فى سنة أربع عشرة ومائتين ، هَفَت نفس الخليفة المأمون إلى دمشق ، وكان خلفاء بنى العباس يخفون إلى دمشق الخضراء ، طلباً للصحة وحسن النظر ، فياهها الغزيرة المتدفقة ، وغوطنها الفاتنة الثانية ، وفاكهتها اللذة المختلفة ، وهواؤها الرقيق البليل ، ومسجدها النادر المثال العظيم ، كل أولئك كان يجعل لدمشق فى قلوب الخلفاء العباسيين معزلة ومكانة ، وكان لايمنعهم عنها إلا أهلها ، وهم أمويو الهوى ، وإلا كونـها مقرً أعدائهم وعاصمة أعظم دولة امتدت فتوحها فى مشارق العالم المعروف يومئذ ومغاربه
وكان المأمون ، إلى ذلك ، يقصد أن يمسح أجناد الشام وبعدلها ، فأحضر معه المُسَاح والمعدلين ليعدلوها ثم يمسحوها ، وكان من بين هؤلاء مُسَاح العراق
والأهواز والرى ، ومن بيهم حرب بن محمد الطائى ، أحد كبار المحدثين .
ورحلة كهذه ، يقوم بها خليفة كبير ، لابد من أن تكون عظيمة ، بالغنة من الأبهة مبلغناً عظيما ، وأن يكون فيها من الحاشية عدد كبير من الأمراء والوزراء والقضاة والكتاب والندماء والمغنيين واللهين والخدم .
فكان معه من الأمراء المعتصم بالله ، وسليمان بن عبد الله الهاشمى ، ومن الوزراء عمرو بن مسعدة ، ومن القضاء يحيى بن أكتم ، ومن الكتاب مُعمٌلي بن أيوب ، ابن خالة الفضل والحسن ابنى سهل ، ومحمد بن يزداد ، وأحمد بن يوسف الــــكاتب ، وكان قد تولى ديوان رسائله . ومن الندماء ابراهيم بن يحيى البزيدى ، وكان عالماً بالأدب شاعراً ، وعلى بن هشام . أما المغنون فقد حمل معه منهم سيدهم اسحق بن ابراهيم أمير الغناء ، وعُاوبة ، وعمارقا ، ثم أرسل فأحضر أبا حشيشة الطنبوري .
وسار المأمون ... حتى بلغها ، وعسكر بدير معروف باسمه دير مرٌان.
كان هذا الدير على تل فى سفح قاسبون ، بناؤه بالحص الأبيض ، و أكثر فرشه بالبلاط الملون ، وكانت قلاليه بدور به ، وكانت تتراكب حوله الأشجار ، وتتدهن المياه ، وتحدق إليه الرياض .
واعجب المأمون بالسكان بما حوله من رياض حسان ، وكان الرشيد من قبله قد نزله ، وأحبه ، وشرب فيه .
وأمر المأمون فبني في أعلى الجبل قبة صيرها موقداً ، فكان يوقد فيها النار ، لكى ينظر إلى ما في عسكره إذا جن الليل . وكان ضوءها وضياؤها يبلغ إلى ثبية العقاب وإلى جبل الثلج .
كان هَمٌ المأمون ، بعد أن فرق المساح والعدلين . أن ينظر إلي ثلاثة : مسجد بنى أمية ، وقوطة دمشق ، ثم يطوف في آثار أعدائه الأمويين .
وعزم على أن يزور مسجد دمشق . ودخل إليه يجر وراءه حاشية عريضة ، وكان على يمينه المعتصم أبو العباس ، وعلى يساره ابن أكتم ، فبهت لما رأي من نقش خشبة ، وترويق حيطانه ، ورخامة الأبيض والمنقط والأخضر والشحم والسُماقي وفسيفسائه الذهب والملون المعجون ، وقبته الشاهقة العقارمة ، وبرانيًة الزجاجية الفاخرة ، وأروقته القائمة على الـممد والـمضائد التى أزرت جدرها بالرخام الأبيض والـُمجزَع ، والأحمر المنقط ، والأحضر المرشوش ، والأسود الغرابى والأبقع فأطرق مفكراً ، ثم نظر إلي المعتصم وابن أكتم وقال :
" ما أمجب ما في هذا السجد ؟ " قال المعتصم : ذهبه يامولاي ، ودهانه وبقاؤه فإنا نموه به قصورنا فلا تمضي عشرون سنة حتى يتغير ، وهذا باق بحالة كأن الصانع قد فرغ منه الآن .
قال المأمون : ما ذاك أعجبني . فتقدم يحيى بن أكتم فقال : - نعم ، إنه تأليف رخامه ، فإني رأيت فيه عقوداً ما رأيت مثلها ! قال المأمون : كلا ، فما ذاك أعجبني . وحارا فى امرهما ، وقالا له : فما الذي اعجبك منه يا أمير المؤمنين ؟
قال : بنيانه علي غير مثال متقدٌم ! قال الجميع : صدقت يا أمير المؤمنين . وطاف المأمون بالمسجد ، حتى وقف في قبلته ، أمام صفائح مذهبة باللأزورد فيها : " بسم الله الرحمن الرحيم ، الله لا إله إلا هو . . ( الآية ) لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ولا نعبد إلا إياه ، ربنا الله وحده ، وديننا الإسلام ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم . أمر ببناء هذا المسجد وهذه الكنيسة التى كانت فيه ، عبد الله الوليد أمير المؤمنين ، فى ذى القعدة من سنة ست وثمانين "
وكانت هذه الكتابة فى ثلاث صفائح منها ، وفى الرابعة سورة الفاتحة إلى آخرها ، ثم النازعات ، ثم عبس ، ثم التكوير بتمامها . ونظر المأمون إلى اسم الوليد ، ثم همس في أذن أمير البلد ، وأنهي طوافه ومضى . قال يعقوب بن سفيان : وقدمت بعد ذلك ، فرأيت هذا قد مسُحى ! .
وشافه جمال القوطة ، فدفعه إلي زيارتـها ، فأعجب بالتقان شعيرها وسعة ارضها ، وخلاية مناظرها ، ومحلب فيه إذ رأي فيها من الفاكهة ما يشتهي ، أصنافاً وضروباً ، وكلها ذكى الرائحة ، حسن المشم ، لطيف الشكل ، فإذا جملته بين أسنانك ، ذاب حلاوة ورقة وطيباً .
فما طاف بها ما حلى له المطاف وزارة أديارها ، وميانـها عاد إلى ديره بتحسُر على أن لم يكن فى بغداد عاصمة ملكة ، مثلها . فلما سأله صحبه عنها ، حلف بالله أنـها خير مغنى على وجه الأرض . فقال فى ذلك أحد الشعراء :
نظر المأمون يوماً فى " مشق من المبانى
فى رياض مونقات بين أشجار حسان
فمشى شوقا إليها ضاحكا بين عوانى
ثم آلى بيمين إنـهــــــــــــا خير المغانى
رياض
شوق
مونفسات
إليه
بيمين
المغاني
خسير
وناقت نفسه إلي التصعيد في جبل الثلج ، ورؤية بركة من آثار بنى أمية ، فى الطريق إليه ، فحمل حاشيته ومغنيه ، ومضى ... فلما مرُ بالبركة ، وكانت عظيمة ضخمة البنيان ، وعلى جوانبها أربع سروات ،أعجبة المكان واستحسنه ، وكان الماء يدخلها ثم يخرج منها ، وطلبت نفسه الشراب ، قدها بئر ماورد ورطل شراب ، واخذ يكرع الخمر كرعاً ويذكربنى أميًـــة فيضع منهم ويتنقصهم . ثم طلب من علوية أن يغني ، فأقبل علوية على العود واندفع يغنى :
" أولئك قومى بعد عز وثروة ..." فتار تأثر المأمون ، وضرب الطعام برجله ، وقال له : يا ابن كذا لم يكن لك وقت تذكر فيه أولئك إلا فى هذا الوقت . قال علوية : نعم ، مولاكم زرباب عند موالى يركب فى مائة غلام ، وانا عندكم أموت من الجوع ! ... فغضب المأمون عليه ، وقام من الوضع ، لا يكلمه ولا ينظر إليه .
وأقام المأمون بدمشق تلك السنة ، وطابت له دمشق
الجميلة فأحبها وأقبل علي مآكلها يلتهمها ، ولذه دجاجها السمن وأقبلت عليه العافية ، حتى قال الفضل بن مروان : لقد صار أمير المؤمنين إلى دمشق وهو رقيق ، فعاد منهــــا وهو غليظ ، قد أخذ بعض اللحم ، وكان أكله قبل ذلك ثمانى عشرة لقمة فى كل يوم ، فلما أقام بـها صار أكله أربعاً وعشرين القمة .
ولقد مضي عنها وفي نفسه أن يعود إليها . إنـها دمشق! (١) .
( دمشق )
