رابعا - يبلغ عدد عمال الزراعة في سنة ١٩٣٧ ١٥٧,٥١٢ ٥, ومحصول هؤلاء سواء المحصول العلمي أو المحصول الأدبي ضعيف .
وبداهة فان ما يتطلبونه من حاجات المعيشة لهم ولعائلاتهم من المنتجات الصناعية لا يتعدى القليل التاقه .
ويلاحظ أن الصناعة خصوصا في مصر وهي بلاد حديثة عهد بها ، يجب أن تعول على الأسواق الداخلية - ولا يرجع هذا التمويل إلي ضرورات الحرب وصعوبة التصدير ، إنما يرجع إلي أن الصناعة الناشئة لا يمكن أن تقوي على مزاحمة الصناعات القديمة التي رسخت اقدامها في الأسواق الدولية
وقد رأينا أن جمهور المشترين في السوق المحلية من المزارعين وعمال الزراعة ، وهؤلاء على حال مادية وعلمية ضعيفة ، فلا شك سيكون لهذا كله اثر بالغ على الانتاج الصناعي وعلى المنتجات الصناعية وعلى عمال الصناعة ، وبالتالي على الحياة الاجتماعية لسكان المدن وما إليهم من المشتغلين بالتجارة والصناعة
بقي علينا بعد ان احطنا بإيجاز بأهمية الدور الذي يقوم به عمال الزراعة وأثرهم على الإنتاج والحياة الاجتماعية ، أن نشير إلي الجهود التي بذلت لتهيئة تطور اجتماعي صالح لهم . حتي يكون لهذا التطور اثره الصالح على التطور الاجتماعي للبلاد بصفة عامة .
إذا قصدنا بالجهود القوانين والنظم التي وضعت ، فإنما بعنينا في هذا المقام فقط ما يتصل اتصالا مباشرا بطبقة المزارعين وعمال الزراعة دون غيرهم .
ولا تقصد ما وضع من القوانين والنظم وكان متصلا بحماية المحصولات الزراعية ، وحماية تصدير بعض المنتجات
وما إلي ذلك ، لأن كل هذه الجهود إنما تفيد المزارعين بطريق غير مباشر ، والفائدة المباشرة تعود علي الملاك ، ومن الأسف أنه قد صدر من النوع المشار إليه الكثير من التشريعات لوقاية المزروعات من الآفات ، واعتبار بعض البلاد الخارجية مصابة بأمراض نباتية ، وبوجوب مراقبة البذور ، إلي غير ذلك .
ولسنا نعرف تشريعا يتصل مباشرة بالزارعين والفلاحين ، اللهم إلا التشريع الذي لا يبيح الحجر على الأشياء اللازمة لمعيشة الفلاح وادوات زراعته ، وكذلك التشريع الذي يمنع نزع الملكية لأقل من خمسة أفدنة ، وهذا في الحقيقة وضع لحماية صغار الملاك .
أما النظم فلعل أبرز النظم الاجتماعية التي وضعت لهم هو نظام التعاون ، ومع ذلك فقد ظل أكثرهم بعيدين عن الاستفادة به ، ويلي هذا نظام المراكز الاجتماعية ، وهو نظام استحدث اخيرا ، ومن البديهي ان آثاره لن تعرف إلا في السنوات القادمة .
بعد أن فرغنا من تلخيص الحياة الاجتماعية لسكان الريف وتطورها ، سنأتي علي استعراض الحياة الاجتماعية لسكان المدن وتطورها . ولا يخفى أن جمهرة سكان المدن هم المشتغلون بالصناعة
لم يكن للصناعة شأن كبير قبل الحرب العظمي الماضية ، وكانت مقصورة على ورش متناثرة ، اللهم إلا القليل من شركات الاحتكار الكبيرة ، وبعض محالج الأقطان التي انتشرت في المراكز المعدة لإنتاج القطن
ولكن بعد أن وضعت الحرب الماضية أوزارها ، رأي بعض رجال الأعمال أهمية وجود بعض الصناعات وما ينتظر لها من الرواج ، ولا سيما إذا قيد او تعذر الاستيراد ، وقد عاصر ذلك ما حل بالبلاد حينذاك من رواج عام ، كما حدث أن ظهرت الحركة السياسية وتمت ، وبدأ الناس يتذوقون الشئ الكثير من الفوز القومي .
لذلك تقدم فريق من أصحاب الأموال واستفادوا من هذه الظروف مجتمعة واعدوا الكثير من المصانع ، وكان لهم فضل السبق في هذا الميدان ، ولكن إذا قيست هذه الخطوات بما خطتها الدول الاخري في الميدان الصناعي ، تبين أنها ما زالت خطي محدودة .
وبيان ذلك ان احصاء سنة ١٩٣٩ دل على ان عدد المصانع جميعها في انحاء القطر ٨٨٨٣٥٩ منها ما لا يستخدم عمالا مطلقا ٤٥٠٤٠ أي اكثر من النصف وما يشتغل به عامل فأكثر ٢٥٥٨٤ ؛ ومثل هذا في المتاجر اذ مازالت المصانع والمتاجر تقوم على أكتاف مجهودات فردية .
ولاشك أن ازدهار الحياة الاجتماعية وتطورها في المدن لا يتم إلا إذا انتشر الإنتاج الكبير ، ولكن رغم ذلك فقد كانت الحياة الاجتماعية لعمال الصناعة أوفر حظا منها لعمال الزراعة ، إذ يرجع التاريخ التشريعي لتطور عمال الصناعة الاجتماعي الى سنة ١٩٠٩ وذلك باصدار القانون الخاص بعدم تشغيل الأحداث .
ثم أعقب ذلك فترة ركود انهت بأن شكلت في سنة ١٩٣١ لجنة للنظر في إعداد مشاريع قوانين لبعض المسائل العمالية ، وصدر فيها فعلا قانون بتشغيل الأحداث وقانون خاص بتشغيل النساء وبتحديد ساعات العمل لبعض الصناعات وقانون بشأن التعويض عن إصابات العمل
كذلك من ناحية النظم الاجتماعية كان عمال الصناعة أسبق في الحصول عليها ، إذ عنيت الحكومة بنظر شكاويهم ، وبدأ ذلك بتشكيل لجنة توفيق في ١٨ اغسطس سنة ١٩١٩ ثم صدور قرار بتشكيل لجان توفيق محلية في سنة ١٩٢٤ . ثم تأليف مجلس استشاري للنظر في شئون العمال ، كما أنشئت مصلحة العمل لرعاية الشئون المتعلقة بهم .
وقد أخذ أيضا بعض المشتغلين بالإصلاح الاجتماعي يعني باستخدام نظم تعمل على النهوض بالحياة الاجتماعية بالعمال . فقاموا بمساعدة الحكومة بإنشاء مراكز اجتماعية لهم
وأندية لأولادهم ، وأخذت تزودهم بالمعارف العامة .
أما العمال أنفسهم فأبرز نواحي النشاط الاجتماعي التي قاموا لها تكوين النقابات ، إنما كان هذا النشاط خاضعا لعوامل خارجية متعددة جعلت حياتها دائما اشبه شئ بالمد والجزر
وكانت نشأة النقابات ولا زالت تدور حول أغراض بسيطة لا تتصل كثيرا بالحياة الاجتماعية الحديثة ؛ ويرجع ذلك إلي أن أكثرها لم ينظم بعد ، ولم تصل الحال المالية إلي درجة تسمح له بمزاولة هذه المسائل الاجتماعية الهامة
وطبيعي أن إصدار قانون النقابات واعتراف الحكومة بها وإشرافها عليها ، سيعمل على تلافي المساوئ الحالية ، وسيمكن النقابات من تأدية رسالتها ومن المساهمة في تحسين الحياة الاجتماعية للمشتغلين بالصناعة والتجارة .
ويخلص لنا مما تقدم أن الحياة الاجتماعية في مصر تمتاز ببعض الظواهر البارزة التي نلمسها في جميع الأوساط وفي كل الجهات .
وإن في مقدمة هذه الظواهر الفارقات البعيدة بين طوائف الشعب وبين أفراده ، هذه المفارقات التي تشمل الحياة المادية والحياة الأدبية والحياة العقلية .
ولا بد من العمل علي التخفيف من هذا التفاوت ، ويوجد أيضا ظاهرتان هامتان ، وهما : انتشار الجهل والفافة بين السواد الأعظم من الشعب ، واثرهما علي حياته الاجتماعية واضح ولا يحتاج إلي دليل ، فلا يمكن ان نتصور تتطورا اجتماعيا لا يكون من شأنه أن يعالج هاتين الظاهرتين .
كذلك يخلص لنا أن حياة البلد الاجتماعية الصحيحة هي حياة السواد الأعظم للسكان ، وهؤلاء هم الزراع والعمال ، وأن الإصلاح الذي لا يبدأ بهذه العناصر لا يعد إصلاحا لصميم الحياة الاجتماعية المصرية . وليكن الرائد في الإصلاح العناية بما كان نفعه عاما وأثره شاملا وسيقتضي هذا جهودا وفيرة ونشاطا جما فربما كان من الخير ان
توجه كل الجهود والنشاط إلي هذه الناحية حيث تعود الفائدة علي الا كثرية الساحقة من أفراد البلاد . حتى ولو اضطررنا إلي أن تهادن بعض نواحي النشاط الاجتماعي التي ينحصر أثرها علي طائفة أو طوائف من خاصة أفراد الشعب .
فإذا ما اجتزنا هذه المرحلة الأساسية والضرورية من الإصلاح أمكننا أن نطمئن إلي أننا قد وضعنا أساسا سليما لحياة اجتماعية سليمة ، وامكننا ان نجعل سواد الامة يشعر بالتطور الاجتماعي وبأثره الأدبى والمادي والعقلي ، وعندئذ يصبح الحكم على أن حياتنا الاجتماعية حياة صالحة حكما صحيحا حقيقيا ، لانه ينطبق على عامة الشعب ولا يقتصر على فئات قليلة امتازت بوفرة العلم او بوفرة المال ، ولكنها قلة والقلة لا يقاس عليها ، ومن الظلم الفادح أن يكون الحكم عليها حكما علي ما عداها من الأغلبية الساحقة للسكان .
ويحب الا يقاس التطور الذي ننشده بغيره لدي البلاد الآخرى، فلكل تطور أسبابه الخاصة ووسائل علاجه التي أعدت له وعلي ان يكون العمل على تهيئة حياة اجتماعية صالحة للجمهور وهم الزراع والصناع مقترنا بوضع حدود واضحة تبين حقوق الملاك وواجبات الزراع وتحدد التبعات المتبادلة بين أصحاب الأعمال والعمال ، حتي لا يحاول العمال والزراع الانتقاص من سلطة أصحاب الأعمال والملاك ، أو يغمطوا حقهم في الإشراف والتوجيه ، او يتناسوا فضلهم في لاقدام وفي التضحية بأموالهم وعصارة عقولهم لتنمية الانتاج القوي ولايجاد ميادين فسيحة لهم ليكسبوا عيشهم يزاولوا أعمالهم ؛ كما يذكر أصحاب الأعمال للعمال نشاطهم وقيامهم بواجباتهم فيجزونهم جزاء وفاقا ، ويمنحونهم غاية مادية وأدبية تكفل لهم حياة اجتماعية صالحة
وليكن همنا عند وضع التشريعات والنظم اختيار ما يلائم أحوالنا ومجانية الطفرة والأنصراف عن الإكثار منها والمبالغة في استحداث نظم متعددة ، لأن التطور الاجتماعي
إنما يحدث في البلاد تبعا لمقتضيات أحوال كل منها واستجابة للضرورات التي أوحت به . وعلي العموم ليكن رائدنا ، كما قال المستر بتلر مدير مكتب العمل الدولي في تقريره الذي رفعه إلي الحكومة المصرية عندما ابتدئه لبحث التطور الاجتماعي للعمال في مصر
" يجب أن نبدأ بوضع أساس عريض وقاعدة ثابتة بدلا من أن نعي فقط بإنجاز الهرم بأكمله . "
وما دامت الحياة الاجتماعية تتألف من عناصر متعددة ، والأخذ في تحسينها دفعة واحدة ، إن لم يكن من المحال ، فإنه يتسبب في توزيع الجهود وإضعاف نتائجها ، فلا بد من تقديم الأهم منها على المهم .
ولعل أهم ما يحسن الحياة الاجتماعية في مصر التغلب على الأمية الشائعة بين السكان في اقصر وقت وبأبسط الوسائل ، علي أن لا يوضع العبء كله على الحكومة ، إنما تجند في ذلك جميع القوي . فيكلف كل مالك اطيان ( عزبة ) أن يقضي علي الامية بين مزارعيه ، وكل صاحب مصنع ان يمحو اثرها بين عماله ، ويقوم طلاب المدارس الثانوية والجامعة والأزهر بالمساهمة في ذلك ، على أن تعتبر جهودهم عملا أساسيا مضافا إلي برامج نشاطهم المدرسي ، كل في المحيط الذي يتيسر له الإقامة فيه وقضاء العطلة بين سكانه . على إن يصحب مقاومة الامية العمل على نشر بعض المعارف العامة التي تنمي الإدراك وتوسع مدي التفكير ، على أن يضطلع بهذا الجهد جمعيات تؤلف لهذا الغرض وتتألف من الشباب المتعلم .
ولاشك أن تضافر القوي وتعاون الحكومة وأصحاب الأعمال وجمهور الشباب المتعلم كفيل بتحقيق هذين الفرضين اللذين إذا لم يتم تحقيقهما لا يمكن ان يرجي تحسين للحياة الاجتماعية لعامة المصريين من زراع وعمال ، إذ انه حتما لو وصلنا إلي تحسين حياتهم الاجتماعية تحسينا ماديا مع بقاء مستواهم الأدبي منخفضا لما أفاد ذلك شيئا
ويأتي في مقدمة تحسين الحياة الاجتماعية تحسينا أدبيا العمل علي تهيئة نظام صحي ملائم للعمال والمزارعين ، سواء في المصانع او في العزب ، وتيسير معالجتهم ومعالجة عائلاتهم والعناية بتغذيتهم تغذية رخيصة تتوفر فيها العناصر اللازمة للمحافظة على الصحة .
ولا شك أنه قد يكون من المتعذر علي الحكومة أن تستقل بجميع هذه الأعباء ، وربما كان التمويل عليها في الانفراد بها مدعاة لتأخير حدوثها إلي الآن ، وإنما يجب ان تتعاون في هذه الجهود الحكومة وأصحاب الأعمال والملاك ، بل وان يعود العمال والزراع أنفسهم علي الاشتراك فيها .
ويلي ذلك العمل علي رفع مستوي الحياة الاجتماعية من ناحية ازدياد كسب عامة المصريين من عمال ومزارعين ، ولهذا الاتجاه وسائل قد تقصر عدة أحاديث عن سردها .
وبداهة يجب أن نحطاط إلي الأحوال التي يصبح فيها العمال والزراع غير قادرين على الكسب إما للبطالة أو للمرض أو للهرم . وما دمنا لم نضع من النظم التأمينية والتعاونية ما يكفل مراعاة هذه الحالات ، ولا سيما ان انتشار روح التعاون والتأمين بين هذه الطبقات قد يكون بطيئا نظرا لضعف مستواهم الأدبى والفكري ، فيجب أن توضع القواعد الثابتة التي توجب على اصحاب الأعمال والملاك والموسرين بل والحكومة ان تغذي هذه النواحي حتي تضمن لهم الضروري من شئون الحياة إذا ما أقعدتهم البطالة أو المرض أو الشيخوخة عن العمل
إذا عنينا بهذه الخطوط الرئيسية للحياة الاجتماعية في مصر ، وصلنا إلي رفع مستوي هذين العنصرين من السكان ، وهما يكونان ٨٥ % من عدد جميع اصحاب المهن المختلفة في مصر . وبذلك يمكن إعداد جمهور الشعب لأن يكونوا مواطنين صالحين ينتقلون من حالة الخمول والركود الرازحين فيها الآن إلى حالة إيجابية نشيطة ، فيصبحون فعالين في
حياة البلد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويترتب علي ذلك أن يصير الجمهور عنصرا صالحا لاستجابة النداء في الشدائد والملمات ، فنجد منه إقبالا علي التجنيد ، وإقبالا على الاشتراك في أعمال المقاومة في وسائل الدفاع المدني ، وميلا إلي المساهمة في المشروعات العامة والتبرعات الخيرية واستعدادا لتنفيذ القوانين والتعليمات تنفيذا صحيحا ، فنقضي على كثير من المخازي التي تقع تحت نظرنا من أن لآخر ، والتي تنشأ من الجهل وانعدام الشعور الصادق بالقومية وبالواجب القوي .
وعلي أثر ذلك يقل التباين بين طبقات الشعب المصري هذا التباين الذي اتخذ مظاهر متعددة نلمسها اينما سرنا والذي لا يوجد له تقليد في جميع الأمم المتمدنة
ويؤدي هذا إلي الرغبة في التعاون بين السكان جميعا ، فتقل الجرائم التي تنبعث عن الظلم وعن الفافة وعن الكراهية ، وننتقل إلي حالة أقرب إلي الأمن والدعمة مما نحن فيه الآن .
وتصبح مهمة أولى الأمر في إدارة شئون الأمة أقل ثقلا وأيسر مما هي الآن . فسنحدث من الأنظمة الاجتماعية ما يتمشى مع الرقي الاجتماعي في هذا العصر ، ونجد من الشعب أداة صالحة لفهمها والعمل بها ومعاونة الحكومة على تنفيذها ، بعد أن رأينا أن كثيرا من المشروعات الصالحة ذات الفوائد الصحية المحققة قابلها السواد بالامتعاض ، وبذلك يمكن بذل ما في الطاقة للتخلص منها رغم فائدتها ، كما راينا حقوقا اجتماعية كان إجادها ضروريا لمسابرة العصر لاقت نفوسا لم تكن قد تهيأت بعد لثقلها وهضمها فأساءت استعمالها
وسينظر جمهور المصريين عندما تترقي مداركهم وتتيسر سبل العيش لهم إلي القادة والمفكرين ، نظرة تملؤها الطمأنينة والتعاون والثقة ، نظرة الجيش للقائد ، لانظرة الطير للصائد

