت مناهجه في مصر ، ويرجع أيضا إلى ان البيئة والاندفاع الطبيعي الفطري يحتم على اصحاب الأعمال ومديريها في تلك الأيام الاطمئنان والالتجاء إلى معونة وخدمات من يتصل بهم .
ولكن بعد أن كثر عدد الشبان المتعلمين ، وبعد أن أعدت البرامح المتنوعة ، ولا زال يستحدث منها ما يتمشي مع حاجة الحياة العملية ، وبعد أن أخذ كثير من المصريين يندمجون في هذه المؤسسات ، إما شركاء ، وإما في الإدارة وإما موظفين ، وعرف كثير من رجال الأعمال الأجانب إمكان تعاونهم معهم وإمكان التمويل عليهم ، اصبح للمسألة وجه آخر جديد ( للبحث بقية )

