أكتب هذا الخاطر في اليوم الرابع من عيد الأضحى المبارك، أي بعد مضي عيدين منذ وفاة أخي. ولازلت أذكر تلك الليلة المشئومة عندما أيقظني جرس التليفون من نوم مصطنع نلته بعد أن تجرعت منوما قوي المفعول، وسمعت من الطرف الآخر صوتا يقول لي: كن شجاعا، لقد انتهى كل شئ. فألقيت السماعة في يأس وقنوط، وارتميت على مقعد مريح اعتاد أخي أن يجلس عليه كلما أسعدني بزيارته، فشعرت وكأن روحه تحتويني إليها وتصعد بجسدي إلي سماء لا يطار إليها على جناح، وإنما هي من نصيب الأولياء والصديقين. ورحت في نوم لم أدر إذ ذاك كيف جرؤ على أن يزور جفوني، ولكني تمنيت ألا أصح منه، حتى لا أواجه الحقيقة المؤلة، ولكن هناك فجر لابد من طلوعه، وهو لا يهمه على أي حال يراه الناس، وقد طلع على الحطام الذي بقي مني، وما كادت تباشيره تبدو، حتى قفزت من فراش، لأني لم أكن إذ ذاك لأتصور أن أفوت على نفسي فرصة الاكتواء بنار الجوي والفراق، ولو لبرهة قصيرة. ونظرت في المرآة ، ويالهول ما رأيت! لقد أخذت روح أخي معها كل منابع الحيوية من جسمى، فغارت مني العينان، وبرز الخدان وكستهما صفرة، جعلتني والأموات سواء. ولبست ثيابي في تثاقل المحكوم عليه بالإعدام، وهو يجر رجليه جرا أثناء مسيره المائة متر الأخيرة، وهم يسوقونه نحو المقصلة، مع فارق واحد، وهو أن آلام المحكوم عليه تنتهي بوصوله إلي الغرفة السوداء، أما رحلتي الطويلة فتبدأ بوصولي إليها. أخذت أبحث عن رباط رقبة أسود، فعثرت على واحد كنت اشتريته من لندن سنة ١٩٣٦، عندما بلغنا نبأ وفاة المغفور له الملك
فؤاد، وكنت سائرا إذ ذاك في أحد شوارع هذه المدينة العظيمة، فرأيت بائع جرائد يحمل جريدة (الايفننج ستاندارد)، وقد كتب عليها بالخط العريض؛ مات الملك فؤاد. وزين الرباط رقبتي مدة اسبوع، أحيل بعدها إلى الاستيداع، ولم يبعثه إلى الوجود إلا ظرف أخي القاسي. وكنت كلما رأيته في دولاب ملابسي خلال هذه السنوات الطوال، ينقبض صدري، وأهتف في تضرع وتوسل: اللهم اكفني شر هذا الرباط الممقوت. وأ كاد ألقى به، لولا أنه كانت تربطني به ذكري وفاة مليك عظيم، وأنا عن الوطن ناء، وفي بلاد الغربية مقيم.
كان أخي يعتقد في طبي ومقدرتي اعتقادا كبيرا، وكثيرا ما كان يتحدث بهذا إلى أصدقائه ومعارفه، ولكنى تخليت عنه أثناء مرضه الأخير في خسة ونذالة غير مقصودتين، فرغم أنى أحضرت إلى فراش مرضه أو موته فحول الإخصائيين من زملائي، إلا أني لم أجرؤ على الدخول عليه منذ بلغني خبر مرضه حتى أتاني نعيه. وكان لحسن حظي - أو من سوئه - في غيبوبة بدأت مع مرضه الفجائي، فلم يكن يشعر بما يجري حوله، ولكن لابد أن روحه أحست مما احتوته روحي في ذلك الوقت، ومنذ ذاك الوقت، من الحب واللوعة والفداء المتبادل بين روحين امتزجتا في الحياة وبعد الموت رغم فراق الجسدين؟ ولابد أنها انتحلت لي الأعذار قبل أن أنتحلها لنفسي.
حدثوني عن تفاصيل غرفة موته، فقالوا: لقد كانت الغرفة مكللة بالسواد، وكان الفقيد يشغل ركنا منها وهو مسجي على فراشه، وكان جسمه في كامل بنيانه الفخم، لأن المرض لم يهله سوى يومين. وكان وجهه أبيض كالشمع، بعد أن كان تورد الوجنتين من أهم مميزاته. ووقفت الأم الثكلي بجانبه تنادى كالعادة ولا من مجيب، والأرملة الشابة تنظر إلى السماء طالبة الشفاعة من الله عساه أن يرد إليها حبيبها، ولكن لم يحدث قط أن نقض الديان حكمه العالي!
وبالاختصار كان كل شئ في الغرفة ينطق بذلك المعنى الرهيب: الموت! الموت! الموت!
وبالأمس - أي بعد مضي عامين - خطر لي أن أزور نفس الغرفة لأري كيف هلهل ذكراها مرور الزمان، ولأقرأ الفاتحة علي الروح التي صعدت فيها، فوجدت كل شئ بها يفيض بذلك الينبوع الأزلي: الحياة! الحياة! الحياة! فقد وفدت على القاهرة منذ عام ابنة شقيقي الأكبر لتتمم دراستها في مدرسة معينة. وكان من نصيبها أن شغلت نفس الغرفة التي كان يشغلها أخي، فأحالتها بذوقها اللطيف إلى جنة صغيرة، ووضعت في أحد أركانها راديو أنيقا ينقل لها من حين لآخر مايطيب لها سماعه من الأغاني والأنغام. وكان جو الغرفة في تلك الدقيقة بالذات مشبعا بأغنية لأم كلثوم طاب لي أن أتتبعها رغم حنين الذكري. وكانت الشابة اللطيفة تتزين أمام مرآتها في عجلة لأن خطيبها كان ينتظرها بالخارج لترافقه في زيارة لأهله بمناسبة العيد، ولم يبد على جدران الغرفة الصماء أى انفعال لتطور الطبيعة البشرية، فهي قد اعتادت تقلبات الزمان والإنسان أكثر مني ومنك، وما أعظم تجارب الجدران الأربعة في هذا المجال!
ونظرت إلي ساعتي التي أهداها إلي أخي قبل وفاته بأيام، وكان مجرد النظر إليها فيما مضي يهيج في عزيز الذكريات، وكنت كلما أحسست بها حول معصمي لذعني لهيبها، وكأنها قدت من نار كاوية. واعتاد جسمي تدريجيا هذا المصدر الحراري الدائم، حتى لم يعد يشعر بوجوده إلا من حين لآخر عندما يريد صاحبه معرفة الوقت. وعنما نظرت إليها اليوم تراكمت الذكريات العزيزة مصحوبة ببسمة إشفاق على نفسي التي أصابها النسيان عن غير عمد. فالنسيان جرثومة تصيبك وأنت غافل، وقد تتعمد تحصين نفسك ضده، ولكنه يراوغك حتى ينال منك ويقهرك، ولكن حاشالي أن أسمي ما انتابني نسيانا. إنني أعتبره
مجرد اندماج في خضم الحياة ومسئولياتها الجسام، يلهيك، لا عن الماضي فقط، بل عن الحاضر من حولك أيضا. وهناك عجلة الزمان قبل كل شئ! أين أبي وأين أجدادي الأولون والآخرون. أين الملوك والفراعنة، وأين الأنبياء المرسلون.
ما الدنيا إلا فندق كبير ينبذ كل يوم أقواما ليستقبل آخرين. فسبحان الذي بيبده ملكوت كل شئ. وهو السميع المجيب المعين.

