كلمة النجاح على إطلاقها يكتنفها الغموض وينقصها التحديد ، وليس هناك مقياس ثابت للنجاح متفق عليه ، فما هو في رأي بعض الناس من قبيل النجاح قد يكون في نظر غيرهم فشلا ذريعا . وسأعمل في بادئ الأمر على تبديد بعض السحب المتجمعة في جو الموضوع قبل المضي في الحديث عنه .
إن المواقف التي يقفها الانسان من الحياة على اختلافها وتباين طبيعتها لا تعدو أربعة مواقف رئيسية ، وهي : موقف الرجل الذي يعول على العاطفة والاحساس ويقفه من الحياة رجال الفنون والآداب على اختلاف أنماطهم ؛ وموقف الرجل الذي يعول على التفكير والتأمل ، وهو موقف العلماء والفلاسفة والمفكرين على اختلاف طبقاتهم ؛ وموقف الرجل العملي الذي يرجح جانب العمل على الفكر والعاطفة ، ولا يتقيد كثيرا بقوانين الأخلاق ، وهو موقف السياسيين ورجال الأعمال ؛ وموقف العملي الأخلاقي ، وهو موقف يتمثل بأسمى مظاهره في حياة
الأنبياء والقديسين والشهداء .
وهذه المواقف قائمة على تنوع الملكات الإنسانية الأصيلة ، فإنها إما أن تكون ملكات فنية خالصة ، أو فلسفية أو علمية أو عملية أو عملية أخلاقية ؛ وكل ضرب من ضروب النشاط الانساني يمكن رده في شيء يسير من التحليل إلي إحدي هذه الملكات . ولا خفاء في أن هذه الملكات لا تبدو في الأشخاص منفصلة بارزة الحدود ، بل قد تلتقي في الأفراد بنسب متفاوتة ومقادير مختلفة . ولا مفر لمن اراد أن يفهم الحياة عن طريق التحليل والمنطق من الاعتماد على أمثال هذه التقاسيم . أما الذين يحاولون أن يعرفوا الحياة عن طريق الأدراك المباشر مثل الصوفية فلا حاجة بهم إليها .
والنجاح في كل ميدان من الميادين التي يعمل فيها النشاط الإنساني المستمد من هذه الملكات المنوعة يختلف عن النجاح في الميادين الأخرى ، فنجاح الفنان في فنه معناه توفيقه في تجويده ، واقترابه من مثله الأعلى ، وتقدير
كبار الناقدين والعارفين له ؛ ولكن هذا النجاح الباهر في عالم الفن قد يكون مدعاة لفشله في الحياة العملية فشلا مؤلما متصلا ؛ فكم من شاعر أو مصور أو موسيقار الهاه إخلاصه لفنه وتفانيه في إجادته عن اقتناص الفرص واصطناع الوسائل المجدية لنيل الشهرة واجتذاب الأنظار ، فظلت عبقريته متكورة ومواهبه غير مقدرة حتى وافاه الموت ، ولم تعرف قيمته إلا الأجيال التالية لجيله .
كذلك المفكر ، فإن مقياس نجاحه هو تفوقه في تفكيره ، وتعمقه في بحثه ، وقدرته على الانتهاء إلي أفكار غير مسبوقة ، والكشف عن عوالم الخواطر المجهولة ؛ ولكن هذا الأخلاص في البحث ، والتعمق في الدرس والتوفر علي حياة الفكر ، قد لا يمكنه كل التمكين من النجاح الدنيوي ، ولا يمهد له أسباب اغتصاب المجد والشهرة والتألق في المجتمعات ؛ ولو أنه حرص على ذلك لجار على تفكيره وصرف نفيس وقته وعظيم مجهوده في مظاهر جوفاء ومجاملات تافهة وأحاديث مملة سخيفة ، التماسا للنجاح اللماع وتوسلا إلي الشهرة البراقة . وإخلاص المفكر لتفكيره قد يجلب له الأعداء ، ويخلق الخصومات التي تعوق تقدمه وتعرقل سيره . وأضرب مثلا لذلك فيلسوف ألمانيا الكبير أرثر شوبنهاور ، فقد كان رجلا مخلصا في تفكيره إلي أقصى حدود الاخلاص ، صادقا في التعبير عن وجهة نظره ، لا يتملق حاكما ولا عظيما ، ولا يترضي عاطفة وضيعة أو نزعة سائدة ، وإنما يمضي مع منطق تفكيره حتى النهاية ، فهو مثل أعلى للمفكر المخلص ؛ ولكن هذا الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة ، والترفع عن الدسائس ، وتملق الجماهير ، واصطناع الأساليب الدنيوية ، وتقصيره في أساليب الدعاية والأعلان عن النفس ، كان من أقوي أسباب فشله والإعراض عن فلسفته ؛ وقد عاش مجهولا من معاصريه غير معترف به من الجامعات ، وغير مقدر من أضرابه ولا من الجمهور ، وذلك في عصر نهضة فكرية مأثورة . ولولا أنه كان في سعة من العيش بفضل ما ورثه عن أبيه لساءت
أحواله وانتهت حياته بكارثة فاجعة . ولم يتيسر لألمانيا المفكرة الفلسفية أن تعثر على هذا الكنز المخفى الدفين ، وتقدر هذه العبقرية النادرة المثال إلا في السنوات القلائل الأخيرة من عمره الطويل ، وذلك في حين أن غيره ممن هو اقل منه في مرتبة التفكير وصحة الرأي كان موضع التقدير ومناط الإعجاب .
ونجاح السياسي معناه تحقيق غاياته ، وتنفيذ خططه السياسية دون أن يبالي بالوسائل والأساليب ، فكل وسيلة عنده مشروعة ما دامت تقربه من غرضه ، وتعينه على تحقيق مطلبه . أما العملي الأخلاقي مثل المصلحين والزعماء الأخلاقيين فطريقه كثير العقبات ممتلئ بالصخور والأشواك ، لانه لا يريد ان يشتري النجاح بأي ثمن ، وإنما يريد أن يحقق مثله الأعلى في الفضيلة ، ويحاول أن يشق طريقه في الحياة ، متغلبا على مغريات الدنيا مستعليا على الشهوات ؛ ومقياس النجاح عنده هو شدة استمساكه بمبادئه ، وتعلقه بمثله الأعلى ورفضه كل ضروب المساومة ؛ وسعادته هي ان يضحى بكل شئ في سبيل تحقيق غايته ؛ وقد يفوت عليه ذلك كل فرصة للنجاح الدنيوي والسعادة التي يفهمها الناس والراحة التي ينشدونها ، وسيرة الأنبياء والشهداء خاصة بما استهدفوا له من صنوف الإيذاء وألوان الآلام .
وهذه هي مظاهر النجاح في معناه الواسع العام ، ولكن للنجاح معني آخر محدودا هو الذي يقصده أكثر الناس في أحاديثهم الدارجة ؛ ومن أمثلة هذا النجاح المعهود نجاح التاجر في تجارته وتزايد أرباحه ، وتوفيق الموظف في وظيفته ووثوبه إلي اسمي المناصب ، ونجاح أصحاب المهن الحرة والصناعات المستقلة ؛ وظروف العالم الحالية أكثر مواتاة للنجاح والتبريز في هذه الميادين ، لأن نزعة العصر الدمقراطية ، وعدم تعليقه كبير أهمية على مسائل الحسب والنسب ، قد فتحت الأبواب لجميع الطبقات ؛ والنجاح في تلك الميادين يتوقف جزء منه على الظروف والملابسات ،
وجزء آخر علي كفاءة الشخص ومجهوده ومضاء عزيمته وإرهاف ملكاته . وأقوي الأسس التي يقوم عليها النجاح في أمثال هذه الميادين هو الواقعية ، وأقصد بها القدرة على فهم الأشياء على حقيقتها مجردة من الأوهام والخزعبلات ؛ ثم الصبر علي العمل والنشاط المثمر الخصب ، لأن من الناس من ينفق جهده في أشياء تافهة غير جديرة بالعناية ؛ والمحافظة على الصحة وسلامة البنية ، لأن الرجل الذي تعتل صحته ويتعكر مزاجه ، يفقد في كثير من الحالات القدرة على العمل ، وبقل نشاطه وإنتاجه ؛ وقد لا يتوفر على الدوام وجود العقل الحكيم في الجسيم السليم ، ولكن إذا وجد العقل الحكيم ، فقد يضعفه سقم الجسم ويعرضه للعلل والأمراض ؛ وهذه الصفات لازمة جميعها ، لأن الواقعية أو إدراك الأشياء على حقيقتها لا تجدي إذا لم تقترن بالعزيمة الماضية ، وصدق الحكم لا يدوم إذا لم تمده الصحة الوافرة وسلامة البنية ؛ وتلك هي أركان النجاح ، ولكنها لا تجدي كثيرا إذا لم تؤيدها صفات أخري ؛ فالنجاح في ظروف كثيرة يتطلب شيئا من التوسط في المحاسن ، والاعتدال في الصفات المرغوبة ، فهو يتطلب الإقدام والشجاعة ، ولكن على شريطة أن لا يصل الإقدام إلي حد التهور والاندفاع ، ولا أن تنحدر الشجاعة إلى العناد واللجاجة ؛ واقتران الرأي بالشجاعة من أقوى أسباب النجاح كما قال أحد من جربوا الحياة وفطنوا إلي أسباب الفشل وهو أبو الطيب المتنبي :
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة غالت من العلياء كل مكان
والعقل المهيأ للنجاح يمتاز بالمرونة ومجافاة التصلب ، ولذا قل أن يوفق أصحاب النظريات المثاليون وذوو المبادئ المتشددون ؛ والنجاح يتطلب الاعتداد بالنفس والاعتزاز بالكرامة ، لأن من هان عند نفسه هان أمره على الناس ؛ ولكن فرط الاعتداد بالنفس قد ينقلب غرورا مملولا وثقة بالنفس عمياء تفوت على الإنسان فرص النجاح وتلحقه بجماعة الفاشلين .
وهذه هي الأوجه الزاهرة المحبوبة للنجاح ؛ ولكن للنجاح بعض الجوانب المستبشعة التي يعمل على ستره بعض الناجحين كأنها سر يحتفظ به ؛ وكما تعمد ما كيافلي أن يهتك أسرار سياسة الأمراء في كتاب " الأمير " فكذلك تناول هذه النواحي المظلمة الكاتب الألماني المعروف ماكس نورداو في مقال له عن النجاح ، فقد تخيل للنجاح مدرسة يلجأ إليها الناس ليتعلموا النجاح ويتلقوا مبادئه ؛ وهو يوصي طلبة تلك المدرسة بترك التواضع ، لأنه لا يجعل أحدا يعترف للإنسان بمزية ، وقد يظفر المتواضعون بعد مماتهم بلوحة تذكارية تنصب علي قبرهم ، ولكنهم لا يظفرون في الحياة بالمال ولا المجد ؛ ويوصي الطلبة كذلك بكثرة التحدث عن النفس ، لأن جزءا مما يتحدث به الانسان عن نفسه سيظل عالقا بأذهان السامعين باقيا في ذاكرتهم مهما تظاهروا بالضيق والتأفف ؛ فامتدح نفسك وغال بقيمتك وارفعها إلي أعنان السماء وأغدق على نفسك أعظم النعوت وأجل الصفات ، وأثن على مجهوداتك وفاخر بمناقبك وحسناتك ، وتحدث عن كثرة المعجبين بك وردد ما قالوه في مدحك ، واخترع إذا استلزم الأمر فإن نجاحك بعد ذلك مضمون وآت لا ريب فيه ؛ وسيسخر منك العقلاء المتزنون ويزدرونك ، ولكن لا بأس عليك من ذلك ، فالعقلاء في هذه الدنيا قلية لا يؤبه لها ولم يوكل إليهم أمر توزيع الجوائز في حفل الحياة وسيأخذ خصومك عليك ذلك ، ولكن هذا لحسن طالعك وإقبال حظك ، لأنك تستطيع في هذه الحالة أن تقذفهم بتهمة الحسد والكيد لك وتكتسب بذلك تأييدا جديدا ؛ وسيردد الناس بعد ذلك أحاديثك عن نفسك ، وكن سليط اللسان متوقحا غير متردد في تجريح الناس ونهش أعراضهم مرعوبا منهم ، وهم يتملقونك بعد ذلك ويتبارون في تقديم الطاعة والقرابين لك . ولا تنتظر العدالة وحسن النية وصدق التقدير من أضرابك ، فإنما همتهم تكبير أخطائك وإظهار ما خفي من عيوبك وإلقاء الدول علي ما يظهر من محاسنك . ولا تحفل إلا بالجمهور من ناحية وبالأفراد القلائل ذوي النفوذ من ناحية أخري . وتكبر على من هو دونك وتضاءل
لمن هو فوقك ، وليس هذا من هين الأمور ، ولكن يمكن إتقانه والتفوق فيه بطول المارسة ومداومة التجربة .
فأساس النجاح في رأي نورداو هو هذا الاعتداد الغليظ بالنفس ، والصفاقة السافرة في الاعلان عنها ،
ومداهنة الأقوياء وذوي النفوذ ، والبعد عن الصراحة في إعلان الرأي ، ولكننا خلقاء بأن نلاحظ أن بعض الناس يغالون في اتهام الناجحين ويسلقونهم بألسنة حداد ، لأنهم يجدون في ذلك راحة وعزاء ، وتسويفا لخمولهم وتقاعدهم ، وكل نجاح في رأي هؤلاء " القعديين " المحدثين قرين الفساد الأخلاقي والالتواء النفسي ؛ وإننا نخطئ إذا حكمنا على الناجحين الموفقين بما نتلقاه من أفواه حساد فضلهم وضحايا نجاحهم ، لأن نجاح شخص معناه فشل غيره . ومن الملحوظ أن هناك تجاوبا بين الصفات المؤهلة للنجاح والبيئة التي يعيش بها الانسان ؛ فقد تكون الرجولة الكاملة ، والاستقامة التامة ، والهمة العالية ، والذكاء الوقاد ، من دواعي الفشل في بعض البيئات التي لا تحسن تقديرها ، وتسيء فهمها ، وقد يكون
الضعف والاستكانة والملق ، وخمود الهمة ، وجمود القريحة ، من دواعي التوفيق والنجاح ؛ وهذا شر ما تبتلي به الأمم ، وأقسي ما يمتحن به أفاضل الناس ، وبترك ألبابهم حائرة ، وعقولهم ذاهلة !.
