سبحان العادل :
سبحان العادل بين الجميع ، سبحان الذى هو لكل من فى الوجود مجيب جميع ، ينصف العقرب والثعبان ، ويستوى عنده الإنسان والحيوان ، سيان عنده الأفعى فى ثورتها وفحيحها ، والغادة الهيفاء فى نثنيها وصدها وتشبهها ، لا يمنعه عن إصدار حكمه جمال او دلال ، ولا فرق عنده بين مترفع وذى مال ، او مزهو فى دمشق وغارق فى بالي الأحمال . ألم ينثر بذور الحب فى أرضه الواسعة ، فولف الآفعى على ثميائها ، وانثى العقرب على ذكرها ، وبنت حواء على رجلها . سبحانه يعدل بين الجميل والقبيح ، وبين الأبكم والفصيح وبين الثانية اللعوب والأفعى ذات الفحيح ، فهو خالق الأشياء كلها ، وهو على كل شئ قدير .
لا أدرى لماذا اتمم لنفسى هذا الخاطر كلما وقع نظرى على شخص سخيف سمج ، ترعبك منه النظرة الأولى ، ويزعج خاطرك مجرد اقترابه منك ، ثم لا تلبث بعد تكرار الاحتكاك أن تكتشف فيه بعض المزايا التى تجذبك إليه بعد ان كنت نفورا ، وتعجب بينك وبين نفسك : لماذا يخيب فى معظم الحالات حكم النظرة الاولى ، ولماذا تعجب وانت لم تؤت من الحكمة إلا قليلا ، وسبحانه المنزه عن الفرض . هو اعدل الحاكمين ، خلق الإنسان من نطفة ثم سواء ، فهو يعلم ما خفى وما بطن من تلك المجينة البشرية المليئة بجميع المتناقضات .
أنت ترى سائق السيارة السمج ، الذى إذا حاذاك نهرك ، لانك فى اعتقاده وقانونه الخاص خالفت تعاليم المرور ، مع أنك - يعلم الله - على صواب وهو المخطئ . لعل هذا الذى لعنته فى سرك تنتظره فى آخر مرحلة النهار زوجة تدلله وتناديه بأهذب الألفاظ . والموظف الصغير
الذى يتمادى فى سوء معاملاتك وإهمال شأونك ، وأنت أعزل من سلاحه الذى يعتز به وهو سوء الأدب ، مع أنه سلاح رخيص لا يكلف شيئا ، وبعد أن تكون على وشك صفعه على خده الأيسر ثم الايمن ، يدخل عليكما فجأة صديق للطرفين ، فيقدمك إليه ويوصيه خيرا ، فسرعان ما تنفرج أساريره ، ويبالغ فى إ كرامك ، وتنصرف راضيا مغتبطا ، وتنسى الإساءة الأولى التى أملتها عليه مركبة النقص .
وتسمع عن شرير خطر ، أو مجرم كبير ترتعد الفرائض لذكر اسمه ، ثم تعجب أو لا تعجب عند ما تعلم أن له عشيقة أو زوجة يأوى إليها وتأوى إليه بعد أن يغسل يديه من شرور النهار . وترى مئلا ضخما يدب على الأرض متأبطا ذراع حسنا ، رشيقة تهدو عليها كل أمارات السعادة والغبطة ، وكأنها راضية بما قسمه الله لها ، فتقول لنفسك سبحان من وقف الحية على ثعبانها !
غريب فى بلاده :
ومثل آخر يدل على ما فى هذا العالم من عجائب ، ويبين لك كيف قسم الله الأخلاق والأمزجة بالقسطاس فمن هداء ورضى عنه منحه الرقة والدعة ، ومن ثم يرض عنه اسبغ عليه من لدنه سماجة وسخافة تنفران منه طوب الأرض .
اجتذبنى ذات يوم محل أنيق لبيع ( الساندتش ) ، أو الشاطر والمشطور كما اقترح بعض إخواننا من اللغويين والمحل ملحق صغير على شكل مقهى اعتاد الأستاذ توفيق الحكيم أن يجلس على ناصيته يداعب عصاه ويهز راسه بين حين وآخر كملامة الموافقة على ما يقوله صديق مجاور . اقسم أن الأستاذ لا يستمع إلى حرف واحد مما يقول ، فهو يحاول طول الوقت ان يقتنص من يصداه الخيال فكرة جديدة بضيفها إلى سبائكه القديمة ، فعندما يهز رأسه قائلا كعادته : " مضبوط مضبوط " يظن المتحدث المسكين
أن صفة الضبط موجهة إليه ، فيتمادي اكثر وأكثر ، وعندما يقول اديينا ) مضبوط ( الأخيرة ، ويهز راسه إلى الإمام الهزة الكبرى يكون معنى هذا تبلور الفكرة المختمرة فى ذهنه الخصيب ، بينما يظن المتحدث المسكين ان هذه الهزة موجهة إليه ، فيزداد حماسا ، ويستمر في قصته مستعينا بحركات يده المتبقية على طريقتنا الشرقية .
أقول دخلت هذا المحل لاختبر بعض أنواع السائدوتش وليثت برهة - لا تزيد على الدقيقة - أتأمل فى معرض اللحوم والمحفوظات ، وكان يراقبنى عامل مصري عهد إليه مهمة تحضير ما يطلبه المرتادون على هذا النوع من المأكولات العملية السريعة ، فمال على زميله وقال له بصوت مسموع : لقد مضت عليه دقيقة وهو يتأمل فى معرض المأكولات ، إذا تبعته إلى اليمين حاورنى واتجه إلى اليسار . لقد دوخنى هذا الرجل ، ولا ادرى متى يسمح بإصدار أوامره . قالها بلهجة ملؤها السخرية والتحدي .
فسألته فى أدب : " ماذا نقول ؟ هل صدر منى ما أزعجك أو آذى شعورك فأعاد على مسمعى بكل وضوح وجلاء ما سبق ان قاله لزمميله ، وكانت السخرية والتحدى يرقصان فى عينيه ، فسكت ، لانى ضعيف دائما أمام أخلاق عامتنا وسوقتنا التى لايدانيها فى حطتها شئ فى الوجود .
ويملك المحل أجنبى من بلاد اليونان ، فلجأت إلى ادبه معاتبا المصرى فى شخصه ، قطيب خاطرى وعنف موظفى ، وبينما هو منهمك في تغريمه وثبت وجهى نحو الباب ، وأقسمت الا ارتاد هذا المحل مرة ثانية ، لا لان الذى يملكه اجنبى مؤدب ، بل لان الذي يعمل فيه بالأجر مصرى وقح
حقيقة ان المصرى غريب فى بلاده

