نتكلم بعد هذه المقدمة عن مزايا الخط العربي وعيوبه ونقدم لمقصودنا المقدمات الآتية :
١ - الكتابة المثلي هي التي يدل كل منها على صوت واحد دلالة واضحة ؛ لا تدل بالحرف على أكثر من صوت ،
ولا تضع للصوت الواحد اكثر من حرف . ويقول كاتب مقال( ألف باء ) فى دوائر المعارف البريطانية " لا كتابة تبلغ المثل الذي نطمع إليه ، وإن كانت فلا تستمر طويلا على هذه الحالة لأن أصوات معظم اللغات في تغير مستمر ، ولا سيما الحركات ، ولهذا لا يستطاع ضبط ألفاظ اللغات الميتة ، ولا الصيغ المهجورة من اللغات الحية ،
وهذه الدعوي صادقة في اللغات الأوروبية ولغات أخري ، ولكنها تقابل بالريبة إذا وجهت إلي اللغة العربية ،
وليس هذا من صميم موضوعنا . ويقول الأستاذ كاتب المقال أيضا : " وقد دل تاريخ الهجاء على أنه لم يحدد قط لغة من اللغات الأوروبية تحديدا دقيقا ؛ لأنه عارية اتخذت مع شىء من التسامح لتدل على أصوات تخالف ما دلت عليه من قبل خارج أوروبا "
فهذه شكوي الأوروبيين من الهجاء الذي استعاروه من الساميين . وهذا وصف الأهجية في الجملة .
وإذا نظرنا إلي اكثر اللغات الأوروبية انتشارا بيننا : الإنجليزية والفرنسية ، رأينا عجبا عجيبا من التخالف بين ما يلفظ وما يكتب ، وبين ما يكتب وما يقرأ ؛ حتى ليتذكر القارئ ما يقال عن مستملي أبي عبيدة أنه كان يسمع غير
ما يملى عليه ، ويكتب غير ما يسمع ، ويقرأ غير ما يكتب . ويكاد يتمثل بقول القائل :
أقول له زيدا فيسمع خالدا ويكتبه عمرا ويقرؤه بكرا
نري حروفا كثيرة تكتب ولا تلفظ . ولسنا بصدد الاستقصاء ، فحسبنا التمثيل : في الفرنسية ، وهي أدق اللغات الأوروبية لفظا وكتابة فيما يقال ، يلفظ الحرف سي كالكاف أحيانا وكالسين أحيانا باختلاف ما يتلوه من حركة ، والحرف إس ، يلفظ كالسين أحيانا وكالزاي احيانا .
ومعنى هذا ان للحرف الواحد اصواتا مختلفة ، وللصوت الواحد حروفا مختلفة . وتختل القاعدة في نطق c و s أحيانا فيضعون علامة لتلفظ c كالسين فاذا قلت فان lecon francais أي درس فرنسي ، لزم أن تعلم الحرف سي بهنة صغيرة ليدل على الصوت المطلوب ، وتقول ٥٥ يعطي ، فتكتبها على هذه الصورة ، وتقول ايضا ٤٥٥ داي هم يعطون فينبغي أن تكتبها كما تري الخ فاللفظ واحد ، والمعنى مختلف والرسم مختلف .
وتجد صوتا مثل e في الكلمات palet palais craie،cret وصوتا مثل o في الكلمات pot ،pose chaud chause pause
وأما الإنجليزية فقد بلغ فيها الاختلاف بين اللفظ والرسم أن معاجمها ترسم الكلمة كما ترسم اصطلاحا ، وترسمها بين قوسين كما تلفظ . وحسبي أن أذكر كلمة neghbour أي جار ، و daughter أي بنت . ومثل هذا كثير . بل تكتب أحيانا حروف بعينها تقرأ على وجهين تبعا للمعنى ، مثل read إن كانت مضارعا لفظت بكسرة صريحة محدودة ، وإن كانت ماضيا لفظت بكسرة ممالة قصيرة
ومن أجل ذلك يعلم أولادنا الإنجليزية في المدارس علي أن يحفظوا هجاء كل لفظ معه . وإذا سألت إنسانا في لندن عن اسمه أو سألته عن اسم شارع اجابك باللفظ والهجاء غالبا ، علما بأن اللفظ لا يدل على الهجاء
وليس الأمر كذلك في الهجاء العربي ، فأنت تملي الكلمة التي لا يفهمها السامع فيكتبها كما تملي ، وقل أن يخطئ فيما عدا مواضع الإشكال من الهمزات ونحوها
وكثيرا ما أمليت على طلاب الجامعة نصوصا فارسية وتركية فأصابوا في الكتابة وهم لا يعرفون الكلمات ، ومع هذا سمعنا استنكارا كثيرا للألف التي ترسم بعد واو الجماعة ، ونزاعا في واو عمرو ، وبقي الرسم الأوروبي مصونا من استنكارنا بالدول والأساطيل والطائرات ، والهيبة والفتنة اللتين تأخذاننا من كل جانب .
وقد حدثت عن الأستاذ محمد بن عبد الوهاب القزويني العالم الفارسي الذي اقام في باريس زمنا طويلا،انه كان يكتب" القزويني " علي شكل وتأتيه رسائل يرسم فيها " القزويني " بأشكال أخري ، فيأبي عمال البريد أن يسلموه الرسائل حتى اضطر إلي أن يسجل شكلا يرسم به اسمه ،
ويوقع به . فالناس من الحروف اللاتينية في أمر مريج وأذكر أنه جاءت إلي كلية الآداب - إلي الدكتور طه حسين بك فيما أذكر - دعوة إلي توحيد الكتابة بين أمم الأرض ، فتفاوضنا في الأمر واتفقنا أن يكون الرد : ادعوا الأمم الأوروبية إلي توحيد كتابتها أولا ، فإن استطاعوا هذا نظرنا في مشاركة الأمم الأخرى إياهم في طرائق الكتابة .
٢ - ثم الناس لا يقرأون الكلمات حرفا حرفا ، ولكن يقرأون صورا مركبة ، وقد يقرأ الإنسان الكلمة مرات ولا يبصر ما فيها من غلط لأنه لا يمر على الحروف واحدا بعد آخر ولكن ينظر إلي الصورة ، فإذا وجد الصورة التي اعتاد رؤيتها أو قريبا منها فهم ما وراءها وقد أمكن رصد البصر اثناء القراءة فإذا هو لا يسير سيرا متصلا متلائماا
بل يثب بين الكلمات وثبات ، ويقف وفقات تختلف باختلاف الكلمات ، فالدلالة على الألفاظ في جملتها بصور لا بحروف ؛ ولو كتبت لإنجليزي nabar بهذا الشكل ما فهمها ، فإذا
رسمتها على الشكل الذي لا يدل عليها لم يتردد في فهمها .
٣ - فالمثل الذي يطمع فيه هو أن يكون للكتابة اصطلاحات معروفة محدودة ، سواء أدلت على ألفاظها بالجمل أم بالتفصيل . ولا بأس بالاصطلاح على حروف تزاد في الكتابة وليست ملفوظة ، أو تنقص منها وهي ملفوظة ، إن دعا إلي هذا تطور الكتابة أو تيسير القراءة أحيانا ، أو دلالة على أصل للكلمة
٤ - هذا هو الحد الذي لا تؤدي الكتابة مقاصدها دونه ؛ ومن وراء هذا مزايا منها اليسر والوضوح والجمال والاختصار أو الاقتصاد ، وهي مزايا تتفاوت فيها الخطوط وسأعود إلي الكلام فيها
الخط العربي :
ننظر بعد هذه المقدمات ، في الخط العربي لنري ما فيه من محاسن وعيوب . كان الخطط العربي في صدر الإسلام ، كالخطوط السامية الأخرى ، غفلا من الإعجام والحركات ، ثم أعجمه المسلمون ففرقوا بين الحروف المتشابهة بالنقط ، ثم احتاجوا إلي ضبط حركات الحروف فوضعوا الشكل ؟ ولست في مقام تأريخ الإعجام والشكل فتاريخهما معروف ،
وإن احتاج إلي البيان فليس مما يهمنا الآن . غير أنى أقول إن الذي وضع الشكل العربي ، الرجل المخترع المبتكر ، الخليل بن أحمد ، أخذ بعض الحروف فدل بها علي الحركات كما فعل اليونان حين أخذوا الخط من الساميين .
فدل على الفتحة بألف فوق الحرف ، وعلي الكسرة بياء تحته ، وعلى الضمة بواو أمامه ، ولم يدخل هذه الحركات في ثنايا الكلمات . فهل أحسن بهذا أم أساء ؟ أكان يسرنا أن الخليل جعل الحروف والحركات سواء كما يفعل في الخطوط الأوروبية ؟ أحسب ، والعلم عند الله ، أن الخليل قد شعر في هذا بما شعر مخترع الحروف السامية ، وما فعل كتاب اللغات الساميات من قبل ، شعر هؤلاء كلهم أن اللغات السامية لغات ثلاثية الأصول ، تفرق بين
الأصلي والزائد تفريقا بينا ؛ وهي كاملة الاشتقاق ، تضع للمعني حروفا ثلاثة ، ثم تخلق فروع هذا المعنى من حركات هذه الحروف وسكناتها ، وهذا التغيير في الحركات والسكنات لتشقيق الألفاظ الكثيرة لا يعرف في اللغات الأخري التي نعرفها ، سواء عدت من اللغات المشتقة كاللغة الفرنسية والفارسية ، أم عدت من المركبات كاللغة التركية . ففي الفرنسية نجد مادة مثل donn ثابتة في التصريف .
فتقول في المصدر donner وفي المضارع donn je اى أعطى ، وفي الماضي j'ai donne أي أعطيت ، وفي المستقبل je donnerai، وفي المفعول donne أي معطي ، وفي الفاعل donnant أي معط . وكذلك في الفارسية إذا أخذت المصدر المخفف " داد" من دادن أي الإعطاء فهذا اصل لتصريف الماضي والمستقبل ، وإذا أخذت المادة . ده فهي أصل بقية الصيغ والتركية وأخواتها أبين في ثبات المادة على التصريف ، وعلى صروف الزمان ، فالمادة " باز " من المصدر بازمني اي الكتابة لا تتغير ولا يسبقها شىء في كل الصيغ التي تصاغ منها .
فالمواد في هذه اللغات ثابتة أو كالثابتة لا تتغير صورها بكتابة الحركات
أحسب الساميين من أجل المحافظة على هذا الأصل والتمييز بينه وبين الحركات رسموا حروف الكلمة دون حركاتها . ومن أجل هذا كتب علماء اللغة في المعاجم مادة الكلمة حروفا مفردة ، لأنها لا يمكن أن تركب بغير حركة ،
وهم أرادوا أن يدلوا على الأصل وحده دون غيره . ولو انهم كتبوا الحركات أثناء الكلمة لاختلفت صور المادة الواحدة اختلافا كثيرا مثل كاتابا ، كوتيبا ، كيتابان ميكتاب كوتوبون ( كتب ) . وشد ما أعجبني قول أحد المستشرقين وقد فاوضته في هذا : إن هذا الأصل الثلاثي أو المثلث الأفلاطوني كالمثل الأفلاطونية ، حقيقة ذهنية ثابتة لا تتحقق في الخارج ، ولكن تظهر أفرادها ، كما أن
مثل أفلاطون تتصور في الذهن ولا تتحقق في الخارج .
طبيعة اللغات السامية ، ولا سيما العربية ، أكثرها وأكملها اشتقاقا ، تأبي أن ترسم الحركات أثناء الكلمات
فقد أحسن الخليل ، واضع المعاجم العربية وواضع العروض العربي ، حين رسم الحركات خارج الكلمات . وقد أحسن الخليل حين أبقى كتابتنا مختصرة توفر علي الكاتب وقته ، وتكاد يمكن اليد الكاتبة من مسايرة اللسان الناطق ، وتيسر الحفظ لمن يشاء ، وأبرأ لغتنا من الاضطراب والتناقض اللذين يدركهما من عارض اللغات الأوروبية .
أخذ الفرس الحروف العربية ورسموا بها لغتهم وما دخلها من ألفاظ عربية . فوجدوا أن أصواتا عندهم ليس لها دلائل في الحروف العربية ، فكتبوها بأقرب الحروف إليها ، ثم ميزوها بالنقط والخط فزادوا على صور العربية ب ج زك ثم كتبت بعض اللغات الهندية بالحروف العربية ، فأخذت الحروف الفارسية وزيد عليها من الصور ما يلائمها .
فالأردية مثلا فرقت بين صوتين في الناء والدال والراء ، فجعلت علامة لتمييز أحد الصوتين من الثاني ؛ وجعلوا الياء الراجعة ، وهي التي ترسم مدتها إلي الخلف ، علامة الإبانة ، وهم والفرس يسمونها الياء المجهولة .
ولما كتب الترك بالحروف العربية ، والترك أقوام كثيرون لهم لهجات مختلفة متباعدة الأقطار ، زادوا علي هذه الحروف ما زاده الفرس ، واختلفت طرائقهم في رسم الحركات أثناء الكلمة ؛ ولكن كان الاتجاه العام إلى كتابة علامات الحركة أثناء الكلمة في مواضع كثيرة ، وسبب هذا فيما أظن قوة الحركة وأثرها في اللغات التركية خاصة ، واللغات التي تشاركها في الأصل عامة ،
وهي اللغات التي تسمي اللغات الأرالية الألطائية . في هذه اللغات قاعدة الانسجام ، وما يعبر عنه الفرس والترك بكلمة أهنكك ، ويسميه الفرنسيون ١٢٥ - هذه القاعدة تقضي أن الكلمة إذا بدئت بحركة ثقيلة
أو خفيفة اطرد الثقل أو الخفة في حركاتها وحركات لواحقها ، وثقلت أو خففت الحروف التي يحتمل الترقيق والتفخيم تبعا لها . فلم يكن غريبا أن يحس الترك بخطر الحركة في لغتهم ويرسموها . ولكن قواعد الرسم لم تطرد عندهم ؛ فتجد في الكتب القديمة مثل ديوان سلطان ولد ابن جلال الدين الرومي ، وهو أول ناظم بالتركية الغريبة : كنش ( الشمس ) وبقمز ( لا ينظر ) ، وتجدها في الكتب المتأخرة كونش وبقماز ، ثم باقماز ، ثم رسم الترك ، قبل هجر الحروف العربية بسنين قليلة ، الحركات كلها في أثناء الكلمة إلا ما يحتاج إلي بيان كحركات الضمائر ، فكتبوا ته ميز ( نظيف ) آرفاداش ( رفيق ) ،
حتى الكلمات العربية الأصل مثل قادرا ( قدر ) . وسار بعض الترك في أوروبا أبعد من هذا ، فلم يدعوا حركة إلا
صوروها اثناء الكلمة ، لا فرق بين عربية وتركية ، ومن أمثلة هذه الطريقة مجلة صلى يول التي يصدرها الأديب عياض إسحاقى
والحق أن الترك حين تركوا الحروف العربية واتخذوا الحروف اللانينية لم يكونوا مدفوعين بالحاجة كما دفعوا بالثورة على كل قديم ، والغرام بالانقطاع من أقوام والاتصال بآخرين . ولو كان الأمر إصلاحا فقط لوجدوا في الطريقة التي انتهوا إليها صلاحا ، ولو لم يكن في الأمر إيثار للحروف اللاتبنية لأنها لا تينية لفكروا في اتخاذ الخط الروسي مثلا وهو أقرب إلي لغتهم ، في ظني .
وقد كتبت به بعض اللهجات التركية من قبل ، كما كتب بعضها باليونانية ، والأرمنية .

