الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 192 الرجوع إلى "الثقافة"

الحياة الاجتماعية في مصر

Share

يقصد بالحياة الاجتماعية بحث الحالة الاجتماعية لمجموع السكان دون الاقتصار علي فئة معينة ربما كانت لها من ظروفها الخاصة مالية كانت أو أدبية ما يجعلها تتمتع بحياة اجتماعية خاصة .

وعلى ذلك فإذا أردنا أن نستعرض الحياة الاجتماعية في مصر كان من الواجب أن نبدأ بدراسة الظواهر الاجتماعية البارزة التي نشاهدها والتي يكون في دراستها و علاجها أثر علي الحياة الاجتماعية العامة . ثم ندرس حياة الأغلبية الساحقة للسكان ، وهؤلاء هم سكان الريف وأعني بـهم المزارعين ، وسكان المدن وأعني بهم المشتغلين بالصناعة والتجارة ، لأن حياتهم الاجتماعية هي الحياة الحقيقية للشعب المصري ، وهي التي تعطي صورة حقيقية عنها ، سواء كانت هذه الصورة تبعث على السرور أو تبعث علي الأسي .

أما ما عدا ذلك من الصور فهي صور خلابة ليست من الحقيقة في شئ . خدعنا بها حقبة طويلة وخلنا أنـها تمثل حياة البلد الاجتماعية ونعمنا بهذا الخيال ونسينا الحقيقة فأنسانا الله أنفسنا وأصبحنا في حالة اجتماعية غريبة بين الأمم الراقية .

وأهم هذه الظواهر العامة للحياة الاجتماعية في مصر ،                                                      هي المفارقات البعيدة المدي التي توجد بين طبقات الشعب بل وبين أفراد  الطبقة الواحدة ، يتخذ هذا التفاوت ناحية  مادية حيث تري فقراً مدفعاً بجانب يسار فاحش ، أو ناحية عقلية ، إذ بينما يغمر السواد الأعظم من السكان جهالة مطبقة تواجهه طبقة على حظ كبير من العلم ومن الدرجات الجامعية وحتي في الحياة الخاصة فانها تنتقل من حياة بسيطة ضئيلة راكدة ، إلي حياة نشيطة عنيفة متمادية

في الترف والرفاهية ، ولا يمكن أن تنسق حياة اجتماعية مع وجود هذه المفارقات إذ تتطلب من المصلح الاجتماعي أن يكون في إصلاحه حكما عادلا يعمل جهده على إنماء ثروة أهل الثراء مع تغذية موارد المعسرين ، وابتكار الدرجات العلمية لخاصة المتعلمين مع إيصال المعارف العامة والضرورية لغير المتعلمين ، والترفيه عن الموسرين المترفين مع إيجاد الوسائل للتخفيف عن المعوزين وأشباه المعوزين . ومن الغريب أن لهذا التفاوت أثره أيضا في الإنتاج بأنواعه ، الصناعي والزراعي والتجاري ، ففي مدينة القاهرة نجد مغازل النسيج اليدوي التي يشتغل بها العمال علي الأنوال في قاعات ضيقة وبأجور ضئيلة وذات الإنتاج البسيط في قيمته وكميته ، تجاور مصانع النسيح الكبيرة التي تحاكي مثيلاتـها في مدن أوربا الصناعية ويشرف عليها إخصائيون ، ولا تقل منسوجاتـهـا في الجودة عن المنسوجات الأجنبية .

وإذا اجتزنا بعض شوارع العاصمة نشاهد نفراً يشتغل بصناعة الحدادة ويزاول مهنته على طريقة عتيقة بالية تكاد لا تصلح أداة للكسب ولا يتفق أداؤها مع أبسط القواعد الصحية ، بينما يوجد على مقربة منهم مصانع كبيرة بها من آلات البرادة والمسابك الشئ الكثير مما يصلح                                                       لإعداد أدوات ميكانيكية هامة ، بل منها ما أمكن الاستعانة به في بعض الصناعات الحربية .

أما في الإنتاج التجاري فيكفينا أن ننعم النظر في وسائل النقل ، وأن نقارن بين وابورات شركات الملاحة النيلية التي تمخر عباب النيل وبين العدد الوفير من المراكب الشراعية التي ما زالت تقوم بقسط وافر في النقل النيلى .

أما عن الإنتاج الزراعي فمظهره مقارنة ذلك الفلاح المصري العادي الذي يتبع في الزراعة خطي السلف فيروي أرضه إذا غمرها النيل ، ويحرثها إذا انحسر عنها ، مستعملا سائر الأدوات الزراعية البدائية التي تعاقبت عليها الأجيال .

بينما نجد أن بعض الشركات الزراعية الكبيرة قد خطت خطوات واسعة في استعمال وسائل الري والحرث والزراعة وجمع المحصول بطريقة لا تقل عما يتبع في بعض البلاد الزراعية الراقية .

ومن الإنصاف أن نقرر أن هذا التفاوت بين الأفراد والطبقات ملحوظ في الحياة الاجتماعية عند غيرنا من البلاد الراقية ، ولكنه يمتاز بأنه قائم على مستوي مادي للمعيشة يكفل لأفراد الشعب حياة تكفل لهم الحصول علي الضروري وما هو أكثر من الضروري ، ويمتاز ايضا بأن عامة الشعب تستمتع بقسط وافر من المعارف العامة والثقافة ، تساعد كل طبقة على تفهم الطبقات الأخرى ، وتعمل على تقوية الروابط بين الأفراد وبين المهن وبين الطبقات .

وكذلك الحال في التفاوت الاقتصادي في الإنتاج . فانه مشاهد في دول أخر ، وإنما يلاحظ فيها أن الوسائل الحديثة للانتاج أصبحت الغالبة ، وأخذت الوسائل السابقة في التحول أو في الانقراض .

أما في مصر فتعتبر الوسائل المستحدثة مظهراً عارضاً يخشى عليه من الزوال ، فما زال استخدامها يسير بخطي متئدة جداً ، وما زالت الوسائل القديمة أكثر نشاطاً وانتشاراً ، وما زال لها السبق في أكثر نواحي الإنتاج .

وطبيعي أن لهذه الظاهرة أسبابًا عدة ، وأنه قد تعاقبت على وجودها سنين طويلة ، ولكن ربما كان من أهم أسبابها :

أولا - ضعف انتشار التعليم ضعفاً كبيراً ، وبداهة أن ضعف انتشار التعليم يلازمه ضعف في المعلومات والمعارف الضرورية التي تمكن أفراد الشعب من أن يفهموا جميعاً ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات نحو أنفسهم ونحو غيرهم ونحو بلادهم .

ثانيا انقضاء فترة طويلة علي جمهور السكان وهم طبقة الزراع والعمال دون أن يجدوا تشجيعاً ماديا وأدبيا

يهيئهم لحياة اجتماعية حديثة ويحملهم على ان يأخذوا بقسطهم من وسائل الإنتاج المستحدثة .

فظل جمهور الفلاحين والعمال لا يستسيغون التطور الاجتماعي ، واستمسك الفلاحون بالجمود في كل نواحي الحياة ، ذلك الجمود الذي قد نخطئ إذا حسبناه رضا واعتزازا بأحوالهم ، وإنما بدل فقط على أنـهم يجهلون ما عداها من ألوان الحياة .

أما العمال فلأقامتهم في المدن وقربـهم من طبقة المستنيرين ، قاموا بمحاولات نحو التطور الاجتماعي ، ولكنها محاولات ترجع إلي مجرد التقليد لما وصل إليهم مشوشا عن الدول الأخرى ، أو ترجع إلي من يدفعونـهم ويلقنونـهم أشياء لم تقو معدتـهم بعد على هضمها ، وليست لديهم القدرة الكافية علي تفهمها .

والعنصر الثاني الذي تمتاز به الحياة الاجتماعية في مصر عدا ما أشرنا إليه من الظواهر البارزة في الشعب المصري ، هو اشتغال الأكثرية الساحقة من المصريين بالزراعة ؛ ويرجع ذلك إلي أن مصر تعتمد اعتماداً كبيراً علي الإنتاج الزراعي ، ويرجع ذلك إلي خصب أرضها وإلي سهولة وسائل الري فيها ، وإلي عوامل نفسية تتصل بطبائع أهلها ومألوف عاداتـهم التي ورثوها فتأصلت فيهم بالوراثة ، وتأقلمت بحكم إقامتهم في إقليم زراعي .

وأخص هذه الطبائع ميلهم في كسبهم ومعاشهم إلي المواد الثابتة مهما ضؤلت ، وانصرافهم عن المجازفات مهما أتت بفوائد مالية كثيرة ، ونظرتـهم إلي الماضي دائما نظرة تقديس ، يحاكون السلف محاكاة تكاد تكون تامة في وسائل إنتاجه - وقلما يعدون الخطة التي رسمت من قبل .

حقيقة منح بعض المصريين حظاً كبيراً من الابتكار والتجديد وحب المجازفة ، فقاموا بأنفسهم او بمساعدة بعض الأجانب بإتـخاذ وسائل جديدة في الانتاج ، سواء في ذلك الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو التجاري ، ولكن

هؤلاء قلة والقلة لا يقاس عليها . وإن دراسة الحياة الاجتماعية لعمال الزراعة ذات أهمية في الوقوف على الحياة الاجتماعية العامة ، ويرجع ذلك إلي ما يأتي :

أولا - عمال الزراعة كغيرهم من السكان أداة فعالة في الانتاج القومي للبلاد ، ولسنا في حاجة إلي إيراد الأرقام للتدليل على نصيبهم في الدخل العام .

ثانيا والزراعة من حيث إنها عمل ما زال يشتغل بها اكثر المصريين . إذ دلت الإحصائيات على أن من يشتغلون بالزراعة من المصريين وهم المزارعون بالأجرة وصغار المزارعين ومساعدوهم والزارعون مع ذويهم والزارعون في أرض يملكونـها والزارعون الذين يشتغلون في أرض يستأجرونها بلغ عدهم ٠٤٢ ر ١٠٠ ر ٣ في سنة ١٩٢٧ ، وقد قفز هذا العدد في سنة ١٩٣٧ إلي ٥,١٥٧,٥١٢ وهذا عدد ضخم ولاسيما لو لاحظنا أن عدد جميع أصحاب المهن في مصر بما فيهم عمال الزراعة كان ٥,٨٤٥,٦٦٧ في سنة ١٩٢٧ ، وكان ٧,٤٢٠.٣٥٥ في سنة ١٩٣٧ ، وأننا لم نضف إلي عدد عمال الزراعة طوائف رعاة الأغنام والفعلة والباعة السريحة وغيرهم مع أن هؤلاء في الغالب مزارعون عاطلون اضطروا إلى عملهم الحالي اضطراراً ولم تنقطع صلتهم بالزراعة بعد بصفة نهائية .

ثالثاً-  أن الحالة العادية للمشتغلين بالزراعة ذات تأثير قوي على المشتغلين بالصناعة ، فلا شك أن سوء الأحوال المعيشية في القري تحملهم على التطلع إلي المدن ، خصوصا وقد أخذت بعض المدن تشتغل بالصناعة على وضع كبير .

وقد حدث مثل هذا التطلع والهجرة في بلاد أخري مثل انجلترا عند بدء الحركة الصناعية فيها وقبل إدخال الاصلاحات الزراعية التي أعادت الكثيرين ممن هجروا الزراعة إليها ؛ ولهذه الهجرة المحلية خطرها ، إذ أنـها تـهبط بأجور عمال الصناعة ، وتغري أصحاب الصناعات على استخدامهم رغم ما في هذا الاستخدام من استهداف لانتاج

يشوبه الجهل وعدم المعرفة .

ويشاهد ذلك عند استعراض أجور العمال ومقارنتها بالنسبة لمن يقومون بأعمال متماثلة ، ولكنهم يختلفون ، فبعضهم من الريف وبعضهم من القاهرة ، ويطرد ذلك بالنسبة للأعمال الفنية ، فإن تـهالك عمال الزراعة النازحين إليها يهبط بمستوي الأجور فيها ، هذا بالرغم من أن المبدأ الاقتصادي السليم يوجب مراعاة كفاية العامل عند استخدامه قبل مراعاة أجرته .

ويضطر تبعاً لهذه المزاحمة كثير من عمال الصناعة مع اعتزازهم بنفسهم وكفايتهم ومحاولتهم المحافظة على مستوي أجورهم ، إلي التسامح والتساهل فيها .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية