الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631الرجوع إلى "الرسالة"

الحياة الادبية في الحجاز

Share

كتب الأستاذ إبراهيم هاشم فلالي » مقالا تحت هذا العنوان في عدد شابق من الرسالة ) عرض فية صوراً جميلة من الأدب الحجازي الحديث ، فرأيت إماماً للفائدة أن أتبع مقاله بكلمات عن النهضة الحديثة لهذا الأدب حتى يدرك قراء الرسالة شيئاً من أسباب هذه النهضة والاتجاهات الأدبية في هذه البلاد المقدمة

ولست أريد في هذه الكلمات أن أتتبع الهمة من لدن. وجودها في الحجاز على يد أحمد بن زيني دحلان المتوفى سنة ٨٨٦ . م ولكني سأكتفى بالنهضة السعودية القائمة فإذا ما انتهيت من عرضها بسطت الكلام في الشعر والنثر وبنت خصائص هما واتجاهاتهما .

النهضة السعودية

الحجاز الحديث قطار متوثب للمرق مؤمن بقدمه العريق وواثق بالنجاح ؛ فهو يبذل الجهد ويواصل العمل لمسايرة الأم العربية التي سبقته في النهضة . وقد بعث فيه هذا الروح القوى ملك عربي واسع الآمال يجيد العربية ويطرب للشعر البارع والنثر البليغ ويستحث الأدباء للاجادة ويدفعهم إلى العناية ، فهو يكافئهم على إحسانهم ويحلهم من نفسه منزلة سامية ، ويكفى أن يقرأ الزائر لهذه البلاد ثبتاً بأسماء المستخدمين في الإدارات والمصالح، فيؤمن بعد ذلك أن الحكومة السعودية لم تختر هم عبثاً و إنما كشفت فيهم البراعة في الأدب فأرادت أن تكافهم عليها بهذه المناصب ليعيشوا راضين مطمئنين منصرفين إلى الإجادة والإنتاج : فالشيخ محمد سرور الصبان ، والغزاوى ، وعلى حافظ ، وعبد القدوس الأنصارى . كل أولئك وغيرهم من الأدباء يتولون كثيراً من مناصب  المملكة وينهضون بأعبائها وينالون فوق ذلك عطف جلالة الملك وإحسانه ، ولهذا وغيره من الأسباب الثقافية والقومية رأينا الأدب الحجازى فى هذه الفترة الوجيزة من الزمان يثب وثبة توشك أن تكون طفرة . ۲۵۰ ۱۲

ومن أسباب النهوض فى العهد السعودى العناية بالقومية العربية بعد أن أغفل الناس شأنها ردحاً طويلا من الزمان ؛ فقد حاء العهد الجديد يجمل الطابع العربي الخالص من كل شائية ودخيل ، ومحمل القوم على التعصب لكل مظاهر العروبة حتى لا تفنى شخصيتهم وتتضاءل ذاتيتهم ، عندئذ أدركوا أن في الحياة الجديدة مغزى سامياً لم يدركوا إلا أوائله في الثورة الحجازية ، ولا شك أن ارتباط الأدب بهذه القومية ارتباط متين فهو يقوى بقوتها ويضعف بضعفها. ويكفى أن يشعر الناس أن مليكهم معنى بنهضة عربية تعيد إلى الحاضر سيرة عهود أجدادهم السابقين ؛ حينئذ يعملون جاهدين ليسجوا على منوالهم ويتأثروهم في كل شيء : في أخلاقهم ولتهم ومظاهر حياتهم .

والقاري للشعر الحجازى فى النهضة السعودية يجد ظاهرة التعصب للقومية العربية واضحة جلية : فالشعراء كثيراً ما يذكرون ما كان للشرق والعرب من مجد سابق ويتحرون على هذا المجد. الذى ضاع واندثر وحل محله التأخر والجمود . وفي هذه المعاني يقول الشاعر الغزاوى شاعر الملك ابن السعود :

أجل . تقهقر هذا الشرق قانعمرت

قناته بعد أن حالت بها الأمم

واندك بجد بنيه منذ أن غفلوا . عن الحياة وزلت منهم القدم

وخالفوافطرة الأخلاق واختلفوا فامهم كل خسف من رق بهم

وهو يقول أيضا في موضع آخر مبينا ان العرب قد عرفوا الحضارة وسبقوا إلى النهضة قبل الغربيين :

هل كان للغرب المصوت نأمة      أيام كان الشرق لا يتام

أو كان للغرب المدل بعلمه           بصر بما امى به يتنعم

في هذه الأبيات وأمثالها نرى اعتداداً بالمجد التبليد الذي تركه العرب باقياً على الزمان كما نرى اعتزازاً به وحرصاً على إعادته فقيه البطولة وفيه المجد و المعاني السامية، وقد قال أحدهم وهو عبد الوهاب آشي في هذا المني :

بلاد سمت بالألى عرفوا        طريق العالى ومشمارها

نسى المجد طوعا إلى بابهم     وأولهم الأرض أمصارها

إذا جد جد الوغى يموا           ميادينها وجلوا عارها

وما عن ولى يؤثرون السلام        ولكن يريحون نوارها

بهذا الإيمان الصادق بمجد الأسلاف يتدفق شعر الحجازيين المحدثين ويرون أنهم لن ينجحوا في حاضرهم إذا لم يقتفوا آثار السابقين ويعملوا على غرارهم فإذا فعلوا ذلك كان المجد قريباً منهم لأنهم أهل له من قديم الزمان وفي ذلك يقول عبد الله بلخير :

بوركت يا عزم الشباب وقدست

روح الشجاعة فيك والإقدام

أمل الجزيرة قد أنيط بعزمكم     بغداد  ترقب نوره والشام

متطلعين إلى الحجاز فإنه         في كل عصر قائد وإمام

ومن الخير في هذا المقام أن ننتقل إلى القارىء ما كتبه معالى الدكتور هيكل باشا في نهضة الحجازيين عن طريق الالتفات إلى الماضي والاعتزاز بالقومية العربية فهو يقول : ( وما دام شباب العرب قديد أو انشاطهم الفكرى على هذه الصورة الواضحة فى (أشعارهم) فمن حقهم وحق كل عربى أن ينفسح أمامهم ميدان الأمل في المستقبل ، فالأدب نواة كل عمل وكل حياة بل هو رحيق الحياة وروحها ، والروح ما قويت قديرة على كل شيء ، ولقد أتيح لى أن أتعرف إلى كثيرين (منهم) فرأيت فيهم طموحا وأملا وحرصاً على تحقيق هذا الأمل ، أما وهذا شأنهم وهذه عزيمتهم الصادقة قلهم أن يصوروا مستقبل بلادهم كما يشاءون ، فإذا جاء الوقت الذى تدوى في العالم صيحته كان هذا طليعة العظمة العربية المقبلة وكان المتقدم الذى يسير في أثر أيجاد أبناء أيجاد يعيدون لبلادهم عظمتها

والحجازى خليق ببلوغ هذه الغاية التي يسعى إليها لأنه جلد صبور ، قد أوحت إليه الحياة الخشنة في الصحراء كثيراً من أخلاق الصرامة والثبات والعمل المتلاحق الذي لا يدركه فـــور ولا كلال

ولا شك أن هذا الاتجاه العربي القومى قد أفاد اللغة والأدب أجل الفوائد ، ولا شك كذلك أن هذه الآمال التي استمدوها من الماضي العريق قد دفعت الأدب دفعاً قوياً ظهرت ثمراته في عهد قليل ، ولن يتوانى هذا الأدب عن تقدمه السريع وإمعانه في التجديد والرقى ما دامت القومية العربية طابعه وفحة الآمال تستحته وتنهض به . وتاريخ الآداب في الأمم المختلفة يوضح لنا

هذا القول ؛ فما قوى أدب أمة من الأمم إلا في ظلال قوميتها و على أساس من آمالها المتوثية الجريئة ، وما ضعف إلا في العهود التي تخاذل فيها الناس وتناسوا قوميتهم وفقدوا آمالهم؛ لأن الأدب بتمشى مع القومية والآمال ويستمد منهما معانى الحياة الباقية الخالدة

الثقافة

الثقافة عماد الأدب ومادته ولا ينهض أدب في أمة من الأمم ما لم يتهيأ لها من وسائل العلم ما يقدرها على إدراك الحق والجمال وبهذه الثقافة يتسع أفق الأديب فإذا ما تناول موضوعاً تناوله عن بصر به وعلم بدقائقه ونواحيه المختلفة

وقد منيت الثقافة فى الحجاز في العهد العثماني بما جعلها ضئيلة متأخرة ومحدودة تافهة لا تغنى ولا تنفع في إعداد الأديب المثقف ؛ فقد اقتصر التعليم في ذلك العهد على التعليم الابتدائى وهو كما تعلم لا يعد شاعراً ولا يخرج كاتباً ، فإذا عرفنا مع هذا أن البناية باللغة التركية قد فاقت العناية باللغة العربية وأن المواد المختلفة فى خـ هذه المدارس كانت تدرس بالتركية ؛ أمكننا أن ندرك إلى أى حد ضعفت العربية في هذه البلاد

. نعم كان في الحجاز الحرمان الشريفان يقوم فيهما العلماء بتدريس الدين واللغة العربية على الطريقة التي كانت تتبع في الأزهر الشريف وهى طريقة لم يظهر فضلها إلا فى حفظ العلوم اللسانية والدينية من الضياع ولكنها لم تجد في تخريج الأدباء والشعراء .

لهذا كله أشفق المصلحون فى الحجاز من ذوى المروءة على اللغة العربية ومصيرها فهبوا لإنشاء المدارس التي تهض بالدين والأدب وكان أسبقهم إلى هذا العمل السيد محمد زنيل فقد أنشأ مدارس الفلاح فى جدة ومكة سنة ١٣٢٦ للهجرة وجاهد في سبيل نهضتها وبقائها على الرغم مما أثير حولها من الشكوك والأوهام، وكان لهذه المدارس الحرة الفضل الأكبر في تخريج طائفة من الشبان هم الآن حملة لواء النهضة الأدبية والفكرية في البلاد الحجازية . النقية في العدد القادم )

اشترك في نشرتنا البريدية