الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 156الرجوع إلى "الثقافة"

الخفاش، وكيف يشق طريقه في الظلام

Share

يعتقد بعض الناس ان الخفاش طائر ، وهو أبعد ما يكون عن ذلك ، فهو يشبه الفار لونا وشكلا ، وله جسم صغير يغطيه الشعر ، شانه في ذلك شان جميع الحيوانات ذات الثدي ، وذلك بخلاف الطيور التى يغطي جسمها الريش ، والخفاش صغير الحجم قليل العضلات ، له زوجان من الأطراف يدان ورجلان ، وقد تحور البدان إلي جناحين عما كل ما يملك الخفاش من حول ومن قوة ، فإذا اصيب احدهما يضر كان في ذلك نهايته . وهو يطير بجناحيه إلي مسافات بعيدة ، وربما فاق الطيور في ذلك . ويتكون الجناح من اصابع اليد ، فللخفاش خمس

ثلاثة أنواع لأجنحة : فالعلوي جناح الطائر الأولى المنقرض . والأوسط لخفاش ، والسفلي لطائر ، وقد ظهر هيكل كل

أصابع في يده مثلنا ، لكن أربعا منها قد امتدت بينما بقيت الابهام على قصرها ، وامتد الجلد الذي يغطي الجسم إلي اليد والأصابع ، فصار غشاء كبيرا تكون منه الجناح ، وامتد كذلك إلي القدمين والذيل ، فكون مساحة كبيرة تساعد الخفاش على الطيران لمسافات بعيدة . أما قدماء فلا تمكنانه من المشي ، وإذا اضطر الحيوان إلى ذلك زحف متعثرا على الأرض ، فكانهما لم تخلقا في الخفاش للسير ، بل ليثبت بهما نفسه ، ويعينه على ذلك ان اصابع قدميه مخلبية حادة ، يتعلق بها الحيوان على الأغصان او الجدران او ما شاكلها ، ويبقي جسمه متدليا والراس في مقدمته ، وفي هذا الوضع المنعكس يجد الحيوان راحته ، فيلف جناحية حول جسمه ، وبذلك يدثر نفسه بغطاء طبيعي ، ومن ثم كان في غير حاجة إلى عش يأويه او جحر بقيه فارس البرد وشديد الرياح

ويأوي الخفاش الكهوف والمغارات والآشجار وكل مكان بعيد عن الضوضاء . وليس من الغريب ان يبقى مثل هذا الحيوان ، فيصارع من أجل البقاء ، ويتمتع بسلام دائم ؛ فليس في جسمه مطمع يغري الحيوانات الآخر على افتراسه ، ومن وسائل الحماية التي أمدته الطبيعة بها ما ينبعث منه من رائحة نفاذة تنفر منه القريب والبعيد ، تلك الرائحة التي تفرزها غدد خاصة أودعها الله جسمه

وتكاثره محدود ، فالانثي تلد صغيرا او صغيرين ، مرة واحدة كل عام ، وترضع الام صغيرها بينما يتعلق بأمه ، فتطير به وهو على هذا الوضع من مكان إلى آخر ، ويعيش الخفاش عشرين عاما ، وتزداد أعداده بسرعة كبيرة . نظرا لقلة اعدائه من الحيوانات ؛ ففي استراليا مثلا وصلت هذه الأعداد إلى حد أزعج السكان ، فاستنجدوا بعلماء الاحياء يبتغون عندهم الوسيلة إلى التخلص من هذا الوباء ولكن أني لهم ذلك ؟

ويتغذي الخفاش على الحشرات والفواكه ، ومنه انواع تعيش على دم الثدييات ، وتسعى مصاصات الدماء فتجد الواحد منها مزودا بقواطع حارة كالأزميل ، يحدث بها جرحا في الفريسة فيسيل دمها فيمتصه ، وليس لمصاص الدماء هذا اضراس لانه يعيش على السوائل ، وهو ينتهز فرصة نوم الحيوان ليحدث فيه الجروح دون ان يشعر إذ لا يسبب له أي الم ، وبعد ذلك يلعق الدم الذي يسهل من الجرح ، فيخزنه في معدة انبوبية طويلة ليقوم يهضمها بعد ذلك على مهل . وفي أواسط افريقيا حيث

يشتد الحر ، وتنسام الزنوج في العراء ، يسطو مصاص الدماء على النائم ، فيحدث جرحا في الانف أو الابهام ، لانهما اظهر اجزاء الجسم وأبرزها منه ، ويستعين في

اثناء امتصاصه للدم بالرفرفه بحناحيه ليحدث تيارا هوائيا ، يزيد النائم استغرافا في نوم عميق .

وللخفاش زوج من الاعين الضعيفة ، فهو يمضي وقته في الكهوف نهرا ويسعي لغذائه ليلا ، ويجد طريقه في الظلام ، فهل تساعده عيناه على ذلك

من المعروف أن أي عين لا يمكنها أن تبصر في الظلام الدامس ، وقد لوحظ ان الخفاش يطير في الكهوف الظلمة فلا يصطدم بجدرانها مطلقا ، وقد ثبت انه لا يستعين في ذلك ببصره ، وتنحصر التجربة التي اثبت بها ذلك في انهم اخذوا خفاشا وغطوا عينيه بغطاء غليظ لا ينفذ منه اي ضوء ، ووضعوا حواجز تسترض طريقه ، ومع ذلك لاحظوا انه لم يصطدم مرة بحاجز منها ولزيادة التأكد من أن الخفاش لا يعتمد على عينيه في طيرانه فقشت عيناه تم وضع في غرفة امتدت بين جدرانها خيوط من الحرير ، قطار الخفاش بين هذه الخيوط وكانه لم يفقد بصره ، ثم استهملت بالخيوط الحريرية اسلاك ، فلم يصطدم الخفاش بها مرة واحدة ، بل ظل طائرا بمهارة لا تقل عن مهارته قيل أن تعقا ميناء

عندئذ اتجه البحث إلي حاسة اخري وهي السمع ، فأخذ خفاش وصدت اذناء بمادة كالجبس ، ثم ترك في نفس الغرفة ، وأشد ما تحقق هذا الظن ، إذ لوحظ أن الخفاش يصطدم بالأسلاك ، وكانت نسبة اصطدامه ٧٥ مرة في كل مائة محاولة

ومن الملاحظ دئما اننا إذا دخلنا كهفا تسكنه الخفافيش فانها تطير بين جدران محدثة صوتا ضعيفا ، فهل لهذا الصوت علاقة بطيران الخفاش ؟

في هذا السر خفيا حتى اخترع الجهاز اللاسلكى الخاص استقبال الأصوات وتكبيرها ؛ وسبب ذلك ان الأذن البشرية لا تقوي على تميز الصوت الذي يزيد تردده على عشرين ألف ذبذبة في الثانية ، والخفاش يحدث

اصواتا تزيد في ترددها على هذا الحد ؛ ومن ثم لم يستطع الإنسان ان يشعر بها حتى سخر لجهاز اللاسلكى المشار إليه الذي يستقبل الأصوات ويكبرها .

واستخدم العلامة جلاميس جهاز من هذا النوع في غرفة عازلة للصوت أي لا تنفذ خلالها الأصوات ووضع معه خفاشا ، فلوحظ انه لما بدا الحيوان طيرانه ، أخذ الجهاز يذيع أصواتا ذات تردد عال . وقد حاول جلاديس أن يبين العلاقة بين هذه الأصوات وبين اتخاذ الخفاش الطريق الصحيح ، فأخذ حفاشا ووضعه في غرفة تمتد بين سقفها وارضها اسلاك مشدودة ، وكان سمك السلك مليمترا والبعد بين كل سلكين ثلاثون سنتيمترا ، وكان على الخفاش أن يمر بين هذه الأسلاك عند طيرانه ؛ وإذ كانت المسافة بين نهايتي الجناحين عند امتدادهما أثناء الطيران تبلغ أربعة وعشرين سنتيمترا ، فاننا نستطيع ان نتصور مقدار الدقة التي يجب أن يتوخاها الخفاش في طيرانه ليتمكن من المرور بين تلك الأسلاك وقد تمكن الخفاش طبعا من أن يطير بين الأسلاك بسهولة ، وكانت نسبة تصادمه بها بمعدل ٢٥ مرة كل مائة محاولة

بعد ذلك اخذت انبوبتان مفتوحتا الطرفين ، ووضعت انبوبة في كل من اذني الخفاش ، ثم ربط صيوان الأذن حول الأنبوبة ، حتى لا تنفذ الأصوات إلي الأذن إلا من خلال الأنبوبة ، وعند سد الأنبويتين بسداد من القطن ، لم يحاول الخفاش ان يطير من مكانه ، بل بقي على الأرض محاولا ان يتخلص مما سد اذنيه ، وعندما اضطر إلى الطيران يقذفه في الهواء ، اصطدم بالأسلاك وبالجدران ثم سقط على الارض ، وعندما ازيل سداد القطن طار الخفاش كعادته .

بقي بعد ذلك أن نتأكد من أثر الصوت الذي يحدثه خفاش وكيف يرشده في طيرانه ؛ ولبحث هذه النقطة

اخذ خفاش وكم فوه ، وغطى بالكاودين حتى لا يتمكن من احداث أي صوت ، فلوحظ انه يصطدم بمعدل ٦٥ مرة في كل مائة محاولة ، ولم يرسل جهاز التكبير اي صوت ، مما يبين العلاقة الوطيدة بين صوت الخفاش وطيرانه .

وقد شرحت حنجرة الخفاش ، فتبين أنها تحوي اوتارا صوتية تتحكم فيها عضلات قوية تساعدها على إحداث اصوات ذات تردد عال تتفق مع ما يسجله جهاز الصوت .

وعلى ذلك نجد أن الخفاش يحدث صوتا ينعكس على ما يصادفه من جدران ، فتستقبله إذنه وتعينه على معرفة بعد الحاجز . ورب قاريء يتساءل عما يحدث لو كان في الغرفة اكثر من خفاش واحد . والجواب على ذلك أنه لا يبعد أن يميز الخفاش أصوانه كما تميز الأشخاص بين أصواتها .

اشترك في نشرتنا البريدية