الجسم كالآلة الميكانيكية التى لا تسير إلا بوقود يولد طاقة تتحول إلى حركة ، ووفود الحسم الغذاء الذى يتحول إلى طاقة ، والطاقة هى المقدرة على إحداث الحركة ، والطاقة تتحول فى الجسم إلى عمل نافع ، وإلى حرارة تحفظ درجة حرارته ، كما تحول الطاقة التى فى الشلالات إلى كهرباء تستغل للاضاءة ، وإدارة الآلات ، وفى الطهى والـكي والغسل والتنظيف والعلاج .
وكل أنواع المواد الغذائية تستعمل فى الجسم وقوداً ، ولكن أكثرها استعمالا المواد النشائية (كربوهيدرات ) بصفة عامة ، والمستمدة من الحبوب بصفة خاصة ، كدقيق القمح والأذرة والشعير والأرز ، وذلك لووفرة وجودها بـها ولشيوعها فى كل مكان وارخص ثمنــــــا ، فتوجد بنسبة ثمانين فى المائة فى الأرز ، و ٧٥ فى المائة فى دقيق القمح ، و ٦٩ فى المائة فى دقيق الشعير ، و ٧٠ فى المائة فى دقيق الأذرة ،
و ٦٩ فى المائة فى دقيق الأذرة الرقيمة . ويصنع الخبز عادة من القمح أو الأذرة أو الشعير ، إما من كل على حـــــــدة ، أو مخلوطا من اثنين منها ، ويصنع إما من الدقيق كاملا ، أي بنخالة ، أو خاليا منها خلواً شبه تام . ويعرف هذا هذا الدقيق بالدقيق الأبيض . وقد تصل درجة نقاوئه إلى حد البياض الشاهق ، أو نُبقي الدقيق والنخل على درجات ، فبعضه لا يستخلص منه حتى لغاية ثمـــــــانية فى المائة من النخالة . وهذا الدقيق ما يسمى بالدقيق الكامل .
ومن حيث الثمن فيتبين ذلك من أن معظم نشائياتنا فى القطر المصري نستمدها من الدقيق ، لأنه علاوة على رخص ثمنه فإنه يأخذ فراغا كبيرا من المعدة ، ويسد فراغ الشعور بالجوع . وإذا علمنا أن المصري المتوسط العمل يأكل ثلاثة أرغفة فى اليوم ، والرغيف زنته حوالى مائتى جرام أى أربعة وستين درهماً ، وثمنها قبل الحرب ستة مليمات وبعد الحرب خمسة عشر مليا ، بينها إذا استمد الإنسان هذا القدر من النشاء من البطاطس أو الموز ، وهما
مصدران غنيان به ، إذ بكل منهما حوالى ثمانية عشر فى المائة - لتكلف فى حالة البطاطس ثمن حوالى أقة وأوقيتين ، أي أحد عشر مليما قبل الحرب ، و ٧٥ مليما بعدها ، وفى حالة الموز ما ثمنه ٢٢ مليما و ٧٥ مليما على التوالى فى الحالتين المذكورتين ، لأن الخبز يحتوي على نصف وزنه دقيقاً تقريباً ، فيكون ما يتناوله الشخص يومياً ثلاثمائة جرام من النشاء ، أى ما يعطى خمسى ما يلزم الإنسان من الحرارة ، وباقي ما يلزمه من الوقود التشائى وهو معادل ما يأخذه من دقيق ، يستمده من السكريات والفواكه ومن غيرها ؛ فمن هنا نرى رخص ثمن دقيق الحبوب كوقود ، وندرك سر ذيوع استعماله كوقود ، حتى إن بعض سكان القطر المصرى لا يعتمدون على غيره كوقود ، وإن كان لهذا ضرره لما يحدثه من حموضة وانتفاخ وعسر هضم ، إذا يلغ فى الكمية التى تؤكل منه .
ويدرك القارئ من هذا أن تسمية الخبز عصب الحياة لها اساس من الصحة وليست كل الصحة ، وذلك بفضل المدنية حيث أطاحت بنا بعيداً عن وسائل أسلافنا فى تحضير طعامنا ، ليكون أجمل منظراً وأحسن مذاقا وأطيب رائحة وأسهل تناولا ، لأن أجدادنا كانوا يأكلون الحبوب كما هي او مجروشة كما يفعل العرب الرحل ، او مطحوبة بطاحوبة من حجر ، وكانوا يجهزون خبزهم بأسهل الطرق وابسطها ، اي انهم كانوا يأكلون الحبوب كاملة بقشورها الداخلية ، وكان دقيقهم أسمر اللون لا شاهق البياض كدقيقنا ، ولكنه من يوم أن اخترعت الات الطحن والنخل حُرمنا من بقايا المواد التي تتركب منها الحبوب .
وهذه الموادلم توجد عبثا بها ، فإننا تحرم فعلا من الجزء الحى بالنبات ، لأنه بالطحن والنخل نزيل القشر الداخلية وجنين الحبة ، بحيث لو قسمت حبة إلي قسمين وزرعت الجزء النشافى منها والجزء الذى به الجنين كلا على حدة لمــــــا أثبت إلا الجزء الثانى ، أى أننا يأكلنا الدقيق
الأبيض لا نأكل إلا الجزء الميت من الحبوب . وقديما كان الكثيرون من القاهريين يأكلونه فى الخبز المصنوع من السن .
وأهمية الردة والسن يدرك كنهها القارئ إذا علم انها تحتوي على املاح حديدية ، وهى لازمة لتكوين المادة الملونة بالدم ( الهملوبين ) الذى تحمله كريات الدم الحمراء ، والذي بإتحاده مع أكسجين الهواء الذى تتنفسه يحمل الأكسجين لجميع أجزاء الجسم ، ولا تجرى عملية احتراق فى الوجود بغير أكسجين ، وفى حالة نقصه نقل الطاقة اللازمة لكل عمليات الجسم الداخلية والخارجية ، ونقص الهمجلوبين فى الدم تنشأ عنه الإصابة بفقر الدم ( الانيمييا).
وفى السن والنخالة أملاح الكلسيوم والفسفور ، وهى لازمة لتكوين العظام ولأغراض أخري كثيرة .
ويوجد بـهما غير ذلك فيتامينات أهمها فيتامينات اوب وه وبنقصها نتعرض لانحراف الصحة وللضعف ، وأخص بالذكر مرضى بربرى والبلاجرا ، وليس مجال الثقافة مجال الكلام عنهما ، والمرض الأول غير منتشر بالقطر المصرى، والثاني كثير الحدوث لأسيما بشمال الدلتا . وبلحظ القارئ
بعض أعراض نقص فيتامينات ب لأنـها عديدة حتى بين الميسورين كفقد شهوة الأكل أو الإمساك أو عسر الهضم أو الإسهال أو الصداع أو فقر الدم أو الرعشة أو فقد الهمة ، ونقص الوزن والا كزيما والتهاب الجلد لاسيما حول زاويتي الفم ، وقد بسبب نقصها ونقص فيتامين أ ضعف الخصوبة ، وبعضها بسبب العقم فى الذكور والأناث ، والإجهاض فى الاناث ، ويقال إن نقصها بسبب وحم الحوامل ، وإن كانت بعض هذه الفيتامينات قد تصنع فى الأمعاء أحياناً ، ولكنه لو حصل ذلك لا يكون أبداً بكميات كافية لجسم الإنسان .
كما أن القشور التى فى الدقيق والخبز الأسمرين تقى
من الإمساك لأنـها تقبه الأمعاء للتقلص والتخلص من الفضلات التى بـها .
وقد يرد على خاطر القارئ أن حرارة الفرن تقتل الفيتامينات التى بنخالة الحبوب ، ولكن هذا لا يحصل ، لأنـها تتحمل درجة حرارة فوق درجة الغليان
فى هذا يرى القارئ أن الخبز الأسمر هو بحن عصب الحياة ، ولا سيما إذا كان هو المصدر الأول للطاقة ، كما هو الحال فى القطر المصرى .
