للأدباء حظ من الشهرة يلازمهم في حياتهم ويخلدهم بعد وفاتهم ، فلا ينفك الناس عن التنويه بشأنهم والعناية بأقوالهم وتتبع لأثارهم ، يجدون في ذلك المتعة ، ويحرصون منه على الفكاهة . ولقد كان لأدباء العرب الأقدمين المكان الأول في النشأة الحديثة لتاريخ الفكر العربي ؛ أقبل العلماء المعاصرون على البحث عنهم ، وتتابعت الكتب في ذكر أثرهم ، ووصف أخلاقهم ، وبسط حياتهم ، حتى خيل لبعض المتعلمين أن الفكر العربي إنما هو أثر من أثار الشعراء والكتاب ، أمدوه بما أبدعة وقواه وأكمله ، وأننا إن تعدينا حلقة أدباء العربية ألفينا كتباً صفراء شحنث بما يرهق العقل ويثقل السمع ويغشي البصر ، طال عليها العهد حتى هرمت .
لقد أخطأوا والله الفهم ، فالأدب العربي مدين لغير الأدباء بما هو مدين به لهؤلاء ، أما الفكر العربي فهو وليد العلم أكثر مما هو وليد الأدب . ولئن كان في البحث عن الأدباء طرافة ترهف الحس وتغذي الخيال وتثير العاطفة ، فلعلماء العرب والإسلام شأن يسمو بالنفس ، ويعلو بالفكر ويوحي بالقوة . وما هو إلا أن ينفض غبار الكتب الصفر ويرفع منها تكرار الروايات وتداخل الآراء حتى يتجلي لابن العصر جميل أثرها ، ويسفر للنظر حسن معناها .
وإني لن أتمس دليلا على قولي في البحث عن أعظم علماء العرب أنوه بشأنه فأقنع به المتصلب برأيه ، بل إني مختار واحدا من عدة ، ومثلا من أمثال ، وعالماً من علماء . لقد آثرت البحث عن رجل يستن بهدي من سبقه ، ويسير علي خطا من قبله ، لا يدعي عظمة ، ولا ينتسب إلي عنجهية إنما هو عالم انطلقت روحه في ميدان المعرفة تتغذي وتعيش
بها ، فلا تكترث مجد إلا ما أورثته ، وبلذة إلا ما أسعفت بها .حياته جميلة حيث هي هادئة ، وثيرة للعواطف حيث في رضية . رجل عقد الآمال في حياته ، وسما بالجد ، وقوي بالإخلاص ، فلا ثورة ترمي به في بركان من العواطف الصاخبة ، ومنحدر من التهور ، ومنعرج من المغامرة ، كان هدفه العمل ، وغايته الفائدة .
أما عصره فلا يعلو قدراً عليه ، لم يكن خير العصور وأفضلها ، بل تبوأ بين الذروة والإنخفاض ، فلم يدرك سوابقه من ايام الحضارة السامية ، ولكنه بز لواحقه ، ثم كاد يختم حلقة الحسن ، هو القرن الخامس الهجري ، أتي وقد تقلصت قوة الخلافة العباسية ، وظهر سلطان السلاجقة يأمون العراق حماة له : يدفعون عنه يد المتشيعين وسيطرة الفاطمين والصراع ناشب بين حماة العقل والمحاكمة ، وأهل النقل والتقليد ، وجميعهم يناضلون متحمسين ، والعلم بينهم في حيرة والصراع دائر حوله والكرة عليه . كل ذلك في بغداد عاصمة الإسلام ومقر الخلافة .
حداثته ونشأته :
أما الرجل فأبوبكر أحمد بن علي بن ثابت بن مهدي ، يرجع اصله إلي عشيرة عربية من أعمال الكوفة ، وكان والده أحد حفاظ القرآن ، تولي الإمامة والخطابة في درزيجان ، وهي قرية كبيرة جنوبي غربي بغداد .
وولد أبو بكر في غزنة بالحجاز يوم الخميس لست بقين من جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة ؛ وينشأ في حجر أبيه ، فيبث فيه هذا روح العلم والتقي ، ويهذبه بالقرآن ، ويعظه موعظته للناس في أيام الجمعة والعيدين . ثم يسلمه إلي هلال الطبي ليعلمه القراءة والكتابة ، فيتأدب به ؛ رعله يظهر نباهة وفطنة ، فيطمح والده إلي إخراجه عالما . ويبلغ الغلام إحدي عشرة سنة ، فيحضه أبوه على سماع الحديث ، فيهرع الغلام في المحرم
سنة ٤٠٣ إلي جامع المنصور ببغداد ، ويقعد مع الشيوخ والطلاب في حلقة ابن رزقويه البزاز ، فيكتب عنه مجلساً واحداً . ولا عجب أن رأيناه لا يعيد الكرة إلي الدرس ، فهو لا يفهم مما يملى عليه الأستاذ إلا نتفاً لا ترغبه ، إنما العجب أنه تابع المجلس إلي آخره !
على أنه لا يفتر طويلا ، فإن هجر كتابة الحديث ثلاث سنوات ، فهو لا يفتأ يتردد على مجالس كبار الفقهاء ؛ ثم نراه يعود إلي مجلس أستاذه الأول ، وقد بلغ من العمر أربعة عشر عاما ، ثم يتنقل بين أساتذة الفقه ، فيقف عند أبي الطيب الطبري فقيه الشافعية في عصره .
ويبدو لنا أنه درج في طريق الفقهاء ، وأن من حضر وهو غلام مجالس التحديث سئمها ورغب عنها إلي الفقه ، ولكنه يخطئنا في ظننا ، فهو لا يزال يختلف إلي حلقات الحديث ؛ حتى يأتي يوم يزن فيه الكفتين ، فإذا بكفة الحديث ترجح كفة الفقه ، وإذا بالخطيب يقر العزم على أن يصبح محدثاً ، فيعمد إلي أسلوب المحدثين في جمع الحديث علي المشايخ ، ألا وهو الرحلة ؛ فيسافر عام ٤١٢ إلي البصرة ، ويسمع مشايخها . حتى إذا قفل راجعاً إلي بغداد ظهر فضله في مجالس التحديث ، وتفرد ببعض ما جمعه رواية من الحديث ؛ فافتقر أستاذه أبو القاسم الأزهري إلي الاستشهاد به في تصنيفه ، فسأله أن يقرأ عليه ، فجلس مجلس المحدث وقرأ على شيخه ما أراد .
وكذلك تألق نجمه ، وصار الناس يقتبسون من علمه ، ورأي والده ثمار قصده فملئت نفسه فرحا ، ولكن ذلك لم يدم طويلا ، فقد توفاه الله يوم الأحد للنصف من شوال من السنة نفسها . ومشي الخطيب في نعش والده من يومه هذا إلي مقبرة باب حرب ، حيث واراه التراب ، وبكي لفقده .
وختمت سنة ٤١٢ ، وأبوبكر يتيم الأب ، مكسور
النفس ؛ ولكنه محدث له علمه ، وشاب له مستقبله ، ورجل له عزمه .
ولا يمل من جمع روايات مشايخ بغداد حتي يستنفدها جميعا ؛ فإذا رمي إلي غيرها استشار أستاذه البرقاني ، فأشار عليه بالرحلة إلي نيسابور ، وجهزه برسالة إلى الحافظ أبي نعيم ، يقول في فصل منها ، يصف الخطيب والدرجة التي بلغها في طلبه الحديث ، ويوصي قائلا :
" وقد رحل إلي ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيده الله ، وهو بحمد الله ممن له سابقة في هذا الشأن حسنة ، وقدم ثابتة ، وفهم حسن ، وقد رحل فيه وفي طلبه ، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له ؛ وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك مع التورع والتحفظ وصحة التحصيل ما يحسن لديك موقعه ، وتجمل عندك منزلته وأنا أرجو إن صحت منه لديك هذه الصفة أن تلين له جانبك ، وأن تتوفر له . وتحتمل منه ما عساء أن يورده من تثقيل في الاستكثار, أو زيادة في الاصطبار ، فقديماً حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل ، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكل منهم " .
ويسير الخطيب بهذه الرسالة الجميلة الرائعة ، ولما يبلغ الثالثة والعشرين من العمر ، فيدخل الرمى وخراسان ونيسابور وأصبهان وهمذان والدينور ، فيحظي بأمنيته ، ولا يعود إلا بعد أن يتلقف علم من يري .
ها هو ذا في بغداد سنة ٤١٩ ، يسمع شيخه البرقاني بعض ما يرويه ، ويذا كره بالأحاديث ، فيكتبها عنه شيخه ويقول في دروسه : حدثنا أبوبكر, وهذا حاضر يسمع ؛ فلا جرم أن تلك السنة كانت مطلع المجد في حياة الخطيب ، وأصبح فيها محدثا يأخذ عنه الأكابر ، ويذكر اسمه في مجالس التحدث .
صورته بمزاياه وطبعه
ومنذ تلك السنة يبدو الخطب بشخصيته ، يحافظ على صفائها ، ويأخذ نفسه بالانطباع علي ما عودها عليه , وأقامها بها . فلنحاول تصوير أبي بكر بظاهر هيئته ، وكامن طباعه ، ومنطلق ميوله .
وأول ذلك أنه كان في درجة الكمال خَلقاً وهيئة ومنظراً ، يشعر من يقترب منه بهيبة ارتسمت على محياه ، ووقار تجسم في حركاته ، وانطبع في سكناته ؛ ومن تأمل لباسه شعر بعنايته به وإتقانه له ، فقد كانت الثياب تستهويه حتى جمع منها عدداً جما كان يتجمل به وعنابته هذه تنم عن طبعه وحظه من الإتقان ؛ وهي عناية قلما اتصف بها العلماء إهمالاً منهم لها ، وانهماكاً فيما لا لذة بعده ولا فائدة مثله ، ألا وهو العلم أما الخطيب فحريص على أن يبدو بأحسن هيئة ، وأن يؤثر عنه خبر الصور ، حتى إنه كان يجيد خطه ، فيرسم حروفه واضحة ، لا ينقصها حقها من التنقيط ، بل من الشكل والضبط حين يبدو إشكال أو يعرض التباس وأين هذا من رغبة العالم في سرعة النقل للفراغ من سأمه ، وللعناية بما هو أهم منه ! أما الخطيب فيروض نفسه على الإحسان في كل شئ , وها هو ذا يعتاد على حسن القراءة ، وجودة الإعراب ، فيقوي عليهما دون أن تفوته سرعة القراءة ؛ بل ضرب به المثل في ذلك .
ذلك وصفه في مظاهره يبغي بها الإتقان ما استطاع إليه سبيلا. أما طباعه في علاقاته بالناس ، فهو يتجنب الاضطراب ، ويركن إلي السكينة ، ولا تهمه السياسة في شيء ، ولا يتقرب إلي ذوي المناصب بالمديح ، وتأبي عليه نفسه أن يتصل بهم ، إلا عن طريق العلم ؛ حتى إذا اتصل بهم حافظ على رزانته ووقاره .
ومن كان هذا شأنه مع ذوي السلطان , فلا عجب إن كان ذلك أمره مع الدنيا ، فهو لا يقيم لها وزناً ، إلا فيما يصيبه منها من علم وأدب ؛ أما إذا عمدت إلي استدراجه
وجعله مطية لأهلها ، فهو يستعصى عليها . وهذا علوي يدخل عليه " وفى كمه دنانير ، فقال فلان - وذ كر بعض المحتشمين من أهل صور - يسلم عليك ، ويقول : هذا تصرفه في بعض مهماتك . فقطب وجهه , وقال : لا حاجة لي فيه ، فقال العلوي : فتصرفه إلي بعض أصحابك ، قال : قل له يصرفه إلي من يريد ؛ فقال : كأنك تستقله ونفض كمه على سجادة الخطيب ، وطرح الدنانير فقال : هذه ثلاثمائة دينار . فقام الخطيب محمر الوجه . وأخذ سجادته ونقض الدنانير وخرج من المسجد . قال الفضل بن أبي ليلى راوي القصة : فما أنسي عز خروجه , وذل ذلك العلوي ، وهو قاعد يلتقط الدنانير من شقق الحصر ويجمعها " .
وليس ذلك معني أنه كان متزهداً متقشفاً ، لا ! لقد جمع مقداراً من المال ولكنه كان يأبي أن يكون عبداً له ، يضيع كبريائه به ؛ كان ينظر إلي المال نظر المحتاج إلي ما لابد منه ، الراغب عنه حين يعرض شرف بذله . قص الخطيب التبريزى اللغوي المشهور قال : كنت اقرأ علي الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له ، وكنت أسكن منارة الجامع ؛ فصعد إلي وقال : أحببت أن أزورك في بيتك ، فتحدثنا ساعة ؛ ثم أخرج ورقة وقال : الهدية مستحبة ، اشتر بهذا أقلاماً , ونهض ، فإذا هي خمسة دنانير مصرية ، ثم إنه صعد مرة أخري ووضع نحواً من ذلك " .
ألا إن الخطيب يعرف الحياة بصورتها الحقيقية ، فلا يأبه لزخارفها ولا يتعلق بها .قال :
لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها ولا بلذة وقت عجلت فرحا
فالدهر أسرع شيء في تقلبه وفعله بين للخلق قد وضحا
كم شارب عسلا فيه منيته وكم تقلد سيفاً من به ذبحا
فلا عجب إذا هي لم تغره ، ولم تأت على تعففه . يضاف إلي ذلك أنه كان متورعاً ، وكان يختم القرآن كل يوم خلال سفره .
ويكبر أهل العصر مزاياه ، فيقول أبو غالب شجاع الذهلي : إنه لم يدرك مثله ؛ ويقول أبو على الكرواني : ما رأيت مثله ، ولا أظنه رأي مثل نفسه ، ويعرف هو هذا ، ولكن التكبر والخيلاء لا يجدان منه منالاً ، فهو متواضع في نفسه ؛ وهو إذا سأله أحدهم قائلا : أنت الحافظ أبو بكر ؟ أجاب بلهجة المانع ، الذي لا يدع مجالا لنسبة ما نسب إليه ، يقول : انتهي الحفظ إلي الدارقطبي ، أنا أحمد بن علي الخطيب .
تلك صورته مجملة ، إن دلتنا على شيء فهي إنما تبدي لنا شخصية العالم بميوله ونظره إلي العالم ، وعفة نفسه وسمو روجه . وإذا أردنا إجمال وصفه قلنا مع السمعاني إنه كان في درجة الكمال والرتبة العليا خلقاً وخلقاً ، وهيئة ومنظراً .
( له بقية )

