إلى الاساتذة الأجلاء الذين شهدوا ندوة لجنة التأليف والترجمة والنشر في مساء الخميس ١٢ من نوفمبر سنة ١٩٤٢
هل تافه وحقير هذا العالم المادي الذي نراه ونعيش بمنطقه وقوانينه الطبيعية بأجسامنا العجيبة حتى لا نحتكم إليه بل نرفض احكامه ونفر للخلاص منه ونبحث عما وراءه من عالم الغيوب ؟
هل يئسنا من صدق عالم الأجسام وكلماته وقوانينه فينبغي إلا نعتمد عليه في بناء نظرياتنا عن الحياة وعن الله ، وفي الملاءمة بين ما فيه وما في أفكارنا وأحلامنا من عالم الجمال والمثل العليا ؟
هل قليل أن يفعل الإنسان في الأرض ما فعل ، ويقيم ما اقامة في عالم المادة والحركة والقوة والفن ، حتى لا تتضح بعض الغايات العليا من خلق الإنسان ووضعه في الأرض ، وحتي يحتقر الحياة المادية بعض المفكرين ويضيقوا بها ذرعا ، ويحاولوا الفرار من وجهها ويسفهوا الاحكام التي انتزعها العقل منها ، ويبحثوا عن غيرها قبل إتمام البحث عن آياتها وشئونها هي اولا ، وقبل الفراغ من فهم اتجاهاتها الكلية على الأقل
إذا لماذا كان إخراجهم إلي الأرض في قوالب هذه الأجسام التي أعدت إعدادا خاصا لتلقى تأثيرات المواد والقوى والانفعال بها والفعل فيها واستخلاص الأحكام العامة منها ؟
ولما ذا لم يخرجنا واهب الحياة إخراجا غير هذا الإخراج بهذه الأجسام ما دامت لا تكفي في البحث عن صفاته واليقين به ، وإدراك بعض ما اراد ان ندركه مما عنده ، حتى يلجأ بعض الناس إلي الانسلاخ من الأجسام بكبت نوازعها الحسية وتعطيل شهواتها الغريزية ؟
ثم ماذا يريدون أن يدركوا من الله بعد صفاته التي أدركوها من آثار صنعه في الطبيعة ؟
أيريدون أن يروه أو يلمسوه أو يعرفوا كنه تكوينه ؟ ذلك ضلال عقلي مبين قبل ان يكون ضلالا دينيا مبيناً ... لأن العقل الذي استفادوه من الطبيعة يحكم بأن المحدود لا يجوز أن يستوعب غير المحدود . ولأن الدين المأثور نهاهم عن هذا المطلب حين قال : " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ، " لا تدركه الأبصار " " إن الله احتجب عن الأنظار ، وإن الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه "
ثم لماذا لا يوجهون تفكيرهم إلي المصنوعات وأسرارها حتى يفرغوا منها فيبحثوا عن غيرها مما استتر واستكن هل يكتفون بالقاء نظرات خاطفة على سطوح الأشياء وأشكالها ثم يسأمون النظر إليها ويطلبون رؤية غيرها ؟ هل يستعجلون نهاية الدنيا بينما لم يدرك أكثرهم منها مشاهد مكانهم الذي ولدوا فيه ؟ وهل يكفي ليقال : إنك رأيت الحياة وذقتها ان تري بلدك وحده او وطنك وحده أو جنسك وحده أو قارتك وحدها ، كما يفعل الذين يرسلون خواطر السأم والسخط على الحياة لأنهم لم يسيروا في الأرض فيشاهدوا معروضات الله من ناسها وحيوانها وجبالها وأنهارها وبحارها وصحاريها وأجوائها ، بل حبسوا أنفسهم في الأديرة والتكايا والزوايا حتى ركدت الحياة في قلوبهم فعفنت وامتلأت بالخواطر السوداء والأذواق المريضة ، وحتي تراءت الدنيا على رحبها في نظرهم ضيقة محدودة مملة لا تأتي إليهم بجديد يثير تطلعهم ولذتهم وتعجبهم ، ويطرد خواطرهم السوداء الدائرة حول مطلب واحد لن ينالوه ما داموا في ذلك القفص المادي ، الذي وضعوا فيه ليعرفوه بالذات قبل غيره ، وليتدرجوا من معرفته إلي معرفة ما وراءه .
إن الله فنان بديع ، ما أخرج إلي الحياة زهرة جميلة
او شوكة قميئة ، أو اصباغ شفق ، أو فحمة غسق ، أو تنفس صباح ، او سجوة مساء ، أو صحوة نهار ، أو وهج ظهيرة ، أو طفل اصيل ، أو رقرقة غدير ، أو شموخ جبل ، أو عباب بحر ، أو اختلاف أجناس الإنسان والحيوان والنبات ، إلا وقد أراد أن نقلب فيها حواسنا وأفكارنا وأن نأخذ منها أذواقنا ، وتهيج بها اطرابنا واشواقنا ، وندرك منها اسراره فيها وأسرارنا !
فمن اغلق حواسه وافكاره عنها فقد استحق سخط ذلك الصانع البديع الغيور علي ما صنع ، الحريص على ألا تضيع غاياته من مصنوعاته .
فما ابر أولئك الذين نسميهم " ماديين حين يقصر احدهم حياته كلها على دراسة حشرة واحدة او خصائص معدن واحد او ظاهرة طبيعة واحدة ، ثم يرفع نتائج بحثه إلي واهب الحياة وإلي الإنسانية فيضيف إلى ثورة علمها أو مهارة عملها شيئا يوسع مداركها ، أو يخفف مشقاتها في الأرض التي اختارها الله داراً لها !
ليس من المعقول أن يكون الإنسان مخلوقا ليستمر بعيد عن طريق الكلام والأوراد والأذكار وحدها ، على اسلوب الصوفية المنقطعين والرهبان والفلاسفة القوليين . بدون ان يعمل في الأرض أعمالا تظهر أسرارا من أسرار التكوين والعمران والتنويع في العالم المادي الزاخر بالمواد الخامة التي تنتظر الصنعة وتطيع إرادة الإنسان .
وكل المطلوب في الفلسفة النظرية هو علم العقائد الفطرية البسيطة ، وعلم أصول الأخلاق واستنتاجها من تفاعل الأفراد والأمم في المجتمع ، وتسجيل النتائج بالأسلوب العلمي كما يحصل في نتائج أبحاث الظواهر الطبيعية والكيماوية وإقامة هيكل المجتمعات على أسسها
وما عدا ذلك من المجهود البشري يجب أن يبذل في
العمليات والكشوف الطبيعية والاختراعات ووسائل الترفيه عن ذلك الإنسان المجاهد - الفنون الجميلة - بالقدر اللازم الذي يزيل عنه عنت الجهاد .
والاحتكام إلي الطبيعة هنا يرشدنا إلي النسب التي يجب أن تكون في حياتنا من هذه الثلاث
والاحتكام إلي أثار الاتجاه الصناعي والعملي في حياة الإنسانية الحالية يكفي لأن يزيل من أفكارنا ظلال المأثورات الفاسدة ، التي تقيد القوة العملية في حياة الإنسان وتجعله يدخل الحياة ويخرج منها وكل تاريخه في الأرض حفظ كلام وصنع كلام . بينما الطبيعة حوله عمل وصمت .
لو كان ظاهر الحياة لا يكفي لليقين بالله لكان من المحتوم أن يخلق الله للناس حاسة سادسة أو وسيلة أخري غير العقل حتى تقوم حجته على الجاحدين والمنكرين . وإن الأديان حين أرادت أن تبصر الضالين وتهديهم إليه لم تعتمد على غير توجيه أنظارهم إلي ما خلق الله من شئ .
فالقرآن وهو أعظم كتاب خدم البيان الدينى وقدم أجل صورة بارعة لعظمة الله لم يتعرض لوصفه بأكثر مما يستمد من الطبيعة وفيها الإنسان !
والعقل البشري معذور حين لا يستطيع ان يصف الله بأكثر مما ينتزعه من الطبيعة ، لأن العقل ذاته مرآة لا ينطبع فيها شئ من غير الطبيعة ، فإذا تخيل صفات الله صورة كاملة من صفاته الإنسانية الناقصة فقد فعل ما لا طاقة له بغيره .
وإذا أدام النظر في الطبيعة وانتزع منها أحكاما جازمة تليق ان تكون من مقاصد الله فلا يكلف وهو في الأرض أكثر من ذلك .
أما أن يحاول أن يصل إلي صفات لله وأحكام غير ما توحيه الطبيعة إلي العقل ، فذلك شأن يكون ضلالا إذا لم
يكن صاحبه معتقدا أن ما في الطبيعة يكفي . ويكون تضييعا لغرض العلم بما في الطبيعة من اسرار يجب ان يعلمها قبل مفارقة الأرض . وإن سرا طبيعيا واحدا يهتدي إليه فينتفع به الناس في تسخير قوة أو تخفيف ألم او تقليل مشقة ، أو اختزال مسافة ، لانفع ألف مرة ومرة للنفس وللإنسانية وللدين من خفقة روحية يلتذ يها ناسك واحد نتيجة موجة خفية تنساح إليه من عالم الغيب .
إن حدود الدين هي حدود العلم الطبيعي لو وقف الناس عند توجيهها للنفع الخاص والعام ، وإننا لا نعرف الله بأكثر من البحث عن أسراره التي خبأها لنا في هذا الكون المادي .
وما لنا لا نستغني هذه الحياة المادية التي نحياها الآن ؟ إنها أكبر برهان على أن الاتجاه الطبيعي لحياة الإنسان إنما هو في الكدح والكشف عن الأسرار المادية ، أسرار التكوين وأسرار التخريب ليعمر الحياة بالأولي ويدمر العقبات بالثانية
إننا جعلنا جميع القوي والمواد تخدمنا وتسهل حياتنا وتجعلنا محوطين بجو من الأمان والراحة ما كان يخطر ببال السابقين إلا في عالم الأحلام والخرافات !
أما النساك والمتصوفة المنقطعون فإن وصلوا إلى سر مما وراء الطبيعة يريح نفوسهم فهم لا يستطيعون نقله إلي الأرض ونفع الناس به إلا بقول شعري يعبر عما يشعرون به وحدهم .
فميراثهم رموزه وجهودهم لانفع فيها للإنسانية الكادحة المجهودة التي تبتغي تخفيف آلامها وتقليل مشقاتها ومحاربة أمراضها حتى ترضي عن الحياة فترضي تبعا لذلك عن واهب الحياة ، فتعبده عبادة الرضا والشعور بالسعادة والبهجة في هذه الدار التي أخرجت إليها من غير اختيار منها واستشارة لها .
وإنما ينقص الإنسانية الآن لتشعر بالسعادة والسلام أن تذكر الله عند كل علم وعمل ولذة ومع كل ألم ، وألا تتعدى حدوده التي وضعها في كل شيء بين خيره وشره وفي كل شئ خير وشر .
وإن نظرة واحدة عميقة إلي الحياة لكفيلة أن توحي إلى كل منصف متزن أن وجهة الحياة هي الخير والرحمة والبر ، فان خير الحياة أكثر من شرها الطبيعي . وإنما يضاعف الشر وينميه ويلقي على الأرض القتام والظلام والآلام في انظار الناس انما هو شر الإنسان الذي مبعثه الغضبية والأنانية والشهوة الجامحة العارمة .
فالحياة من يد الله بريئة صحيحة صادقة مسالمة تسبق بالرحمة وتسبغ البر والحب ، وليس فيها من الالم إلا ما يستتبعه الفناء والصيرورة والتوقيت والإنتقال من حال إلي حال ، حتي الموت فإنه لدي النظر العميق ما هو إلا تمهيد لانتقال من حال إلي حال !
وعلى ذلك فالألم الذي يجعل أكثر المتصوفين والرهبان يفرون من الحياة إنما هو من اعتداء الإنسان وظلمه وبنيه على نفسه وعلي عوامل الحياة ومصادرها
وإننا لننفع الحياة والدين والاجتماع أعظم النفع إذا ما توصلنا إلي التقليل من أسباب الألم ؛ وإننا حين نحققه لنطمع ألا ينقطع عن الحياة المادية وحياة الاجتماع أي أحد ، بل نطمع أن يرجع إليها الفارون منها ويتعشقها الساخطون عليها ، ويشغل بها من يحتقرها .
كلا ! لم يخرجنا رب الحياة إليها لنقول له : مشاهد هذه الدار لا تكفي لليقين بك وإدراك حقائق الوجود ، إن دارك هذه دار مأس وآلام ! أسرع بإخراجنا منها . كأن في الإمكان أبدع مما كان . ها هي هبتك مردودة عليك لا نريد لا نريد !
وإذا كان لصرعي الظلم والمرض والجهل والفقر في
الماضي أن يتسخطوا ويترموا ويفروا من الحياة ويتركوا ميراثا كبيرا من أقوال السخط والتشاؤم ، لأنهم كانوا يعيشون بين ضرورات العجز والجهل والقصور عن رؤية وجهات الحياة ، وعن امتلاك بعض نواحي الطبيعة . فإنه لا عذر اليوم لمن يسخط على آلام الحياة وهو يملك تقليل أسبابها . . وأولي بالساخطين والفارين أن يجمعوا أمرهم على الجهاد في سبيل تقليل الآلام والظلم جهادا صادقا مكتمل الأدوات والوسائل صحيح الأهداف
إنهم إن فعلوا يكن لهم شرف الانتساب إلي جنود الله الذين يوسعون دائرة الحب والرحمة ، ويسددون عوامل التكوين والإنشاء ، والتعمير والتجميل التي تزيد دار الله هذه جمالا على جمال

