الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 157الرجوع إلى "الثقافة"

الخلق الجذاب، كيف نحتفظ بالأصدقاء ؟، وكيف نتقي من يناصبوننا العداء ؟

Share

اقوى عوامل النجاح في الحياة ان تهتدى إلي سر الاحتفاظ بأصدقائك واستكثارهم . وان تعرف كيف تتقي خصومك وتتفهم نياتهم

وقد اهتدى خبراء الطبيعة البشرية الذين درسوها في عديد العصور والأقطار ، وبين مختلف الأجناس والأعمار ؛ إلي هذا السر الاجتماعي الخطير ، وعبروا عنه بكلمتين : هما " الخلق الجذاب " ، وجعلوا للخلق الجذاب ثلاثة اركان يقوم عليها ، ولا ينهض إلا بها ، وهي : الخيال الصادق ، والكف عن إدانة الناس ، والتحرز من التبرم والضجر .

وأول ما يتبغي المعنى بالنجاح في الحياة . الحريص

على تحاشي الاصطدام بالناس ، مع اجتذاب مودتهم ومجانبة اذاهم ، ان يكون قادرا على فهم اصحابه وخصومه فهما صحيحا ؛ وهذه المقدرة التي نسميها " الخيال الصادق " هي نعمة ما جاورت قلب امرئ إلا وصلت بمكانته في قلوب الناس ، من أصدقاء وأعداء ، إلى المنزلة الرفيعة ، وسمت بشخصه إلي المقام الموموق .

ودليل تمتعك بموهبة الخيال الصادق ، قدرتك على ان تضع نفسك وضعا فعليا كاملا مخلصا في مكان غيرك ، مقتنعا بأن هذه هي الوسيلة المثلي لتقليل الاحتكاك الاجتماعي الذي لا محل له ولا غناء فيه ، وهي الدعامة العظمي لإقرار العلاقات البشرية في وضعها السليم

ومع انك لن تستطيع - وان حرصت - ان تقضي على كل احتمال للاحتكاك ، فإنك قادر لا محالة على تفادي الجانب الاكبر من دواعي الشحناء وأسباب النزاع .

ذلك ان معظم ما نراه من مظاهر الجفاء والقسوة والصرامة في العلاقات بين الناس ، إنما هي النتائج المريرة

المباشرة لضعف موهبة الخيال الصادق عند الاكثرين .

فإذا تعمدت الاستزادة من قوة الخيال الصادق ، فتعودت وضع نفسك في موضع الشخص الآخر ، كانت هذه الرياضة النبيلة قمينة ان تكشف لك عن رأس الحكمة في علاقاتك بالناس ، وان تغرس في صميم روحك النواة الزكية للشجرة المباركة التى من ثمراتها دمائة الأخلاق ولين المربكة ، ورقة الحاشية ، وبراعة الاسلوب ، واعتدال المزاج ، وحسن المعاملة .

وإنا لتضمن لك أن إخلاصك في ترويض النفس على تنمية موهبة الخيال الصادق ، من شأنه ان يغير مذاق الحياة ولونها ، ونكفل ان يكون تأثير رياضتك في الآخرين كالسحر او أشد فعلا ، إذ سرعان ما يشعر صاحبك بانك تفهمه ، فإذا تثبت من ذلك واطمان إليه ، فانت لا محالة صديقه الأول ، وصاحبه المفضل .

وما تأثير هذه الرياضة في نفسك بأقل من تأثيرها في سواك ، فانك حين تفهم شخصا ما ، وتبين ظروفه ومتاعبه ورغباته ، لا تلبث ان تقدره حق قدره ، ولا تتمالك ان تحبه وتعطف عليه ، فان لم تستطع فأنت قادر على الأقل ان لا تبغضه أو تناسبه العدوان .

وأنت تحبه لأنك حين تضع نفسك في مكانه تصبح كشخصه ، بنصه وقصه ، فتنتحل له من المعاذير ما ينتحله هو لنفسه ؛ وعوضا عن أن تحمل عليه تراك منضما إلي صفة ، ويحلو بذلك مذاق الحياة ، ويصفو لونها ، وتقل شوائبها ، وتقوى بين الناس المودات ، وتتضاءل الخصومات وأسباب المشاحنات .

وانت تستوضحنا الطريقة العملية لتقوية هذه الموهبة السامية . وها نحن ندلك على الطريقة ، وهي كما ستري سهلة سائغة . سل نفسك :

بأي شيء يهتم صاحبي هذا ، فوق اهتمامه بسائر الأشياء ؟

ما هي أضعف نواحيه ؟

ما هي أقوي جوانبه ؟ ما هي فكرته عني ؟ كيف أدخل السرور على نفسه ؟ أتراه متوعكا ؟ ماذا يضايقه ؟ فيم يفكر ؟ كيف أجامله ؟

كيف يكون شعوري لو أنني كنت في موضعه ؟

ولسوف تري موهبة الخيال الصادق تنمو بهذه الرياضة الروحية ، كما تقوي عضلات البدن وتنمو حين تروضها فترناض لك ؛ ولسوف نلاحظ أيضا أن هذه الموهبة تضعف وتتضاءل حين تقفل عن تمريتها ، كضعف العضلات وجمودها ، بعد ترك تعهدها وطول ركودها .

ومهما تسكن غايتك التي ترمي إليها من تنمية خيالك الصادق ، ووضع نفسك في مكان صاحبك ، فان النتائج الباهرة التي تصل إليها ان تكون محل شك او موضع مناقشة .

وإنها لنتائج صالحة لكل مجال ، فهي تكاد تقضي على الاحتكاك ، وهي تساعد قطعا على التفاهم المتبادل وهي تؤدي حتما إلى فسحة الصدر ، واتساع الآفق . ورجحان العقل ؛ كما يؤدي عدم توافرها إلى زيادة الاحتكاك ، وتوسيع شقة الخلاف ، وانقباض الصدر ، وضيق الأفق ، ونقصان العقل .

ولا تسل عن تأثير هذه الرياضة في التعجيل بتحقيق آمالك ، أكثر من أية وسيلة أخري تسخرها لقضاء حاجاتك ؛ فما كانت علومك وفنونك وشهاداتك ، ولا كان مالك وعقاراتك ، ولا كانت وظيفتك أو مكانتك الاجتماعية ، ومتانتك الخلقية ، لتغني عنك شيئا مذكورا ولو اصبت علم الأولين والآخرين ، واختزنت الملايين ، أو ارتفعت مكانتك الرسمية إلى عليين ، ما كانت هذه كلها لتغني عنك إذا لم تدعمها موهبة الخيال الصادق ، التى

هي أقوي عدوك للنجاح ، وأنجمع وسائلك للاغتراف من بهجة الحياة وحلاوتها

وإنا لنذكر أننا كنا كلما تحدثنا إلي صديق عزيز ، في الذروة الباذخة من المجد ، والمرتبة الفذة من العبقرية ، أنه كان يقول إذ يخالفنا في النتيجة المنطقية التي نستخلصها من مقدماتنا المادية المسلم بها :

" إني لأحمد الله على كثير من المزايا ، ولكن المزية التي احمده عليها قبل سواها ، انني استطيع ان اضع نفسى في محل خصمي القضائي او الشخصي او السياسي ، وان أفكر وأنا في مكانه تفكيرا مخلصا بعقله وعاطفته هو لا بعقلي وعاطفتي انا ، وان اصل عن هذا الطريق إلى النتائج التي يصل إليها هو ، واتعرف الوسائل التي يستخدمها هو ، فأتخذ عدتي لهذا كله ، واستعد للقائه في أحسن أهبة "

وليست أهمية الخيال الصادق بمحصورة إذا في دائره الصداقة والعلاقات الودية وحدها ، بل تتجاوزها إلى غير ميدان الصداقات والمودات ؛ وهي في هذه الميادين الأخرى ضرورة لا غني عنها ، فهي عظيمة الاثر في تقليل حدة الخصومات ، وتقريب وجهات النظر المتباعدة ؛ وهذا العظيم الذي حدثناك عنه يكاد يكون من اسعد الناس وأشدهم قدرة على التفاهم مع اصدقائه ؛ ولعله اكثر من ذلك براعة في التعامل مع خصومه

والآن فلنتقدم إلي الشطر الثاني من موضوعنا ، وهو الكف عن إدانة الناس . وإنا لنعرف من مطالعاتنا واختباراتنا ان معظم ما يعرض من الفتور بين الاصدقاء ، وما يثور من النزاع والصراع بين الخصوم والأعداء . إنما يرجع أكثر براعته إلي تأصل إدانة الآخرين والحكم عليهم في عادات هؤلاء الأصدقاء او الخصوم على السواء

فأنت تحكم على شخص بالصلف والكبرياء ،

والأثرة والآنانية ، وتبني الحكم على أنك طالما جاملته في عديد المناسبات : توفي قريبه فشيعت جنازته ، وتزوجت أخته أو زفت ابنته فلم تدخر جهدا في معاونته ، نوعك أو اعتكف فلازمته ، وما ازمع سفرا إلا ودعته ، أو عاد من سفر إلا استقبلته ، فإذا دعا إلى مائدته سارعت لتلبية دعوته ، والاتقناس بصحبته ، فانظر ماذا كان من أمره معي :

" توفي قريب لي من ابناء الأعمام الاشقاء ، فلم يكلف خاطره الحضور إلى السرادق ، وكان على قيد امتار من داره ؛ وتزوجت ابنتي فلما دعوته اشفق من ان يرد هديتي ، فأبرق مهنئا ، واعتراني المرض العضال كاد يقضي على حياتي ، فظللت اغاليه شهرين بين الدار والمستشفى ، ولكنه ما حضر لعيادتي حتى كنت قد عوفيت وتسلمت عملي ؛ ولما احتفلت بالشفاء وزوال الداء ، دعوته إلى حفلة صفوة الأصدقاء ، وكان أول المدعويين ، فهلل وكبر ، وقال وكيف لا البى وهذا يوم طالما تمنيه وترقبته : حتى إذا رفع الخوان ، وانصرف أكثر الاخوان ، أقبل الصديق الكريم يقول إنه حضر ليعتذر ، وهو مضطر إلى العودة ادراجه ، إذ ترك في سيارته من ينتظره للذهاب إلى موعد لا سبيل إلي إرجائه . . ثم سافرت إلي السودان ، وعدت من لبنان ، فلا والله ما وكل إصبعه بقرص التليفون يديره خمس مرات ليسأل عن صحة سلامتي .

" أهذا بالله صديق : أهذا إنسان ! أهو من بني ادم ؟ لقد صبرت وصابرت ، وصفحت وسامحت ، والتمست له الأعذار السنين الطوال ؛ أما اليوم فلا مودة ولا إخاء ، بل قطيعة وجفاء ، إلى آخر الدهر ، ونهاية الممر إنه مخلوق غير قابل للاصلاح ، ولعله ناقص العقل مختل الأعصاب ، متحلل الأخلاق ، تملك عليه الأنانية مسارب نفسه ، ويكاد يقتله الزهو والغرور ، في غير مبرر لزهو أو مسوغ لغرور " .

وانت تسمع هذه القصة او ما يماثلها مرتين في كل يوم ، وانت لا تكاد تصادف في كلام الناس غير هذا النوع من الحكم على الناس ، والشكوي من اخلاق الناس ، والتنديد بخيانة الناس ؛ وإنها لعادة متأصلة ، يحسبها الكثيرون مستعصية الشفاء ، ممتنعة على كل دواء

وكم من رجل خسر اخاه وصاحبه ، وكم من سيدة أضاعت زوجها ، أو فقدت اخلص صاحباتها تحت تأثير هذه العادة المتفشية ، عادة الحكم على الناس حكما انتهائيا لا يقبل استئنافا ولا نقضا ، ولا التماسا لاعادة نظر ، ولا هو حتى يحتمل العفو بحال من الأحوال .

وكم من حياة كدرت ، وسعادة رنقت ، ودنيا مشرقة انطفا ضياؤها بسبب إدانة الناس والحكم عليهم .

ولكن كيف السبيل إلي الخلاص من هذه العادة ؟ سل نفسك : من أنا حتى اتحكم ؟ ومن ذا وضعني فوق منصة القضاء ، اصدر الأحكام على الأصدقاء والأعداء ؟ بل سل نفسك : هل سمعت كل الأدلة ، أو حتى جزءا من مائة جزء من مجموعها ؟ وهل ثمة احتمال لأن تصل بعلمك إلي هذه المرتبة من الاحاطة والالمام ؟

قل لها : أيتها النفس هلا تدبرت ما في منظر الانسان الذي ينصب نفسه قاضيا ، يتبوا الاريكة العالية ، يحكم على انسان اخر ؟ فهلا تدبرت ما في هذا المنظر العجيب من سخرية تثير الرثاء ؟

قل لها : ليست الحكمة في تحاشي إدانة الناس ، هي مجرد عدم التعرض لحكمهم عليك ، ولكن الحكمة كل الحكمة في أن تحتفظ أنت بكياستك ولياقتك واحترامك لنفسك . ثم أي شئ هو أبعد عن اللياقة من تصرف من ينتحل لنفسه صفة ليست له ، ولا هي من اختصاصه ، فيحاكم الناس ويدينهم ؟

قل لنفسك : سأستطيع ان ادين غيري ، حين اصل

إلي مرتبة العلم بكل شئ ، ولن أبلغ هذه المنزلة لأنها صفات يتفرد بها الديان العادل .

ولن نتمكن من الكف عن إدانة الناس ، إلا باليقظة المستمرة ، والسيطرة المتواصلة على فئات عقلنا الباطن وبوادره ، حتى تنجح في تكوين عادة الكف عن إدانة الناس ، وهي من انفع العادات لأنها تكفكف من غرب غرورنا ، ونزيد قلوبنا استمساكا بالتي هي احسن ، وتنعي فينا القدرة على ان نكون في معاملاتنا ظرفاء لا متظرفين ، كرماء غير متكرمين ، ودعاء لا متنازلين ولا مدعين .

أما الركن الثالث من أركان الخلق الجذاب ، وهو التحرر من التبرم من الضجر ، فسنحاول ان نجعله موضوعا لبحثنا في مقال تال إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية