كثير من الناس يحجم عن القيام بالعمل مخافة ألا يقوم به على الوجه الاكمل ويخشي ان يظهر للناس ما يقع فيه من اخطاء وما يبدو في محمله من عيوب . كذلك تري ان كثيرا من الرؤساء بترددون بل ويحجمون عن تكليف مرءوسيهم ولا سيما الصغار سهم ببعض الأعمال خشية ألا يحسنوا القيام بها . وهناك من الآباء من يأبي أن يمد ابنه بشيء من المال يبدأ به تجارة او صناعة أو قطعة من الأرض يفلحها بنفسه لأنهم يرجحون ان أبناءهم لن ينجحوا في تنفيذ مشروعاتهم كما ينبغي لعدم خبرتهم في العمل وقلة تجاربهم في الحياة .
ولعل هذه الظاهرة من أهم الأسباب التي تؤخر تقدمنا المالي والاجتماعي والفني ، فهي إذن تستأهل شيئا من التحليل والتفكير والمعالجة . وهي تتضمن عدة عناصر جديرة بالتأمل كل منها على حدة
فهناك عنصر الاستعجال والطفرة . فالشاب يريد أن يكون من أول الأمر تاجرا كبيرا ، أو صانعا عظيما ، أو صاحب مزار ع واسعة وإدارة مقشعبة . والآباء يريدون من ابنائهم ان يكونوا من مبدأ حياتهم مثاليين يحسنون تدبير الأعمال وصرف الأموال واقتناص الريح الوفير دفعة واحدة ، والرؤساء كثيرا ما يقسون أو بقناسون أيامهم الأولى وينتظرون من الصغير أن يقوم بالعمل على الوجه الذي يقوم به عليه الكبير سواء بسواء . وهدا كله مخالف للطبيعة ومحمل لها فوق ما نطبقه . فمما لا شك فيه أن الإنسان لا يتعلم إلا من الأخطاء التي يقع فيها أثناء التجربة الفعلية.
ولقد قالوا فيها مضي ونقلنا عنهم ان خير وسيلة لتعليم الصبي السباحة هي ان تقذف إلي الماء وتدعه "يطبش" ويحاول ثم يحاول ويجرب ثم يحرب فلا يلبث ان يعرف كيف يزن جسمه في الماء وبعصم نفسه من الغرق . وطبيعي أن يكون مدرب الصبي قد أعطاه قبل ان يقذف في الماء بضع تعليمات قليلة في الصميم وان يكون قد رتب نفسه على أن يراقبه عن بعد حتى يبادر إلي نجدته إذا رأء قد فقد السلطان على اعصابه واختل توازنه وصار مهددا بالغرق .
وقد عهدنا أن الصانع إذا أراد أن يعلم " صبيه " تركه في الورشة يعدل السمار ثم يدفه ، وبنفك الجهاز البسيط ويركبه ، فإذا أخفق مرة حاول اخري ، وإذا أخطأ مزة صحح خطأه في المرة الثانية وإذا استعصي عليه شيء أحتل فكره واحتال بكل ما اوتي من ذكاء لكي يتغلب على صعوباته دون ان يلجأ إلى " الاسطي " وهذا بدوره تجده إذا كان بيبي بحق تعليم " الصبي" وتشمته صانعاً ماهراً نجده برقبه من حيث لا يشعر في جميع حركاته وأعماله ويعطيه من آن لأخر إرشادات قليلة طفيفة عرضية تعاونه في فتق الحيلة والتغلب على الصعاب وتصحيح ما يكون قد وفع فيه من خطأ لم يفطن له من تلقاء نفسه او من أخطاء عرفها وعز عليه ان يكتشف بعد الجهد طريقة تصحيحها بغير مساعده
كذلك نجدهم في بعض البلاد ، حين يريد الشخص ان يكون معاها ، بدفعونه إلى إحدي المدارس الاولية ويدعونه يقوم بالتدريس فيها شهرا بدوق فيه الامرين ، ويستهدف للأخطاء وللصعوبات ، ويحاول تصحيح الاولي وتحليل الثانية ، فإذا عز عليه ذلك ، يكون على كل حال قد كسب ممارسة الخطأ وتقدير الصعوبات حيث يستفيد حين يستمع إلي اساتذنه بعد ذلك وهم بشرحون الصعوبات التي يلاقيها المدرس ويبينون طريقة التغلب عليها . فهذه الاخطاء تكون مائلة امام اعين الذين درسوها بالفعل وجربوها .
ونصبوا فيها ، وتشوقوا لسماع من يحدثهم عن وسيلة للتغلب عليها . وهذا بعينه هو شأن التلميذ في دراسته العادية . فهو لا يستفيد اقل فائدة من الالتفات إلي مدرسه وهو يحل امامه مسألة صعبة على السبورة إلا إذا كان هذا التلميد قد حاول بالفعل ان يحل هذه المسألة او شبيهاتها ، حاول مرة بعد مرة واخفق بعد بذل الجهد ، فهذا هو الذي يستفيد حقا من المدرس أثناء العمل على السبورة .
فمن أهم عناصر تلك الظاهرة الخطيرة التي نحن بصددها إذن هو تناسي تلك الحكمة الثمينة وهي ان الخطأ اكبر معلم وخير مرشد ، وان التجربة هي التي تكسب الإنسان المزان ثم المهارة عن طريق تصحيح الاخطاء ، واحدة بعد واحدة ومرة تلو مرة .
من أجل هذا كانت أهم نصيحة تسدي لمن يريد أن تشق طريقه في الحياة وينجح فيها نجاحا باهرا ، ولمن يريد أن يقوم بالمشروعات الكبيرة ، أن يمهد لكل عمل ينوي القيام به بتجرية صغيرة على نطاق ضيق يلبين فيها العقبات وطبيعتها ، ويتمرن فيها على الحيل واحدة بعد اخري للتغلب هذه علي الصعاب وما يزال بالإراء يقلبها والأساليب يبدلها حتى يصل إلى انجح الوسائل للتغلب على الصعوبات ، فإذا تجمعت له الخيرات القيمة جاز له بعد ذلك ان يقوم بالعمل على نطاق واسمع ويقدم على المشروع الكبير بعد أن رسم له المشروع الصغير طريق النجاح .
لذلك كان أتجح التجار والصناع والزراع هم أولئك الذين بدأوا صغارا وتدرجوا في النمو والكبر والاتساع تبعا لتراكم الخبرات والتجارب ، ولتوالي النجاح مرة بعد اخري ولا يقتصر ذلك على الأفراد بل إن هذا النضح يبذل ايضا للجماعات بل للحكومات . ومصر مقدمة في الوقت الحاضر على مشروعات عديدة في مختلف مرافق الحياة لتنشيط الصناعة والتجارة وإحياء الزراعة على اسس علمية حديثة ، وتحسين الصحة لجميع افراد الشعب ، وتعميم
التعليم في القري والمدن إلي غير ذلك من مرافق الحياة بوجه عام وما ينبغي للحكومة ان تقوم بأي عمل من اعمالها في مبدأ الامر على نطاق واسع ، بل يجب ان تقوم لكل مشروع بعمل تجربة بسيطة كما قدمنا ، على نطاق ضيق تتبين فيها الصعوبات ليكتسب الرجال المنفذون الخبرة على أنجح الطرق للتغلب على تلك الصعوبات .
تأتي بعد ذلك إلي عنصر آخر من عناصر هذه الظاهرة على جانب عظيم من الأهمية ألا وهو عنصر النقد فكثيرا ما يكون إحجام الفرد عن القيام بعمل ما راجعا إلي تخوفه من نقد الناس لما ينتجه هذا الفرد لاسيما إذا كان لا يجيد العمل الذي يتصدى للقيام او المشروع ع الذي يقوم بتتفيذه وبذلك لا يضمن له الإتقان الواجب . وهدا التخوف يكون أحيانا من صنع الخيال أو الوهم لا سيما عند الأشخاص الذين لهم حساسية بالغة وشعور رقيق إلى حد كبير كما يكون في كثير من الأحيان تخوفا في محله .
فالجمهور عندنا حتى جمهور المثقفين انفسهم لم يتعود احترام جهود المجتهدين والتغاضى برفق وعطف عن اخطاء الناشئين كي لا يشعرهم بالخجل الذي كثيرا ما يقتل في النفس همتها ويضعف في المرء اعتداده بنفسه ، وثقته بقدرته
ونجد الناقدين في كثير من الأحيان متحاملين مبالغين مشتدين متجاهلين ان النقد لا يمكن ان يكون منتجا مفيدا مقبولا إلا إذا أورده صاحبه بهدوء ورفق وكياسة حتي لا يجبه المنقود وبيغته ويخرج إحساسه . والنقد العنيف قد ينذر الشخص المستهدف له إذا هو ثار عليه واخذته العزة فرده إلي صاحبه بعنف ايضا . أما النقد الذي يصدر من صاحبه بأداة وحذر ومراعاة للمصلحة وحدها فهو نقد يجب أن يتقبله المنقود بصدر رحب وتطيب إليه نفسه ويستفيد منه في إصلاح أخطائه مقدرا لصاحبه حسن نيته ونيل مقصده . ولكن المشاهد عندنا ان الناس ينفرون
من النقد حتى ولو كان بهذه الصورة النافعة الضرورية متناسين ان النقد الصحيح هو الذي يضمن الوصول إلي الرأي السليم ، وإلى إنقان العمل وإجادة الفن
ولعل نفورنا من النقد وعنفنا فيه هو الذي أحر إلي حد كبير تقدمنا الفكري . فصاحب الفكرة يخشى إذا طلع على الناس بها ان يسفهوه مع أنها قد تكون فكرة تحمل في ثناياها بذور نظرية صحيحة ، أو اكتشاف خطير كان من الممكن الوصول إليه لو ان الناس تعودوا ان بشجعوا صاحبه ، وان يبدوأ آراءهم فيما بقوله ، ويناقشوا ذلك كله في جو هادي تسود فيه روح السعي وراء المصلحة والجري وراء الحقيقة . وهذا ما يفعله الجمهور في البلاد الراقية .
ففي اجتماعاتنا العلمية هنا نقتصر علي الاستماع للمتكلم والتصفيق له متى انتهي من كلامه ، ثم نتصرف فيتحدث
كل مناعما يعني له عن كلام الخطيب أو المحاضر مما يكون غالبا نقداً لاذعاً أو تهكما جارحاً . أما هناك فالناس في كل اجتماع يستمعون إلي المتكلم في هدوء ، فإذا انتهي من كلامه أخذوا يتناقشون بحرية في الآراء التي اوردها بروح طيبة يسودها تقدر للرأي أيا كان ، ويعارضونه بأسلوب رفيق تتجلى فيه آداب المناقشة والنقد البريء . ولا ينسون أبدا أن يشيدوا بكل ما ورد على لسان المتكلم من آراء قيمة ، وما وصل إليه من نتائج نافعة .
وناهيك بما في ذلك من تمويد لناشئين على حسن الاستماع ، وعلى الالتفات إلي مواطن القوة والضعف في الكلام ، وإلى تنظيم الآراء وحسن التعبير عنها ، والتمرن على الخطابة . فهذه الاجتماعات وما يجري فيها وما يسودها من جو علمي حر تكون بمثابة مدرسة عملية لتخريج شباب مهذب قوي الحجة سديد الرأي صريح جريء لا يخشي في الحق لومة لائم .

