كتب هذه القصة للمتعة أنطون تشيكوف أمير القصصيين في روسيا ، منذ حوالى نصف قرن ... وبرنا أن تقدمها إلى قراء الرسالة مثالا للحياة الاجتماعية في ذلك العهد المظلم ... ولعل تلك القصة من القلائل التي أجاد فيها قلم تشيكوف الفكاهي في أسلوب ممتع ومعنى طريف ، يتخللها تقد صريح التقاليد والعادات التي كانت تقل الناس في ذلك ثم أحسب أن الأستاذ يكاد يستدل على إسفاف القصة بأن قوماً كالشيوعيين قد استغلوها في دعوتهم إلى أقصى حدود الاستغلال ، وقالوا إنها أشرف أبواب الأدب الحين ... .
... في صبيحة يوم مشرق كان (كيريل ايفا نفتش بيلونوف ) كاتب الجامعة على وشك أن يدفن ، وهو رجل مات متأثراً بالآفتين الشائعتين فى بلادنا : زوجة سيئة الخلق ، وإدمان للخمر وبينما كان موكب الجنازة يجتاز الطريق إلى المقبرة قفز أحد رفقاء المرحوم ويدعى « بيلافسكي» إلى غربة ، وراح يركض بها منقباً عن اخرجورى بتروفتش زبوكين ، ، وهو رجل مع حداثته - يتمتع بهيبة ومحبة من معارفه ، ويحيط بقسط وافر من العلم - كمعظم قرآنى - وقد خلع الله عليه موهبة نادرة في ارتجال الأحاديث التي ينطلق لسانه بها في الأعراس والأعياد والجنازات ، وفى قدرته أن يتحدث كيفها وحينما يشاء ... في نومه ، خواه معدته ، عند ما ينتشى لكثرة ما نهل من الخمر ، عندما تعتريه الحمى تنسيل الألفاظ من فمه في سلاسة ولطف كما تنساب المياه فى الجداول ، ويعج قاموسه الخطابي بكلمات لا تدانيها صراصير» المطاعم في الغزارة والوفرة ، أما أسلوبه ففصيح بليغ يفيض بالإطناب والإسهاب ، ولما يلجأ القوم = في بعض أعراس التجار - إلى الاستعانة بالشرطة لإيقاف ذلك السيل المتدفق وابتدره ييلافكي حينما عثر عليه في داره قائلا : « لقد أتيت
في طلبك - أيها العجوز - هيا ارتد قبعتك وسترتك على عجل واصحبني ... فقد مات أحد رفقائنا ونحن على وشك أن نشيعه إلى الآخرة ، ولذا وجب عليك أن تودعه بكلمة من كلماتك الرائعة فأنت أملنا الوحيد، ولولا أن ذلك الفقيد له مقام في المجتمع ويستحق ما يقال في تأيينه لا أتعبناك وأزعجناك، ولكنك تعلم أنه كاتب الجامعة ونامومها والدعامة الراسخة التي كانت تعتمد عليها الإدارة ، فينبغي أن نشيعه ولو محديث لائق ... فقال زبوكين بغير اكترات :« هه ... كاتب الجامعة ! أتمنى ذلك الرجل السكير ؟ ! )
- " نعم . سيكون تحت فطائر وغذاء ، وستنال أجرة العربة ... هيا ، تجل يا عزيزي ، يكفيك أن تلقى ببعض الألفاظ الحزينة عند القبر كما كان يفعل سيكرو العظيم ... آه كم ستحوز الشكر والثناء ! ) .
فوافق لا زيوكين على الفور وراح يعبث بغدائر شعره وجعل على سحنته مسحة كآبة وحزن ، وانطلق فى الطريق بصحبة. لا بيلا فسكي » ، وقال وهو يهم بركوب العربة : ( إنى أعلم من ؟ هو كاتبكم هذا ... رجل شرير خبيث ، وحش لم أصادف نظير من في حياتي ... فليكن الله في عونه . . . آه ... ( جريشيا » هيا معنا فليس من العدل أن نسي إلى رجل ودع الحياة ) . - « لا مجال للشك في ذلك : ( فما يذكر الميت سوى حسناته ، ولو كان شريراً ... »
وأدرك الرفاق الثلاثة موكب الجنازة ، وراحوا يسيرون معه . أما النعش فكان يتقدم وئيداً وعلى مهل حتى أنهم استطاعوا قبل وصولهم إلى المقبرة - أن ينسلوا ثلاث مرات إلى حانة تمر وينهلوا بعض الأقداح « نخب » حياة الراحل « الكريم » . وفي المقبرة راح الجميع يصلون إلى جانب الاحد ... أما حماته وزوجته وأختها فأخذن يذرفن الدمع مراعاة للتقاليد والعادات - وعندما . واروا النعش فى التراب صرخت الزوجة في لوعة وأسى ( دعونى أرحل معه » ولكنها لم تصحب زوجها إلى القبر فقد تذكرت ما ستنال من معاش الفقيد ولبث ( زيوكين ) حتى خيم الصمت على الجميع ... خطا إلى الأمام ... وراح يقلب طرفه فى الحاضرين ... وبدأ يقول :
ااصدق ما تراه مقلتي ، وما تسمعه أذناي ؟ .. لا . إن هذا إلا أضفات حلم مزعج ... هذا القبر ، هذا الدمع الذي يتألق على الوبيتات هذه الأناث وهذه الزفرات ... أهذا كله وهم ؟ لا وا أسفاه ما هذا يحلم ... إنما هي الحقيقة وأعيننا لا تخدعنا لقد قضى نحبه من كان بيننا منذ لحظات ، من كان أمام أعيننا كالنحلة الدؤوب ... لا يقر قرارها حتى تخرج العسل شبياً لصالح الخلية الاجتماعية ... لقد ارتد الآن إلى التراب ... إلى التراب الخداع لقد اختطفته يد المنون القاسية الجبارة في لحظة كان يقيض فيها مع تقدمه في العمر - بالحياة والقوة والطموح . إنها لعمرى خسارة لا تعوض .... ترى من سيخلقه في منصبه ، لا شك أن في حوزتنا من هو وكف لها ، ولكن «بركو فى اسبتن » معدوم النظير.... لقد كان منصرفاً إلى تأدية واجبه يما وسع مقدوره ....لم يض بقوته بل كان يجهد نفسه في العمل إلى لحظات متأخرة من الليل .... كان مثلا عالياً للقلب الطيب والضمير المنزه عن الرشوة ، كم كان يحتقر أولئك الذين يأكلون مال الناس بالحق وبالباطل ... لا يفتأون يحللون له الضلال ليحيدوا به عن السبيل السوى نعم أمام أبصارنا «بروكو فى اسيتسن» الذي يجود براتبه لإخوانه التعساء ... كم ستطرق آذاننا تلك الأنات التي تطلقها الأرامل واليتامى بعد أن قضى نحبه من كان يحسن إليهم، من كان منصرفاً إلى أعمال البر وإلى تأدية واجبه من كان عزوفاً عن ملذات الحياة وبهجتها ... من نبذ سعادة هذا المجتمع ... بل نبذ الزواج وجانب النساء إلى آخر أيامه ... من ذلك الذي في قدرته أن يخلفه كرفيق جبلنا على حبه ... وكأني أنظر إلى وجهه الحليق تعلوه الرحمة يلتفت إلينا وعلى ثغره ابتسامة مشرقة ... وكأنى أنصت إلى صوته الحنون الشفيق . أسأل الله أن يشملك برحمته يا بروكوفى أسبتن فقد كنت شريفاً أميناً مع ما في ذلك من عناء ... .
وواصل زيوكين حديثه ... بينما شاع الهمس بين المنصتين ، لقد أرضى حديثه الجميع . بل وجعل بعض الدموع تنهمر من المآق ... ولكن بدت معظم الفقرات الخطابية غريبة ؛ فأولا : لم يدركوا السبب الذي دعا الخطيب من أجله الفقيد باسم بروكو فى اسيتسن ) مع أن اسمه (كيريل ايفنفنسن » . ثانياً : أن الجميع يعلم ما كان ينشب بين الراحل وزوجته من الشجار . فمن المؤكد إذن أنه لم يكن أعزب كما نعته «الخطيب » . ثالثا : كان ذا لحية كشة حمراء وهذا يتنافى مع قول الخطيب من أنه
كان لا حليق الوجه » . ولهذا أعجز الجميع فهم معظم أقوال الخطيب ... وعلا وجوههم الوجوم ، وبهتوا وأخذ يتلقت بعضهم إلى البعض ، بينما راح فريق مهم يهز أكتافه في ملل وضجر واستمر الخطيب في خطبته وقد اتخذ في وقفته هيئة الحزين . فقال : « يركوئى اسبتن ... لقد كان وجهك وضاحا مع أنه قبيح ... كنت عبوساً مقطب الجبين ، ولكن كلنا يدرك أن تحت هذا المظهر الخارجى قلباً يغلب عليه الشرف والشفقة والحنان. وفجأة لحظ المستمعون أن الخطيب نفسه بدأ يعتريه شيء من الاستغراب كان يتفرس في جهة معينة من الجمع الغفير ولم يلبث أن كف عن الحديث وفتر قاء في دهشة ... ثم مال على صديقه ببلافسكي وقال وهو يحملق في فزع * مه . لقد رأيته إنه ما زال على قيد الحياة ؟ ! » . من هو الذي لا زال على قيد الحياة ؟ ! ) . برو کوئی اسبتسن !! ها هو قائم عند حجارة القبر !! إنه لا زال على قيد الحياة .... إنما الذي مات كيريل ايفا نفتن أما بروكو في اسبتين فقد كان كاتب الجامعة منذ حير وقد نقل إلى المنطقة الثانية رئيساً للمكتبة ... ) . ه يا للشيطان الذي أوحى إلى بذلك ! ) . - هيثم وقفت عن الحديث ... انطلق عجباً . ! ! إنك مضطرب ) . والتفت زبوكين إلى القبر ، وفى فصاحته المعهود تابع حديثه. أما بروكو فى اسبتين كبير الكتبة الكهل ذو الوج الحليق فقد كان قائماً حقاً قرب حجارة القبر ... كان ينظر إلى الخطيب شزراً ... وقد انتابته موجة من الغضب أخذ رفقاء زيوكين يتغامزون عليه في عودتهم « هه .. هه ... يا لك من غر ! عجباً ! أتود أن تدفن رجلا وهو يفيض بالحياة ؟ » ودنا منه بروكوفى اسبتن وراح يقول في تدمر هذا لا يليق أيها الشاب ، إن حديثك هذا له قيمته إن كان : رجل قد ودع الحياة ، أما إذا كان يمت إلى رجل حي فهو كلا فارغ وتهكم واستهزاء ... كم تحدثت طويلا من روحي وع. نفسى ! أيها الأبله ! ماذا كنت تقول ؟ ! مثلا عالياً للقلب الطيب والضمير المنزه عن الرشوة .. إنها كلمات تقال للأحياء على سبيد التهكم ، ومع ذلك من الذي دعاك إلى التحدث بإطناب عن وجهي؟! قبيح عبوس ، ولنفرض أنه كذلك ، ما الذي ء عليك أيها الأبله من وصف محياى على ذلك الله ... إنها وا إهانة لن أغفرها لك

