جمال البكاء :
كنت أسير عصر ذات يوم في شارع المكلة نازلي فصادفني موكب جناز فهدأت من سرعة سيارتي كي اقرأ الفاتحة على روح المجهول لدى ، والعزيز على من حوله من إخوة وسيدات وعيال ، وكان مشي خلف النعش مباشرة شخص بدا وكأن المصاب قد هد منه الحيل ، وكان يحاول أن يبدو جامد التقاطيع ، فيرفع بدء بين حين وآخر إلى خديه ليضغط عليهما بشدة ليغالب نزول الدمع من مقلتيه ، وكان ينظر أحيانا إلى السماء نظرات فارغة وبنفخ بفمه مستعيا بالنفخ من الدمع الهتون ، وبالاختصار كان يرتكب كل آثام الحزن إلا أهونها وهو البكاء !
أيها الحزين الساذج ! إن البكاء أجمل مما تظن ، إنه بلمم الجرح العزيز ، إنه النعمة الكبرى التى يسبقها الله
على عبده المتاع الحزين ، إنه ليس وفقا على السيدات كما تحسب ، وليس عارأ كما سولت لك نفسك ، فاسكب الدمع من مقلتيك مدرارا ، وافتح صمام الأمان من روحات الحائرة القلقة ولا مخش نقد الذين من حولك ، فإنهم يرتاحون لرؤبتك ، وأنت تبكي لأن هذا يريح أعصابهم أيضا ، فليس هناك ما يخفف من حدة هذه المواقف إلا زفرة تطلق في صراحة أو دمعة ترسل دون خجل أو حياء !
لقاء الأحباب :
حدثني صديقي الطبيب فقال :
كنت أود أن تكون معي لثراء وهو مسيحي على فراش موته ، لقد دعيت لإسعافه في اللحظة الأخيرة ، وبينما انا في طريقى إلى منزله أخذت استعيد بذاكرتي ما كنت تقوله لي عنه لقد قلت لي عنه دائما إنه شخص محب لنفسه ولماله ، يميل لدنياه كأنه يعيش أبدا ، وبهمل آخرته كأنه لن يموت غدا كانت كل تصرفاته تنم عن اعتقاد جازم
انه سيخلد ويرث الأرض مع خالقها ، وكثيرا ما حدثني عن تصرفاته مع أعز الناس لديك ، وكيف انتزع منه في شهوره الأخيرة جوهرته التالية حتى أرغمه ان يموت كمدا وهو في فجر الشباب .
فإذا ما بلغه النعي تجبر وتشقى ولم يحاول إرسال كلمة عزاء ورغم صلة المصاهرة . لو رأيته وهو في رقدته الأخيرة لتحوت من ذهنك كل هذه الأفكار القائمة . لقد كان هادئا كالهدوء بعينه ، ولم تبد على وجهه الصرامة والقسوة اللتان تخيلتهما بعينيك المغرضتين . لقد مخلص الجسد من رجس الدنيا وصعدت الروح إلي بارئها تسعى وتستغفر . اقرأ الفاتحة واطلب لها الغفران !
وبعد أن قرأتها قلت : الواقع يا صديقي أن سر حزني الجارف على أخي هو شعور بالمرارة وخيبة الأمل في عدالة القدر الذي جعله بقضى قبل غريمه رغم تفاوت السن بينهما ، وبعد أن اقتطف ثمرة جهاده بأيام قلائل . وكنت أعجب كيف سمح القدر - ذلك الحكم المحايد - أن يمد الحبل المشيب لبري الشباب بتردي مضرجا بدمه . وكنت اقول لنفسي دائما : ما قيمة الأعوام في عمر الزمان وفي نظر القدر ! سوف نتقابل جميعا في عالم سعيد لا نسمع فيه لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وسوف نعجب كيف سمحنا لأجسادنا المادية أن تتدهور إلي مستوي الهائرات والمشاحنات ! وتعيش في عالم كله حب ووفاء ، وإخلاص وصفاء .
ولقد تلاقينا أخيرا بعد عام مضي ونصف عام . مضي الوقت بسرعة البرق كعادته وحدثت الواقعة الكبرى . قال صديقي : عندما نشيعه اليوم إلى مقره ستري بعينيك كيف ينتهي من كان مثل الدنيا : عمل وأمل ، وسيتلاشي سخطك على القدر الذي قبض أخاك قبل غريمه بشهور في عرفك وبثوان في عرفه . إن السنين تجري في سرعة غريبة ، وسوف يتساوي الجميع في مصيرهم
تحت الثرى حيث تدفن الضغائن والأحقار بحق ، ولا يبقى إلا صفاء الروح ووجه ربك ذو الجلال والإكرام .
فتأملت مليا قبل أن أقول لصدبقى : نعم . ولسوف بتساوي النعشان أيضا انا شخصيا لم أر نعش أحي وهو يتهادي خلال المائة متر الأخيرة من رحلته في العالم الأرضي ، لأن عينى تشبثنا بالأرض الطبية من قصد وهمد ، فقد كان عزيزا على أن أواجه القلب بالدايل القاطع الدامع على زوال أحي من عالم المادة . ولكني أعتقد أن نعش غريمه لن يختلف في كثير أو قليل عنه : آلة حدباء تتقدمها مئذنة غير عالية ، وقد كسا الجميع شال فاخر ببصبص له حفار القبور ، وهو يقوم بعمله أملا ان يستحوذ عليه ويببيعه مقابل مبلغ غير زهيد بسد به بعض حاجياته .
ولسوف بوضع النعش عند نهاية الرحلة على شفا الحفرة العتيدة ثم يرفع غطاءه بعض غلاظ القلوب ، ويحملون الجسد حملا وهم بتصايحون وبنهرون بعضهم إذا قصر في تفاصيل العملية . ولقد سمعت بأذني أحدهم ذات مرة بسبب زميلا له بأفذع الالفاظ لتقصير بسيط جدا منه ، غير عابئ بجلال الموقف ولا بشعور الباكين حول الغير .
وبينما نحن نفكر في هذه الدنيويات الزائلة ، تكون الروح قد صعدت إلي الدرجات العليا ، وهنالك تتقابل الروحان . يمد أخي يده ليأخذ بيد صديقه القديم فيعطيها هذا له وكأن لم يكن شئ . ألا يضمهما الآن عالم طاهر نظيف لا تعرف الأحقاد إليه سبيلا ! وبينما البلابل تشدو والطيور تزقزق والملائكة تشدو أناشيد السلام المقيم ، تمضى الروحان في طريقهما إلى عالم اللانهائية الذي لا يعلم مداء إلا الله ، وهناك ينشد كل منهما الراحة الأبدية وبنظر من فوق قمة الجبل العالي إلي ما في الوادي السحيق من ضغائن وإحن وقاذورات ، ويطلب لقاطنيه الرحمة والغفران .

