الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 126الرجوع إلى "الثقافة"

الحياة بلا شعر

Share

الشاعري هو العاطل فى نظر من يقيسون الحياة بمقياس المادة المحسوس ، ومن يبنون حكمهم على الأحياء بقدر ما يفيدون ويستفيدون ، فى عالم خلت من حسابه مطالب الروح ؛ وعلى هذا الحساب الساذج ، غير المربك ولا المعقد ، فالحياة بلا شعر ، الحياة المليئة بالجد والعمل ..

ويصح هذا إذا أضفنا الهم والتقزز من الحياة ، إلى قائمة الأعمال ، ويكون هذا عند من لا تطالعهم الدنيا بهم ، وهم قليل ، أو عند من يعيشون ولا تسمو بهم همة ، ولا يرتفع بهم مطلب ، فوق مطلب العيش الرخيص ، وهم كثرة ، وهم - إن أردنا الصدق - سواد هؤلاء الناس .

تمر الحياة ، فى بلاد - وقد تكون بلادى - فيلابسها الناس كما يشاؤون ، وكما يحلو لهم . وتختلف الشكول ، وتتعاقب المناظر ، ولكنها تبقى عند من لا يغترون بالظاهر ومن يطلبون زادا لغير الفم ، وريا لغير الحس ، فارغة كفراغ الأبد ، كريهة كالموت .

وتبقى هى هى على اختلاف المناظر ، وتغاير الصور ، منظرا متكررا ، يوحى الملل ، ولا يجود بغير السأم . . . الدهر على طوله " يوم واحد " . الصبح يطلع على مثله .

والليل ، الليل العجيب لا تنفد أسراره ، ظلمة محلولكة ، يتصل السواد فيها بالسواد . ولم كل هذا ؟ لأنها خلت من عنصر الشعر . . . والحياة إذا خلت منه يبقى فيها أشياء كثيرة : يبقى فيها الطعم الشهى ، والمشرب الهنئ ، والفراش الوطئ . . ولكنها مع هذا تبقى تافهة ، ثقيلة على كثير من النفوس . . . ولا يبقى فيها إلا المعنى المبتذل الرخيص .

فى الشعر حب يسمو بالروح ، وجمال يرتفع عن مطالب البدن ، وفيه سمو فى العاطفة ، وفيه نيالة ، وفيه خلود ؛ فاذا أقفرت الحياة من هذه العناصر التى يتكون منها الشعر ، فماذا عسى أن تكون ؟ وماذا عسى أن يبقى فيها ؟ كيفما كانت فهى حياتنا التى نحياها ، وأيامنا التى نمضيها . فوا رحمة الله ، أ إذا عد المجاهدون ، واحتسب الناس أعمالهم ، فهل لنا أن نحلم باحتساب وجودنا ؟ . . كيف ؟ ولم نرابط ، ولم ننفق فى سبيل الله درهما . . .

الشعر يرحب الآفاق ، ويصل المعلوم بالمجهول ، فترتمى العين ، تغرق فى اللانهاية . ويسبح الفكر طليقا حرا ، لا يقيده مقيد ، ولا يحد من نشاطه محدود ... ثم تحملك القصيدة المجنحة إلى أين ؟ لا ندرى ، ولكن يقول الذين ذاقوا لذة الحياة فى الشعر : إلى دنيا حالمة ، كوعد الحب ، نحزره من حركة الشفة أكثر مما تتبينه من تمتمة الكلمة السكرى بخمرة الريق . . .

فإذا لم يوسع فى الحياة الشعر ، ولم يمد فى أكنافها ، انكمشت على نفسها ، وانطوت على ذاتها ؛ فهى فى رأى العين بيت تحده جدران أربعة ، وهى فى رأى الفكر المكدود ، ديوان عمل ، نريق فيه بقية الصبا ، ونديل على أعتابه أطابب ما فى الشباب . . . وإذا كانت مطالب الحياة السخيفة تفسرنا على المنافحة ، لا على مبدأ حق ترتفع به ، ولا على إزاحة ظلم نسمو بسحقه . . .

وإذا كان هنالك من يصر على أن هذه هى الحياة ، فله ذلك ، على أن يقر أن مهارشتنا قصيدة أروع ما فيها صفارة الجندى ، وبينها الفذ عصاه . . . إننا نرقى ولكن إلى تحت ، ونعيش ولكن العيشة التى يشاطرنا إياها كل من دب وعاش لغير الجمال والحق . . .

والذى يعيش فى عالم الشعر فحسب ، يدرك السمو فى قول الحق ، ويدرك أى قلب يدمى ، وأى جناح يهاض

فى سبيله ؛ فمن دمه تنبت البذرة ، وعلى جناحه المهيض يعلو ويشمخر بناء الحق . . . فإذا كنا يقعدنا الخور ، ويعجزنا الافقار ، فتمر بنا مشاهد الظلم ، وصور الذل والضيم ، فلا نرفع رأسا ، ولا نحرك ساكنا ، بله أن ننطق بكلمة ؛ فما عسى أن نسمى هذه الحياة ؟ أهى حياة ؟        حياة على رغم منا ، ولكن . . . بلا شعر .

وإذا كانت الحياة لا ترينا من الجمال إلا أتفهه ، الزهرة تحلم ، والفجر يطل على الخليقة كالأمل مستسرا ثم يتفتح قليلا قليلا . . . ثم نحن أولاء لا نرى فى هذه إلا مناظر متكررة ، وصورا معادة ، لا يليق أن يأبه لها خيال الرجل ذو الأيد . وإذا كان الربيع يزحمنا إلى بيوتنا ، ثم نحن لا نرى فيه إلا أقواتا لدوابنا ومواشينا ، فأى معنى سام بقى فى الحياة الخالية من الشعر ؟ .

مر على هذه الدنيا أناس كثيرون ، تبرموا بها ، وسخطوا عليها ، ولا إخال الساخطين والمتبرمين نقموا عليها ، على الحياة التى استأهلت ضجرهم ، واستحقت مللهم ، إلا لخلوها من الشعر والحياة به . . طلبوا العدل ، وهل العدل إلا عند من يتفهمون الشعر ، ويحيون له ؟ .

إن الذين يرون أن حياتهم يوم وتنتهى ، لهم أحرص على يومهم من أن يفقد رونقه ، ويخسر بهجته ، بإعطاء الحق من أنفسهم للناس . . طلبوا الرحمة ، وأين الرحمة عند من لا يحسون الحياة إلى بحواسهم ؟ وكيف يرون ، ودبيب الأسى يري بغير الباصرة ؟ وكيف يسمعون ، وأنات الشجى تسمع بغير الآذان ؟ . . نقموا عليها أشياء وأشياء ، وإذا رحت تجمعها ، فليست إلا الشعر ، وما ينطوى تحته ، وما ينبعث منه .

يقولون إن المرء يطالع فى الحياة صورة نفسه ؛ فإذا صح هذا وهو صحيح ، فمعنى هذا أن نفوسنا هى المقفرة من دواعى الجمال ، ومستوحيات النفوس الشاعرة ؛ ولكن يبقى مع هذا شىء ، وهو أن النفوس التى ترى الجمال

وتعشقه ، لا تسر به ، ولا تهدأ بعشقه ، إلا إذا وجدت من يشاطرها المتعة . . . ، وشىء آخر : أليس من المؤلم - على كل حال - أن فى هذا الركن من الدنيا نفوسا تعرف لذة الحياة فى الشعر ، ولا تستطيع أن تحيا هذه الحياة ؟ . إخال أن هذا أشد ما يمر على النفس من ضروب الإيلام . . .

رب إذا كان التبرم بالحياة بداية التحول إلى ما هو أسمى وأمثل . . فهل يكون تبرمنا من الواقع ، وتأففنا منه " قصيدة " . . . عسى وعسى أن نسلك بها فى عداد الخالدين .   ( شرق الأردن )

اشترك في نشرتنا البريدية