الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 204الرجوع إلى "الثقافة"

الحياة الاجتماعية فى مصر، البطالة بين العمال والمتعلمين

Share

فامت جهود متوالية معروفة لتسهيل إلحاق الشبان المصريين بالمنشآت الحرة ، إنما يجب أن يضاف إلي هذه الجهود بعض المسائل الآتية :

أن تقوم الحكومة ممثلة في مصلحة العمل في الإشراف على الأجانب الذين يزاولون مهنهم في القطر المصري ، فتحتم على كل أجنبي يريد أن يزاول مهنته في مصر أن يأخذ موافقة منها بمزاولة هذه المهنة .

ورغم ظروفنا الخاصة التي أشرنا إليها ، فلسنا في هذا إلا مقلدين لما يحدث في غيرنا من الدول . وربما كان لهذا الإجراء ، فوق تلافي المزاحمة غير المشروعة ، فضل الوقوف على جميع الأعمال التي يزاولها الأجانب في مصر ، ولهذا فائدته في الأمن العام وفي غير الأمن العام . بل لو كان هذا

الإجراء حاصلا في مستهل هذه الحرب عندما اضطر أن يشترك فيها أكثر الشبان الأجانب ، سواء من كانوا في صفوف الحلفاء أو الأعداء ، لأمكن تلافي ما حدث من اضطراب وتعطيل في بعض المصانع ، ولأمكن اتخاذ العدة لذلك ولأمثاله قبل وقوعه ؛ إذ أن بعض المصانع شعر بفراغ كبير ، وكاد بعضها أن يوقف أعماله لولا أن أعيد إليه بعض عماله الفنيين من الأجانب ، أو اشتغل لديه بعض الشبان المصريين .

والإجراء الثاني أن يوضع تشريع يقرر أحكاما عامة شاملة لاستخدام المصريين في المنشآت الحرة ويقوم على المبادئ الآتية :

يعمم تطبيقه على جميع أصحاب الأعمال ، سواء كانوا

أفراداً أو شركات ، وأيا كان نوع العمل الذي يقومون به . وهذا رأي شعرت به الحكومة من قديم منذ أن صدر قرار مجلس الوزراء في سنة ١٩٢٧ الخاص بتحديد ٢٥ % من المصريين في وظائف الشركات . . إذ جاء في مذكرة رفعت من سعادة رئيس لجنة قضايا الحكومة إلي معالي وزير المالية في صدد وضع القرار سالف الذكر :

" لم يوقف عند هذا الحد ، ولم لا تفتح في وجوه المصريــين سبل الاستخدام كافة ، فلا تكون منحصرة فيما يجد من الشركات المصرية ، بل تمتد إلى ما كان موجودا منها وإلى الشركات الأجنبية التي تتخذ من مصر ميداناً لاستخدام أموالها كلها أو بعضها ، ولا تكون منحصرة فيما يجد من الشركات المصرية ، وطبعاً تعطي الشركات الموجودة مهلة طويلة لا تقل عن عشر سنوات لتسوية حالتها إذا كان شرط الاستخدام يقتضي تغييراً في نظام العمل ، ويقتضي التعويض للموظفين الحاليين حين يخرجون أو التعويض عليهم بحسب الأحوال . "

هذا هو الرأي في سنة ١٩٢٧ ، فلو أخذنا بأسوأ الفروض ، كما جاء في هذه المذكرة ، وانتظرنا على بعض الشركات عشر سنوات ، ووضعنا التشريع المقترح لجاءت سنة ١٩٣٧ وقد وصلنا إلي ما يحقق استخدام المصريين في المؤسسات كافة ، أجنبية ومصرية ، قديمة وجديدة . والمبدأ الثاني الذي يبني عليه التشريع ، أن يكون الحد الأدنى لاستخدام المتعلمين ٧٥ % في العدد وفي مجموع المرتبات ، ولاستخدام العمال ٩٠ % للعدد و ٨٠ % لمجموع المرتبات ؛ ثم توضع أحكام خاصة لأصحاب الأعمال الذين يقومون بعملهم الآن ويستخدمون مصريين بنسبة أقل من النسبة المشار إليها ، على أن تعطي لهم مهلة لا تتجاوز خمس سنوات مع مراعاة قيود وشروط خاصة . على أن ينص بوجوب المساواة بين جميع المستخدمين والعمال المصريين والأجانب في عقود الأعمال وفي نظام العمل .

ذلك تتوثق الصلات ويزداد التعاون بين الحكومة وبين أصحاب الأعمال ، ويعطي أصحاب الأعمال الفرصة لإظهار حسن نيتهم ، وذلك إذا ما تجاوزوا النسبة الواردة في هذا المشروع استجابة للتطور الاجتماعي في البلاد . والخطوة الأخيرة التي تساعد المصريين على الاشتغال بالمنشآت الأجنبية ، هي التوسع في استعمال اللغة العربية - وقد كان صدور القانون الذي يؤيد ذلك من أبرز الأعمال التى يسجلها التاريخ الاجتماعي والقومي لهذه الوزارة وقد أجمعت البلاد صحافة وشعباً على أنه خير ما أخرج للناس في الدورة الماضية .

وعلي ذلك فلا زلنا نطمع في المزيد ، ونرجو بجانب تحقيق السيادة القومية وصيانة الدستور من هذه الناحية أن يتحقق في المستقبل حماية الجمهور بالنسبة للمحررات التى تكون من طبيعتها معدة للعرض عليه ، مهما كان نوعها وأيا كانت طريقة عرضها والغرض من ذلك العرض .

وليس هنا مقام تفصيل ذلك ، وقد ذكرته موضحاً في مشروع القانون والمذكرة التفسيرية اللذين قدمتهما إلي الوزارة سنة ١٩٤٠ مرفقين بمشروع قانون ومذكرة ينظمان استخدام المصريين في المؤسسات الحرة .

ذكرت أن البطالة بين المتعلمين والعمال لهما ناحيتان : إحداهما تنظيم استخدام العمال والمتعلمين ، وقد فصلناها فيما سبق ، والثانية تشجيع المنشآت الموجودة حالياً ثم العمل على إيجاد أو تشجيع إيجاد ميادين جديدة يلتحق فيها العمال والمتعلمون . أما عن تشجيع المنشآت الحالية فيكون بوسائل متعددة ، أهمها مساعدتها في استيراد ما تحتاج إليه ، وتسهيل حصولها على الخامات المحلية اللازمة لقيامها بعملها ، والعمل على سرعة تقديم الخدمات التى تتطلبها الصناعة من الحكومة ، وكذلك العمل على المحافظة على التوازن بين أصحاب الأعمال والعمال ، حتى يستــتب النظام في المصانع والمؤسسات ، ويتقدم الإنتاج وتتسع دائرته .

أما عن استحداث ميادين أخرى فقد تأتي هذه الميادين من ناحية الحكومة بقيامها بأعمال عمرانية تفيد البلاد وتشتغل فيها الأيدي العاملة ، أو بالتشجيع علي استغلال الأراضي البور ، أو استحداث صناعات ومتاجر متعددة .

وهذه كلها أبحاث أجدر بها رجال الأعمال ورجال الاقتصاد ، وربما لو وكلت إلي هيئة عليا علمية وفنية تتمثل فيها عناصر المال والاقتصاد والعلم والفن ، لأمكن إعداد برامج تكفل للعمال والمتعلمين أعمالا تبعدهم عن البطالة وتقيهم شرها ، وتجنب البلاد ويلاتـها ، وتعود على الحياة الاجتماعية بأطيب الأثر وأحسنها .

ولكن لن يتبادر إلي الذهن أن معرفة أسباب البطالة وطرق علاجها والأخذ بهذه الطرق كاف للقضاء عليها قضاءً تاما ً، إذ أنـها ظاهرة اجتماعية تتجدد بتجدد الحياة

الاجتماعية في كل أمة وفي كل مكان ، ولا يمكن استـئـصالها نهائياً ، لذلك كان من الضروري أن نعنى في الوقت نفسه عندما تدرس الأسباب التي تقي الأمة البطالة بالعوامل والوسائل التي تخفف من وقعها إذا ما حدثت .

وفي مقدمة هذه الأدوية اتباع نظام التأمين الاجتماعي الذي يساهم فيه أصحاب الأعمال والعمال والحكومة ، وكذلك حث العمال أنفسهم أفراداً وجماعات ونقابات على التعود على إيجاد صناديق للادخار ، وعلى تكوين جماعات تعاونية ، على أن يراعي في ذلك العناية بالمتعطل الذي يعجز عن العمل ، أو الذي لا يعجز عنه ولكن يعوزه الحصول عليه ، وبذا يتم لنا الجمع بين وسائل الوقاية والعلاج لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية