الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 470 الرجوع إلى "الثقافة"

الخواطر

Share

باوبور فوللى :

كان المرحوم حسنين بك رأفت ناظر مدرسة حلوان الثانوية يقطن فى أخريات أيامه فى الشقة المجاورة لى بحى قصر الدوبارة . فكان عليه أن يأخذ كل صباح قطار الساعة السادسة والنصف لينقله إلى مقر عمله بحلوان . وكنت كلما سمعت صفارة هذا القطار وهى تؤذن ببدء                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       سيره من محطة السيدة زينب رثيت لجارى العزيز الذى يضطر لترك الفراش الدافئ فى تلك الساعة المبكرة.  وذات يوم عدت إلى منزلى فما يأتى بواب العمارة بخبر محزن وهو وفاة جارى فجأة وهو يزاول عمله بالمدرسة . وملأ الأسى نفسى بقية النهار ، ومضى الليل وأنا أنتظر بروح فلسفية عميقة صفير قطار الصباح المبكر ، وكان فى تلك المرة طويلا ومتواصلا ، فخيل إلى أنه يتعجل عزيزا لم يعتد منه قبل ذلك إلا المواظبة والدقة فى حضوره وانصرافه . ولما يئس القطار من مقدمه بدأ سيره فى هوادة وبطء وكأنه يود أن يعطيه فرصة أخيرة . وبينما أنا أتخيل المسجى على فراشه ، بين أرملة تدمع ، ويتيمة تعول ، وقطار يستحث ويتعجل ، تمتمت لنفسى قائلا :

يا وبور قوللى رايح على فين                                                                                                                                                                                  

              ياوبور قوللى وسافرت منين

دى الأرض بساط وأنت بتطويه

             ما تقول يا وبور رايح على فين

أينا يموت أولا :

حدثنى صديقى قال :

عندما طلب منى هذا الصباح أن أمضى شهادة الوفاة لفقيد الطب سالم هنداوى باشا ، ارتجفت منى اليدان ، لأن الذكريات طاحت بى إلى عام ١٩١٣ .

وكنت إذ ذاك طفلا صغيرا يلعب أمام منزله بحى محرم بك بالأسكندرية ، وإذا بى أفاجأ برجل يلبس قبعة قاتمه يحملنى بين ذراعية ويقبلنى من جبينى . وأرعبتنى المفاجأة ، لأنى ظننته أجنبيا ( خواجة ) يريد اختطافى أو إلحاق أى أذى بى ، ولكنه لما بدأ يتكلم بالعربية داخلنى الاطمئنان . سألنى عن والدى ، فمسحت دموع الخوف ، وأجبته أنه بداخل المنزل ، فدخلنا معا ، وكانت مقابلة الأحباء بعد طول الغياب . لقد كان بطل الحادث الدكتور سالم هنداوى ، وكان قد وصل فى تلك الساعة من بعثة بالخارج وعاد إخصائيا رمديا ، وكان أول ما فعله أن زار والدى الذى كان منه بمثابة الأخ الكبير الرشد .

ترى هل كان يتصور الدكتور هنداوى أن هذا الطفل الذى بكى وهو يحمله بين ذراعيه ، يصبح هو الآخر طبيبا يشار إليه بالبنان ، ويعالجه فى مرضه الأخير ، ويختم سجل الحياة بإمضاة شهادة الوفاة المحتومة ؟

أنصت إلى صديقى وهو يسرد ذكرياته ، ولما انتهى من حديثه تأملت مليا فيما خطر بذهنه ، وترددت قليلا قبل أن أطلق لنفسى العنان ؛ وأخيرا قلت له " إن عجلة الزمان لا يقف سيرها ، وهى تطوى فى دورتها الدائمة جيلا عقب جيل ، وسيان عندها الملوك والصعاليك ، فهى جماد لا يحس ولا يميز بين مدفع أو ذى جاه ومال . وهى تجندل ضحاياها على دفعات ، إذ أن لها القدرة على صرعهم دفعة واحدة ، ولابد أن يأتى دورى ودورك فى ذات يوم جميل أشرقت شمسه وازدهرت ؛ فلا تفتقدك الشمس ولا القمر ، ولكن قد تزهو الأرض برفاتك ، وتتراقص ذراتها حول ما تبقى منك ، فقد عدت إليها بعد طول الانتظار ، لأنك منها ودائما منها ، مهما ارتفعت هامتك إلى السماء . والغريب فى ابن آدم أنه يعتقد عن خطأ أنه الخالد الأول ، وأنه سيرث الأرض ذات يوم مع خالقها ، فكأنما شيع عزيزا إلى مقره الأخير بدا - رغم حزنه - ولو فى مرآه نفسه فقط ، مثلا

ضخماً عريض القفا والمنكبين ، ويوازن فى غرور حيويته المتدفقة بالجسد الهاوى المحمول على أكتاف أربع ، ثم يتأبط أقرب ذراع - دون أن يحمد الله على السلامة - ويتحدث مع صاحبه فى دنيويات زائلة ، حتى تصل الرفات إلى مقرها الأخير ، فإذا عاد إلى المدينة ورأى أنوارها التى  لا تفتقد أحدا حتى الملوك والسلاطين ، تمتم لنفسه قائلا : يا إلهى ! ما هذه الأتربة والحجارة التى تعثرنا فيها منذ قليل ! هذه دنيا عظيمة تستحق العيش فيها ! رحم الله صديقى . لقد شيعناه إلى مقره منذ ساعات ، ولكنه أصبح وكأن قد مر على موته خمسون عاما . .

ولولا هذا الشعور بالخلود ياصديقى لتكاسل الناس ونامت الدنيا على أذنيها . وحكمة الخالق سبحانه وتعالى أنه تركنا فى ضباب من الشك ، لا ندرى من بعض أمورنا شيئا . إنك لا تدرى مثلا من يموت أولا . لقد قص على أحد الضباط الإنجليز الذين خاضوا معارك الحرب الأخيرة بعض خواطر طريفة كانت تطرأ على فكره و كان يسمعها من الجنود وزملائه الضباط على السواء . كانت إذا تقدمت شرذمة منهم نحو صفوف العدو بين قصف المدافع ودويها انتاب كلا منهم شعور بالشفقة نحو جاره الذمى لابد أن يصرعة الرصاص عما قريب ، ولولا شعور الجندى بأنه هو وحده الباقى وزملاؤه هم الفانون بإذن الله لما نشبت معركة ولما تطوع جندى لخوض غمارها .

وهناك من يفزع للقاء الموت فيبدو على سحنته الجزع حتى بعد موته . وهناك من يلقى ربه هادئا مطمئنا .  أنت تعلم كيف كان فقيدنا الدكتور على باشا إبراهيم قويا كالصلب إبان حياته . كنت عندما أراه يسير فى طرقات المستشفى أدهش كيف يخطر ببال أحد أن هذا المصباح المنير قد يتعافى عندما يحين الآوان . ولا عجب فقد كان جزءا متمما للحياه الطبية اليومية ، وكان صامولة لاغنى عنها للدولاب الطبى الفنى . وكان يتمنى أن يموت فى الميدان

كالبطل فى أقصر وقت ، ودون أن يرهقه المرض الطويل ، ولكن مرضه الأخير طال قليلا ، فأخذ ينتظر نهايته فى صبر وشجاعة . وكان يسلى نفسه بالعكوف على مجموعاته الأثرية يدقق النظر فيها ويدرسها فى شغف وحنان ، حتى جاءت الساعة المحتومة ، فبعد أن تناول وجبة الغداء دخل غرفة نومه واستلقى على فراشه الحبيب الذى آواه بعد تعب النهار خلال تلك السنين الطوال . ثم نام على جنبه الأيمن ووضع ذراعه اليمنى تحت رأسه ومضى فى نومة هادئة لم يصح منها أبدا ؛ فقد انتابته الأزمة القلبية وهو نائم فى هذا الوضع فلم يشعر بأى ألم ، لأن هدوء سحنته وتقاطع وجهه دل على أن الله أكرمه حتى فى نهايته .

ووقفت فى ميدان الإسماعلية فى اليوم الثانى أنتظر وصول الجثمان لتشيعه إلى المقر الأخير . وخطر لى أن أدقق النظر فى المشيعين الخالدين ؛ وكان أول ما هل علينا عقب وصولى رجل ذو مقام كبير فى سيارته الفخمة الأنيقة ، وكان ممسكا فى إحدى يديه بسيجار ضخم فخم ، وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة كادت تصل أذنيه ببعضهما وكأنه مقدم على حفلة عرس ، ولما فوجىء بمواجهة نجلى الفقيد انقلبت البسمة العريضة عبسة متكلمة وتمتمات آلية تقال فى مثل هذا المقام . وشاءت سخرية القدر ياصديقى أن يشيع هذا الغرور الآدمى المجسم من نفس المكان بعد أسبوعين بالتمام . وأقبل بعده الرجل الوديع المرحوم إسماعيل باشا تيمور . كدت ترى الأسى الخالص مرتسما على تقاسيم وجهه ، ولكن شاء القدر القاسى أن يشيع من نفس المكان بعد شهر من الزمان . وهكذا ذابت فى التراب تلك التفاعلات المختلفة ، كما ذابت مثيلاتها منذ بدء الزمان ، فكم من لاحق بكى سابقا إلى المصير ، ثم إذا باللاحق يصبح سابقا بدوره ؛ ولله فى خلقه شئون .

لقد امتد بك حبل العمر حتى صرت ( المستقبل ) لمن فاقك سنا ؛ ولكن ألا يحدث مثلا أن ترى طفلا باسما

غضا بنا فتحسده على أن أمامه من العمر الطويل ما يجعله يمثل المستقبل المزدهر بالنسبة لك يا من تزحف بسرعة نحو خريف العمر ، ثم لا يلبث أن يدهمه مرض من أمراض الطفولة ، فيقضى فى أيام أو أسابيع ، فتجد نفسك وقد أصبحت ( المستقبل ) بالنسبة لمن كنت منذ أيام أو أسابيع تحسده على نضارته والعمر الطويل الذى ينتظره .

إنك لا تدرى من يموت أولا !!.

اشترك في نشرتنا البريدية