حفار القبور
لا أدري لماذا تنقبض نفسي كلما دعيت لزيارة طفل مريض في حي الإمامين ، تراني امسك بسماعة التليفون في تثاقل وأنا أتسلم الرسالة بأذن ملول ، وأحاول التملص لولا إلحاح من الطرف الآخر يرغمني علي تحديد الميعاد بالدقيقة والساعة . وعندما اقترب بسيارتي من ميدان القلعة ، تتراكم على الذكريات ، فإذا ما انسبت بها في طرقات مدينة الأموات تخيلتني محاطا بأرواح أحبائي الذين ولوا قبلنا ، وكأنها تحيتي تحية الصباح . ويوحى إلي الوهم بأصواتهم واحدا بعد الآخر ، كما عرفتها إثمان حياتهم فإذا ما وصلت إلى منزل مريضي سحوت من سباتي الروحي ، وتنهدت بارتياح لاني أشعر مرة ثانية بعودتي إلى عالم المادة ، وهو عالم لا بأس به على أى حال .
إن قاطني هذا الحي - من الأحياء طبعا - بشر مثلنا ، لهم دموعهم ، ولهم آمالهم والامهم يخشون المرض ، ويرتعدون من ذكر الموت ، مع انهم محااطون به من كل جانب . قد لا يهتمون برؤية عزيز غريب ، يطوي بين ذرات الأديم امام اعينهم وهم منصرفون إلى أعمالهم ، وقد لا يمنعهم جوارهم من القبور الصامتة من الاندفاع وراء شهوات الحياة ، ولكن عند ما يمسهم الجرح ، فإن ظاهرة التمسك بالحياة تتجلي فيهم كآدميين مائة في المائة
حدث في إحدي زياراتي الاخيرة لهذا الحي ، وكان ذلك في الصباح المبكر ، أن قابلت حفار القبور الذي تقع مقبرتنا في دائرة اختصاصه ، وبعد أن حياني باشتياق ، تأملت فيه مليا فرأيت عجبا . نحن مثلا إذا خرجنا إلي أعمالنا في الصباح تعمدنا أن نكون نظيفين انيقين لنرضي الرئيس ، أو لنبعث الهيبة في المرء ومن المعلم ابراهيم
كان هو الآخر نظيفا أنيقا . ولما شاهدته عن بعد رأيته ينظر إلى السماء الصافية في رجاء وأمل ، ويستنشق نسيم الصباح ، وهو مستبشر متفائل . ولابد انه عندما استيقظ من نومه تمتم داعيا الله ان يجعله يوما مباركا طيب الثمرات ، وما ثمراته إلا رءوس عالية واجسام حبيبة غالية ، ولابد أن الزوجة - كعادة نساء هذه الطبقة - بدأت في المشاكسة والمماكسة حال استيقاظها ، فنهرها الزوج الأمل في فرج الله قائلا : يا فتاح يا عليم ألا تعلمي يا إمرأة أن الصياح في الصباح بقطع الرزق . فنسكت صاغرة وهي ترجوان تدفع الأقدار ثمن سكونها مهجا وأرواحا ! اليست تطمع هي الاخري في اقتناء قرط ثقيل من الذهب تكيد به جارتها فكيف تصل إلى بغيها إذا لم يفتح الله على عائلها وييسر له سبل الرزق ؟
ياله من عالم غريب كل من فيه ميسر لما خلق له .
ما ذنب العجل ؟
كنت أجول بسيارتي في حي الزمالك ذات يوم ، فلفت نظري حفل صغيي لوضع حجر اساسي لإحدي السفارات الأجنبية ، وكان هناك كبار مدعوون وصغار مدعوون ، ووقف بين اعضاء هيئة الاستقبال عحل صغير ، كان دوره في الحفل أن يذبح ويراق دمه رخيصا ليبارك الحفل ومناسبته ، وخطر لي ان اتمعن فيه جيدا وهو ينتظر نهايته ، فماذا رأيت ؟ كان صاحبنا واقفا في اطمئنان وثقة ، يجول بعينيه في الواقفين حوله ، وينظر مثلهم إلى السيارات التى كانت تصل تباعا لتفرغ حمولها من كبار المدعوبين
ولعله كان يعجب في نفسه لهذه الحركة غير العادية ، ويمني نفسه ببدء عالم جديد له ولزملائه يقفون فيه على قدم المساواة في حفل كهذا مع ابن ادم الذي طالما اضطهد أخاه الحيوان . ألا يشعر بين آن وآخر بيد ثبت على عنقه الغالي في عطف وحنان ، غير عالم انها يد الجلاد تهدئ روعه حتى لا تصدر
منه حركة عنيفة لا تتناسب مع وقار الحفل ! إن عقله البدائي لا يتصور ان يجمع الله عاطفتين في واحد ! حنان في اليد اليسري ، وسكين غادر قاطع في اليد اليمنى . فلما أمسكوا به ليلقوه أرضا استسلم في هدوء عجيب ودون ضجة ، ولعله اراد ان يثبت جدارته بالتكريم الذي اولاه اياه ابن ادم . ولما رأي السكين يقترب من عنقه لم يجفل ،
ولم يبد عليه أي اضطراب . ولعله اطمئنان الذي تقدر به الدنيا أول مرة ، فهو لم يذبح قبل الآن ، أو لم يشاهد زميلا له يراق دمه في علانية فاضحة كهذه ، دون ان يدافع عنه أو بشفع له واحد من عشرات الواقفين حوله . ولما جز السكين عنقه خرجت منه آهة غليظة فيها احتجاج أخير غير محمد على ما في الحياة من ظلم وغدر . ولابد أن روحه شاهدت المدعويين بتسامرون في عدم اكتراث ظاهر ، ويرشفون الثلجات تيمنا بالمناسبة السعيدة التى
كان هو فيها كبش الفداء .
رأيت هذا المنظر العادي من نافذة سيارتي ، ولما اسدل الستار انصرفت في بطء ، ونتاقل ، ولا زالت تنطبع في ذهني سمات الغبطة التي بدت في عيني العجل وهو يجول ببصره في زملائه المدعوين ، وت ن في أذنه أهته الغليظة الكتومة ، وهم اقدرون بصديقهم في وضح النهار . باله من عالم غريب تذبح فيه من شئت من غير بني البشر ، أو تدوسها بسيارتك وانت آمن من العقاب والمؤاخذة ، بينما تتلفقك المحاكم ، وتدوخك نصوص القوابين إذا خدشت الخد الأسبل لأي آدى مهما بلغت تفاهته
ولكن هي ستة الله ، يرفع بعضنا فوق بعض درجات ، ويسوي بيننا عند الممات ، فيحيلنا إلى رفات ثم ذرات ، وببقى له دائما ملك الأرض والسموات .
