-1-
حاول الإنسان منذ عقل البيان ، ان يعين عن مقاصده باللفظ والإشارة وأن يثبت معانيه في صور أنقى من اللفظ نبقى ذكري له حين الحاجة ، أو بلاغا لغيره ممن بعد عنه ، أو علامة على ما يريد أن يميزه من حيوان أو أرض أو متاع .
وقد فقيه أسلافنا ضروب الدلالات ، وأبانوا حاجة الناس إليها ، واختلافها في سد تلك الحاجة . قال أبو عثمان الجاحظ في البيان والتبيين :
" وجميع أصناف الدلالات علي المعانى من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تريد : أولها اللفظ ، ثم الإشارة ، ثم العقد ، ثم الخط ، ثم الحال وتسمي النصبة . والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف ، ولا تقصر عن تلك الدلالات " .
وتكلم في كتاب الحيوان عن أنواع الدلالات ، وبين أثر الخط في الحضارة ، وقال :
" وليس بين الرقوم والخطوط فرق ، ولولا الرقوم لهلك أصحاب البر والغزول ، وأصحاب الساج وعامة المتاجر . وليس بين الرسوم التي تكون على الحافر كله والخف كله ، والظلف كله وبين الرفقوم فرق ، ولا بين العقود والرقوم فرق ، ولا بين الخطوط والرقوم كلها فرق . وكلها خطوط ، وكلها كتاب ، أو في معني الخط والكتاب . ولا بين الحروف المجموعة والمصورة من السواد المقطع في الهواء ، وبين الحروف المجموعة المصورة من السواد في القرطاس فرق " . وكذلك جعل من الخط كل رسم في الأرض كخط الحازي والعراق والزالجر .
ومن أسباب النقش والكتابة وأنواع الدلالات الباقية على الزمان حرص الإنسان على تخليد ذكره ومد
عمره بأثاره . وكما كان خوف الموت حافزا إلي كثير من العلوم والصناعات كما قال المعري :
وخوف الردي آوي إلي الكهف أهله
وعلم نوحا وابنه عمل السفن
كان خوف النسيان بعد الموت داعيا إلي البناء والنقش وأصناف من الخطوط والأنصاب .
ويقول الجاحظ أيضا : " وكانوا يجعلون الكتاب حفرا في الصخور ، ونقشا
في الحجارة ، وخلقة مركبة في البنيان . فربما كان الكتاب هو الباقى ، وربما كان الكتاب هو الحفر ؛ إذا كان تاريخا لأمر جميع أو عهدا لأمر عظيم ، أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره أو تطويل مدته كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القبر ان ، وعلى باب سمر قند وعلى عمود مأرب وعلي ركن المشقر وعلي الأيلق الفرد ، وعلى باب الرها ، يعمدون إلى الأماكن المشهورة ، والمواضع المذكورة ، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور ، وأمتنعها من الدروس ، وأجدرها أن يراها من مر بها ولا تنسي على مر الدهر " .
حاجة الإنسان إلي البيان ، وحرصة على الخلود كانا سببا لضروب الكتابة والنقش . وقد مر البشر بأطوار كثيرة ثلائم إدراكه وحاجته حتى بلغ ما بلغ في عصرنا هذا .
ولا يزال بعض الناس في عصرنا يتوسلون إلي البيان بوسائل الجماعات الأولى ، قبل أن يهتدي الناس إلي الكتابة ، ولا يزال الناس يسمون الحيوان ، والمناع ، ولا يزالون يحسبون بالعقد وبالحصى والسايج ونحوها .
وقد قرأنا عن ناس في أستراليا يستعينون على تأدية الرسائل إلي البعيدين عنهم بعصا تسمي " عصا الرسول " : يتأهب الرسول لتلقى رسالته ، ويؤتى بعصا . ثم تلقى الرسالة بينما نحن على العصا حزوز مختلفة يتخذها الرسول تذكرة . فإذا بلغ المرسل إليه خلا به وأدى الرسالة ناظرا إلى حزوز
العصا . وبين أنه إذا تعددت الرسالات تتخذ تلك الحزوز معاني تقر بها من الكتابة .
وقد عرف كذلك عن سكان أمريكا الأصليين دلالات مختلفة لاتزال مستعملة بينهم . يدلون - مثلا - على عدد الحيوان المبيع بخطوط تساوي العدد تنتهي بصورة الحيوان . ويدلون على الثمن برسم دوائر تدل على السكة " النقود " .
وقد قتل رئيس هندي اسمه القباء الأحمر سنة ١٨٠٧ فسجلت الواقعة بتصوير قباء أحمر مخترقه سهام ويسيل منه دم . ودلوا على الطباعة بصورة إنسان بارز الأضلاع ، وعلى الحزن بتصوير وجه أو عين بسيل منه الدمع وقد وقعت معاهدة بين جماعة منهم وقائد أوربى فقدم إليه حزام نقلت فيه أصداف وفي وسطه صورتان تتصافحان" الخ .
فهذا وكثير مثله بقية مما حاوله البشر للديان منذ انتظمت جماعاته وتفاهمت .
وهكذا نشأت الكتابة في الأمم القديمة : كان المصريون ، والبابليون ، وأهل الصين يدلون على المقاسد بالصور ؛ فكانت الصورة تدل على المعنى بغير لفظ . ثم دلت الصور علي ألفاظ أو مقاطع . ثم انتهت الصور إلي الدلالة على الأصوات المفردة فكانت الكتابة الحرفية التي نعرفها
2- الخط الفينيقى
مهما يختلفون في الخط الفينيقى أخترع في الشام مستقلا غير متأثر بغيره أم كان للخط الأشوري أو المصري أثر فيه ؛ فلا خلاف بينهم في أن الفينيقين استعملوا خطأ عجائبا عرفت منه آثار ترجع إلي القرن التاسع قبل البلاد وأن استعمالهم له ينبغى أن يكون قد سبق هذا التاريخ بحسب طويلة ، وأن هذا الخط إذا قيس بالخطوط الصورية القديمة أو الخطوط المقطعية التي نشأت عنها ، عد فتحا عقلها في الحضارة ؛ فقد أتمنى اثنان وعشرون رمزا صغيرا عن مئات الصور بل آلافها التي كانت مستعملة عند الأمم الآخرى ، وكان لهذا في الحضارة أثر يشبه اختراع
الحروف المفصلة في الطباعة . كان بعض القدماء يطبعون بقوالب ، فلما اخترع جوتيرح الحروف المتحركة فتح هذا الفتح المنظم .
ولا يختلف الباحثون كذلك أن هذا الخط الفينيقي هو أصل الخطوط الأوربية كلها وأصل الخطوط السامية جميعها ، ومنه أخذ السنكريتى ، والخط الفهاوي ، والخط الذي كتب به بعض اللغات التركية في جهات سيبريا وهو الذي يسمى خط أورخون كما اخذ منه الخط التركي الآخر المسمى الأبغوري . وليس بهمتنا في هذا المقام ولا يمكننا ، أن نبين تطور هذا الخط في أيدي اليونان حينما أخذوه من الفينيقين ، ولا كيف تطور في الكتابة اللاتينية والكتابات الأوربية الآخري ، ولا كيف أخذت منه الخطوط السياسية المختلفة ومنها الخط العربي . فذلكم بحث طويل شاق لا يحتاج إليه في هذا المقام ، ولكني أكتفى بما تحتاج إليه لاطراد بحثنا .
الخط المصري الهجائى الذي تطورت إليه الكتابة المصرية كان مؤلفا من أربعة وعشرين حرفا لاحركه فيها . والخط الفينيقى الذي تفرعت منه الخطوط التي ذكرت مؤلف من اثنين وعشرين حرفا لا حركة فيها ولما اتخذ اليونان الكتابة الفينيقية وجدوا فيها من الحروف أكثر مما يحتاجون إليه . وأريد بالحروف كل ما عدا الحركة مما يسمي بالاصطلاح الأوربي : " Comsoent" فحولوا بعض الحروف الزائدة إلي حركات ؛ حولوا الهاء إلي c والعين إلي o والحاء إلي e ؟ والواو إلي "
وكتب اليونان الحركات مع الحروف وسار على نهجهم في هذا كل الأمم الأوربية .
ولكن الأمم السامية كلها لم تكتب صور الحركات في خلال الكلمات مع صور الحروف إلا الحبش في الطور الثالث من كتابتهم كما يكتبون اليوم . وستعود إلى هذا بعد .
وأقدم ما كشف عنه البحث من الآثار المكتوبة بالخط . الفينيقى يرجع إلي القرن التاسع قبل الميلاد . وهو حجر
كشف في زنجرلي من شمالي سورية . وهو نقش فيه أحد عشر سطرا وفي زاويته اليسري العليا صورة الملك كلمو أحد ملوك الكمانيين في ملابسه الحربية .
والظاهر أن مبتكر الخط الفينيقي استعان بالصور ؛ ولكنه لم يضع الصورة للدلالة على المصور ولا للدلالة على لفظ أو مقطع كما نجد في تاريخ المصرية والأشورية بل رمز بصورة الشئ للحرف الأول من اسمه ، فدل بصورة البيت مثلا على الصوت الأول من كلمة بيت وهو الباء ثم اختزلت الصور . ولا تزال أسماء الصور تبينة في أسماء الحروف السامية ولا تزال الصور الأولى واضحة في بعض خطوطها : الألف ثور ، وبيت (باء ) بيت ، وجميل ( جيم) جمل ،
ودالت ( دال ) باب ، وواو وند ، وزايين ( زاي ) سيف ، ويود ( ياء ) يد ، وكاف وكاف كف ، وميم ماء ، ونون ثعبان ( نحن ) ، والسين سمك ، وعين عين ، وق (فاء ) فم .. وريش (راء ) رأس ، وشين سين ، وتار ( تاء ) علامة الخ . . .
ولا تزال صور هذه الأسماء واضحة في كثير من الحروب السامية ولا سيما الخط السينائي الذي كشف في بادية سيناء . وفيه تظهر صور رأس الثور والبيت والكف والسمكة والعين واضحة في علامات الحروف : ألف ، باء ، كاف ، سين ، عين .
( للكلام صلة )

