الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 202الرجوع إلى "الثقافة"

الحياة الاجتماعية فى مصر، والبطالة بين العمال والمتعلمين

Share

استعرضنا في احاديث سابقة أهم العناصر البارزة في الحياة الاجتماعية في مصر ، وأتينا على بعض الوسائل التي تساعد على تحسينها . وفي مقدمة هذه الوسائل رفع المستوي المادي والمستوي الادبي للطبقة العاملة في مصر ، وهم الكثرة الساحقة ، سواء في ذلك من يشتغل في الزراعة او في الصناعة أو في التجارة ، وسواء في ذلك من يشتغل بييده أو بعقله أو بفنه

وبداهة أن مستوي الطبقة العاملة يرتكز ارتكازا كليا على مزاولتها فعلا للأعمال التى تقوم بها ، إذ ان انقطاع العامل او المستخدم عن عمله يضيع عليه دخله الذي يحصل عليه قبل انقطاعه فينخفض بذلك مستواه المادي . وكذلك فإن انقطاعه يسلم إلى حالة الركود والخمول التي قد تصل إلي يأس أو إلي تمرد ينشأ عنهما انخفاض في مستواه الأدنى وقد لوحظ ان التعطل عن العمل قد يعرض للعمال كما قد

يعرض المتعلمين . ولظهور كل حالة في بلد من البلاد أسباب تتصل اتصالا وثيقا بحالة البلد الاجتماعية والاقتصادية التي تظهر فيها .

لذلك شعرت الدول الأوربية بالبطالة بين العمال من قديم ، نظرا لقدم الصناعة فيها ولوفرة عدد العمال وتنوعهم ، فاضطرت إلي ان تتخذ الوسائل لمكافحتها ؛ وفي مقدمة هذه الوسائل إيجاد نظام " بورصات العمل ، وقد أخذ هذا النظام ينتشر وفقا لازدهار الصناعة ونموها حتى شملت جميع المشتغلين بالصناعة وجميع الفنيين

أما في مصر فلم تظهر بعد حركة البطالة بين العمال مظهر واضح ، ويرجع ذلك إلي ان السواد الأعظم من العمال المصريين يشتغلون بالزراعة ، وهم بحكم إقامهم في الريف وانخفاض مستوي معيشتهم الذي نشأوا عليه يكتفون في الغالب بأجور ضئيلة تدفع إليهم على فترات متقطعة .

ويلي هذه الطبقة في الكثرة عمال البناء والمقاولات والباعة السريحة ، والعمال الذين لا يعرف لهم عمل ثابت والمورد المادي لهؤلاء في الغالب ضعيف ، ولكنهم وطنوا انفسهم للعيش في حدوده وعلي الانتقال من عمل إلي عمل آخر بسهولة ، إذ أنها جميعا قلما تحتاج إلي خبرة فنية خاصة . ويضاف إلي ذلك انه قلما يقبل العمال في مصر علي تسجيل أسمائهم إذا ما تعطلوا ، ويرجع ذلك إلي خشيتهم من القوانين الموضوعة للتشرد أو إلي ما يجره عليهم من التعرض للاتهام أول للترحيل إلي وطنهم الأصلي

ويلاحظ أن الصناعة حديثة عهد في مصر ، وبما أن الصناعة هي التي تخلق البيئة الصناعية وتشجع على إيجاد العمال وخصوصا العمال الفنيين ، لذلك لم يصل بعد عدد هؤلاء إلي درجة انتشار البطالة بينهم . وتبعا لحداثة الصناعة اضطرت الحكومة إلي إيجاد طبقة خاصة من الصناع الفنيين ، وعولت على المدارس الصناعية في إيجادهم ، وبذلت جهدها في حمايتهم وتشجيعهم ، حتى إن وزارة المعارف العمومية أرسلت في ١١ أبريل سنة ١٩٣٦ خطابا دوريا إلي سائر مصالح الحكومة تحظر عليهم استخدام صناع من غير خريجي مدارسها الصناعية

ومتخرجو هذه المدارس لم يلبثوا بعد أن عدلت برامج تعليمهم وتغلبت فيها الصبغة العلمية علي الصبغة  الصناعية أن أصبحوا فيما بعد ضمن طوائف المتعلمين ، فاندمج بحث البطالة بينهم ببحث البطالة بين المتعلمين .

أما المصانع الكبرى في مصر فقد احتفظت بصناع أجانب ، فكانت أكثر الأعمال التي تقوم بها تستند إلي صناع مهرة من جنسيات أجنبية ، وإن كانت هذه الظاهرة أخذت في التحول نظرا لتقدم الصناعة في مصر ولظهور بعض الصناع المهرة الاكفاء من المصريين . وربما كان هناك سبب عام لتأخر الشعور بوطأة البطالة بين العمال ، وهو أن نهضة العمال الاجتماعية بدأت حديثا ،

ولا يخفي أن نهوضهم الاجتماعي من شأنه أن يرفع مستواهم وأن يشجعهم على إنشاء نقابات منتظمة ، وعلي الإقبال علي تسجيل أسماء العمال المتعطلين منهم تسجيلا يجعل من البسور للحكومة أن تعالج هذه الناحية الاجتماعية .

غير أنه في السنوات الأخيرة شعرت الدول الأجنبية كما شعرت مصر بوطأة عامل اجتماعي آخر ، وهو ازدياد خريجي الجامعات والمعاهد العليا ؛ فعملت الدول الأجنبية على علاج هذه الحالة . وقد قرر مجلس عصبة الأمم في سبتمبر سنة ١٩٣٦ بناء على اقتراح المعهد الدولي للتعاون الفكري ، توجيه الدول حتي التي لم تكن وصلت إلي التمثيل فيه ، ومنها مصر ، إلي إنشاء مكاتب خاصة لمعرفة مدى حاجة مبادئ الأعمال المختلفة إلي الشبان المتعلمين وخصوصا خريحى الجامعات ، وليتمكن أصحاب الأعمال من الوقوف على عدد وأنواع المؤهلات التي يحتاجون إليها في مزاولة أعمالهم ، حتى تتمشي نظم التعليم من حيث النوع والعدد تبعا لما تتطلبه ميادين الأعمال فيتوازن العرض والطلب ، ويوجه الشبان إلي المهن التي تفتقر إلي جهودهم وينصرفون إلي غيرها . وتقوم هذه المكاتب لتحقيق الأغراض السابقة بتقديم الشبان إلي أصحاب الأعمال ، ويوضع نظام لتمرين المتخرجين حديثا لاستكمال ما فاتهم أثناء دراستهم ، حتى إن نظام التمرين في فرنسا شمل طلاب الفرق النهائية بالجامعات والمعاهد العليا . ثم بتقديم الاقتراحات التي تستخلصها علي ضوء ما لديها من إحصائيات وأبحاث .

أما في مصر فقد بدأت تطرد الزيادة بين المتعلمين ابتداء من عام ١٩٣٠ فاطردت تبعا لذلك البطالة بينهم .

وبكتفي للتدليل علي ذلك بملاحظة عدد المتخرجين في سنة ١٩٣٠ وعدد المتعطلين منهم ، وكذلك عدد الطلاب في الجامعة والمعاهد العليا حينذاك ، ومقاربة كل رقم من هذه الأرقام بنظيره في سنة ١٩٣٧ ثم في هذا العام . ولكن لا يتبادر إلي الذهن أننا نظرا لهذه الزيادة

المطردة قد وصلنا إلي الكفاية أو الغاية عن الشباب المتعلمين ، إذ لا زال الذي بعيدا ، فيتبين لنا من مراجعة إحصاء سنة ١٩٣٧ أن عدد من في التعليم الثانوي والفنى في مصر ١٠٤ ألف ، وعدد من في التعليم العالي ١٠ آلاف ، بينما عدد السكان . . ١٦.٣٨٠ . بينما في تشيكوسلوفا كيا ١٩٦ ألف ثانوي وفني ٢٧ ألف عالي ، و ١٤,٧٢٩,٠.٠ عدد سكانها . وفي هولندا ١٥٠ ألف ثانوي وفني ، و ٤٨ الف عالي وعدد السكان . . ٣٥,٠٩٠ ، وعلى ذلك فالبطالة بين المتعلمين في مصر لا ترجع إلي كثرة مجموع عدد المتعلمين ) إنما ترجع إلي أسباب أخري سنأتي عليها فيما بعد .

ولعل أهم الأسباب التي ساعدت على ظهور البطالة يمكن ان تدرج تحت عاملين رئيسيين ، وهي قدر الدرجة التي يمكن ان نتغلب بها علي هذين العاملين تصل إلي تخفيف وطأة البطالة .

وهذن العاملان هما تنظيم استخدام العمال والتعدين في المنشآت الموجودة . والثاني تعزيز هذه المنشآت والعمل على استحداث منشآت اخري يتوفر على العمل فيها العمال والمتعلمون الحاليون ، وبتوفر علي العمل فيها مستقبلا العمال والمتعلمون الذين سيقدمون العمل فيها فيما بعد .

وفي مقدمة الوسائل التي تساعد على تنظيم استخدام العمال تعميم نظام البطاقات الشخصية ، على أن يكن بالأخذ به بين عمال الصناعة والتجارة وهم سكان المدن .

ولا شك أن البطاقة الشخصية ستكون بما فيها من بيانات متعمدة عاملا مساعدا على إيقاف صاحب العمل على اهم ما يعنيه معرفته والاستيثاق منه عن العامل ، سواء التأكد من شخصيته أو محل إقامته أو صناعته أو سنه كما ان لهذه البطاقة اهميتها الكبرى في حياة العامل الخاصة ، سواء في علاقته مع غيره أو في علاقته مع الجهات الحكومية ، فضلا عما في هذا الإجراء من شعور العامل

بشخصيته واستقلاله وعدم تعويله دائما على الوسطاء والمقاولين ومشايخ الحارات في كل ما يعرض لديه .

وعلى ذلك أن نضرب الحكومة بيد من حديد على مقاولي توريد العمال ، وان نراعي في مقاولاتها ، كما تشير على غيرها من الجهات التي تلجأ إلي مقاولات سواء الجهات الحربية أو المدنية ، بمراعاة كل ما من شأنه أن يضمن للعامل أجرا معتدلا ويضمن له الحصول على هذا الأجر ، وكل ما يهيء للعامل شروطا معقولة ويضمن له الحصول علي هذه الشروط

وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن حوالى ثلث عمال القطر المصري يشتغلون بنظام المقاولة ، وأكبر دليل على ذلك أنها تشمل جميع الأعمال العامة التي تقوم بها الحكومة أو المجالس البلدية أو المجالس المحلية ، وكذلك جميع الأعمال المتصلة بالأغراض الحربية ، حتي إن عدد العمال الذين يستخدمون في هذه الأغراض في مناطق القنال والإسكندرية والقاهرة يصل حوالى ١٢٠ ألف عامل ويضاف إلي ذلك أن كثيرا من الشركات تزاول أعمالها على هذا النظام كأعمال النقل البحري والتفريغ وحلج الأقطان بل حتى بعض الشركات الاخري التي لا يحتم عليها نظام العمل فيها أن تسير بالمقاولة أخذت في اتباعه ، رغبة منها في التخلي عن المسئوليات وإلقائها على كاهل المقاولين .

وقد سبقتنا ) إنجلترا في العناية بشئون عمال المقاولات فوضعت تشريعا بذلك . فخليق بنا وأكثر عمالنا أميون ان نضع لهم من القواعد ما يجعلهم امنين على أجورهم وعلي حقوقهم ، فنقل بذلك شكاوي عديدة يثيرها العمال من تصرف كثيرين من المقاولين الجشعين ، وتجعلهم في حالة أقرب فيها إلي البطالة والتعطل منهم إلي مزاولة العمل

وربنا كان مما يساعد علي هذا الاتجاه العناية بنشر " بورصات حكومية للعمل في الجهات التي يكثر فيها الطلب

على العمال ، على أن يكون لهذه المكاتب الحكومية الحق المطلق في الإشراف على تنفيذ الإشتراطات التي يستخدم مقتضاها هؤلاء العمال ، سواء في ذلك من يشتغلون عن طريقها او من يشتغلون عن طريق متعهدي العمال .

وربما كان مما يساعد على ذلك إعادة النظر في قانون التشرد ، والعمل ، إلى أن يعاد النظر فيه ، على تنفيذه بروح من التسامح الاجتماعي تتفق والظروف الحالية ، وتخفف من شدة النصوص الواردة به . ) للبحث بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية