3- الخط العربي اليمني
للعرب خط قديم جدا عرف في بلاد اليمن قبل الميلاد بعصور متطاولة ، وبقي على الآثار اليمنية حتي اليوم ، وانتشر شمالي الجزيرة العربية ، فكان منه الخطوط العربية التي سماها الباحثون في اللغات السامية : الخط الثمودي ، والخط اللحياني ، والخط الصفوي . الخط الثمودي عرف في آثار ثمود المنقوشة علي الصخور شمالي الحجاز ؛ واللحياني بنسب إلي قبائل لحيان العربية التى كان لها ملك في الشمال؛ والصفوي بنسب إلي الصفاة من أرض حوران ، وقد وجدت النفوش قريبا منها . وهذه النقوش ترجع في جملتها إلي القرن الرابع الميلادي
وقد انتقل الخط اليمني إلي إفريقية فكتبت به اللغة الحبشية وخاصة اللهجة الى تعرف باسم جيعز ويمتاز هذا
الخطأ، خط جيعز ، من الخطوط السامية كلها بأن انتهى تطوره إلي كتابة الحركات متصلة بالحروف . وكان في هذا وسطا بين الشكل في اللغة العربية ، وكتابة الحركات بعلامات مستقلة في اللغات الأوربية ، فقد جعل لكل حرف صورة تختلف باختلاف حركاته ، فالباء المفتوحة لها صورة ، والمضمومة صورة أخرى ، والمكسورة كذلك ، وهي صور متقاربة وكذلك كتب هذا الخط الجعزي في طوره الأخير من الشمال إلي اليمين على خلاف الخطوط السامية . وقد سمي العرب الخط اليمني خط السند ، وزعموه أصلا للخط العربي الإسلامي ، والحق أنهما من أصلين مختلفين ؛ السند يشبه الكنعاني ، ويظن أن أحدهما أصل للثاني . والعربي الحديث مأخوذ من النبطي عن الآرامي كما يأتي . وكلها ترجع إلي الخط الفينيقي
4- الخط الآرامي
خرج الآراميون من جزيرة العرب إلي سوريا ، فيما يظن ، حوالى القرن الخامس عشر قبل الميلاد ،ِ بعد
خمسة عشر قرنا من استقرار الكنعانيين في تلك البلاد ، وتمكنوا علي مر العصور من إقامة دول لهم في الشام ، وحاربوا الأشوريين وغيرهم إلي أن زالت دولهم من الشام سنة 710 ق م .
وكانت حضارتهم قد ازدهرت ، ولغتهم قد انتشرت حتى صارت لغة عامة معروفة ما بين إيران والبحر الأبيض المتوسط .
وقد وصلت إلينا آثار آرامية يرجع أقدمها إلي القرن الثامن ق.م ، كشف عن هذه الآثار في آسيا الصغري ، وفلسطين ، ومصر ، وجزيرة العرب ، وإفريقية الشمالية .
5- الخط النبطي
النبط أمة من العرب أقامت مملكة شمالي الججاز وجنوبي الشام قبل الميلاد بثلاثة قرون أو أكثر ، وبقي لهم الملك إلى أوائل القرن الثاني الميلادي . وكانت لهم مدينتان كبيرتان : سلع ، وتري أطلالها اليوم في وادي موسي علي مقربة من معان ) وتسعى في كتب الأوربيين بترا ( ؛ والمدينة الثانية الحجر ، التي تعرف اليوم بمدائن صالح ، وهي في شمالي الحجاز .
وقد اتخذ هؤلاء العرب حضارة الآراميين وكتابتهم ، كما استعملوا لغتهم في بعض شئونهم
وقد أثرت عنهم كتابة في سلع والحيجر وحوران وبادية سيناء يختلف تاريخها بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي .
وعلي أيدي هؤلاء النبط تغيرت الكتابة الآرامية إلي الخط النبطي ، ثم تغير هذا الخط حتى قارب الخط العربي الإسلامي ، ثم تطور إلي هذا الخط منذ القرن الخامس الميلادي . وقياس الخطين النبطي والعربي لا يدع شكا في أن الأول تطور عصرا بعد عصر حتى انتهي إلي الثاني . وقد بقيت فيهما مشابه واضحة ، وخصائص مشتركة . وهذا الخط النبطي عربي كتبت به أمة عربية لغة عربية .
6- الخط العربي الإسلامي
أقدم ما كشف من الآثار العربية يرجع إلي القرن
الخامس الميلادي ؛ وجدت في زيد بين قنسرين ونهر الفرات ، وفي حران ، كما عثر في مصر علي أقدم نقش عربي إسلامي : وهو مؤرخ سنة 31 من الهجرة . ويتبين من التامل في هذه النقوش التماثل والتشابه القريب أو البعيد بين الحروف النبطية والحروف العربية ، ويري فيها الصفات الآتية :
1- حروف الكلمة الواحدة متصلة إلا الحروف الخمسة : الألف ، والدال ، والواو ، والراء ، والزاي .
2- واختلاف أشكال الحروف في أوائل الكلمات وأواخرها
3- والحروف غير معجمة . 4- والألف لا ترسم بعد الفتحة . 5- وتاء التأنيث نكتب تاء كالكتابة النبطية لا ههاء . 6- ويري في بعض النقوش واو للدلالة على التنوين كما في الخط النبطي .
انتشر هذا الخط العربي قبل الإسلام شمالا وجنوبا ، فقد وجدت نقوش في شمالي سورية ترجع إلي القرن السادس الميلادي ؛ والظاهر أنه امتد صوب الحنوب كذلك ؛ فإن الخطوط النبطية التي كشفت في الحجر وشمالي الحجاز تؤذن بتطور قريب إلي الخط العربي ، بل يظن أن الخط العربي نشأ في الحجاز وانتشر منه إلي الأقطار الأخرى
ثم جاء الإسلام فنشر الخط العربي في أقطار كثيرة ، فهو يكتب به اليوم ما بين غربي الصين والمحيط الأطلسي ، وما بين شواطئ نهر الفلجا إلي جزائر الملايو وسواحل إفريقية الشرقية وأواسط إفريقية ؛ تكتب به العربية والفارسية والتركية والأردية ولغات أخري في الهند وغيرها .
7- في عصور الإسلام
كان للعرب في القرن الأول الهجري خطان : الخط الكوفي ذو الزاويا ، وخط آخر مقور أو مدور ، هو أصل خط النسخ الذي نشأ من بعد ؛ وكان الكوفي للنقش على الأحجار والسكك ولكتابة المصاحف غالبا . وكان الخط الآخر للكتابة على الرقوق والبردي والكتب غير القرآن . وقد تطور الخطان على مر الزمان واكتملت
خصائص كل منهما فتباعدا ، وبقي الخط الكوفي مستعملا في مواضع استعماله إلي القرن السادس الهجري ، ثم ندرت الكتابة به . وعندنا في مسجد الغوري في القاهرة مثال منه يرجع إلي القرن العاشر الهجري .
وفي القرن الذي ندرت فيه الكتابة الكوفية بلغ الخط النسخي أوجه في الجمال والإحكام وقد تطور الخط العربي منذ القرن الثاني الهجري تطورا عظيما : أحدث إسحاق بن حماد في الشام الخط الجليل أيام السفاح . وأخد منه إبراهيم الشجري وأخوه يوسف خط الثلثين والثلث والخط الرياسي . ثم اختر ع خط النصف ، وخفيف الثلث ، والمسلسل ، وغبار الحلبة ، والمؤامرات ، والقصص والخط الحوائجي في العراق ومصر . واخترع على بن عبيدة الريحاني في القرن الثالث الخط الريحاني ، وجاء ابن مقلة وأخوه فأجاد الأول خط الرقعة ، والثاني خط النسخ في نهاية القرن الثالث الهجري
ونبغ ابن هلال في القرن الرابع . وفيه بقول المعري :
ولاح هلال مثل نون أجادها بخط النضار الكاتب ابن هلال
ثم توالي المجددون في الخط والمجودون فيه على مر العصور . وقد ذكر القلقشندي سندا متصلا فيه جماعة من أئمة الخط من ابن هلال إلي عصره . وذكر من معاصريه زين الدين بن شعبان محتسب مصر .
وقد ساح ابن شعبان في الحجاز واليمن والهند ، ثم أقام بمكة ، وله ألفية في الخط اسمها : العناية الربانية في الطريقة الشعبانية
وعد القلقشندي ثمانية خطوط كانت مستعملة في الدواوين المصرية أيامه وهي : خط الطومار ، ومختصر الطومار ، والثلث ، وخفيف الثلث ، والتوقيع ، والرقاع ، والمحقق ، والغبار .
وقد اخترع الفرس الخط الذي يسمى الفارسي ،
ثم نسخ التعليق ، ثم المكسور ) شكسته ( ؛ ومن عظماء الخطاطين عندهم سلطان على المشهدي ، ومير على ومير عماد ، ثم افتن الترك في الخط العربي وقلدوا فيه الفرس ، ثم اخترعوا الديواني وغيره ، وكان عندهم في القرن الحادي عشر الهجري نحو ثلاثين ضربا من الخط ؛ ونبغ منهم خطاطون مثل حمد الله في القرن العاشر ، وحافظ عثمان في الحادي عشر .
ولا ننسي الخط المغربي وطرائقه المستعملة حتى اليوم في المغرب .
وقصاري القول أن المسلمين عملوا في تجويد هذا الخط وتنويعه استجابة للحاجات ، وافتنوا فيه ، وتنافسوا في التجويد والتجديد ثلاثة عشر قرنا ، وجملوا به الكتب ، وزينوا المساجد والمساكن ، فاجتمع لهم على مر العصور فن جميل لو لم يكن كتابة لكان هندسة ونقشا ، وحلية وفنا جميلا مستقلا يباهي به أجمل الفنون عند الأمم .
وقد ضبطوا الحروف بالوصف والتصوير ، وقدروها بالنقط ، وبينوا كيف يبدأ بها ، وكيف ينتهي ، وكيف تعد الأقلام للخطوط المختلفة ، وكيف تبدأ الصفحات والسطور ، وكيف تنتهي . ووضعوا في هذا كتبا منظومة ومنثورة ، وصار لهم علم ذو أصول وفروع ، وفن مضبوط محكم يتصل بتاريخهم وحضارتهم كل الاتصال .
ضبطوا الخط ودققوا فيه ، كما ضبطوا الحروف وبينوا مخارجها بيانا يحدها على مر الزمان ، وكما ضبطوا لهحات اللغة وطرق أدائها ، ودققوا في هذا كله تدقيقا لم يعرفه التاريخ لأمة من الأمم الماضية أو الحاضرة
ذلكم تاريخ الخط العربي من حيث صوره ، وأشكاله . وأما الكلام عن هذا الخط من ناحية ضبطه للأصوات التي وضع لها أو تطوره في إحكام هذه الدلالة ، ثم من ناحية ما يمتاز به، وما يعاب ، وما يتصل بهذا ، فموعدنا له المقال الآتي إن شاء الله تعالى . عبد الوهاب عزام
