من ذا الذي لا يعرف الخوف ؟ هناك قوم يدعون أنهم لا يخافون ، ولست أدري بم أصف دعواهم إذا أردت أن أتجنب السباب واتهام الناس بالكذب . وغاية ما أستطيع أن أقوله في مجاملة هؤلاء المدعين أنهم مخدوعون عن حقيقة أنفسهم . فالخوف غريزة حيوانية قبل أن تكون غريزة إنسانية . وعلى ذلك فهي أعمق أصلا في الحياة من كثير من الغرائز الإنسانية الأخرى
يصف أهل العلم بطبائع الحيوان أن أشجع أنواعه تعرف الخوف . فالأسد يخاف من كثير من الأشياء ، وقال أحد الرحالة مرة إنه أخاف أسدا ضخما عندما فتح مظلته فجأة في وجهه ، فقد ذعر زعرا شديدا عند ذلك وأخذ يعدو ولم يقف حتى أحس أنه قد نجا بنفسه ، ولا شك في أن الرحالة المسكين كان عند ذلك قد أحس قلبه يغوص إلى أسفل قدميه من الرعب . فالأسد المعروف بشجاعته وشراسته وقوته لا ينجو من الخوف شأنه في ذلك شأن كل أصناف الحيوان . والإنسان المسكين أحق بالعذر إذا هو عرف الخوف ، فان الحياة التي تحيط به ، ملأى بما تهدده ويخيفه .
وللخوف طبائع عجيبة ! فلو بحثت عن سلوك الإنسان لوجدت الخوف كامنا تحت كثير من مظاهره . ولا مبالغة إذا قلنا إن كل الفضائل وكل الآداب الاجتماعية وكل أنواع الحكمة وكل النظم الأخلاقية التى خلقها الإنسان كان مبعثها غريزة الخوف .
فالأصل في الإنسان مثلا أن يكون مثل القط ومثل الفأر ومثل الأسد أو النمر في طبع المحافظة على الحياة بالأكل ، فكل الحيوانات إذا وجدت أكلا ذهبت إليه وأصابت منه ما يذهب عنها الجوع ، سواء أكان ذلك الأكل نباتا أم حيوانا . فالأسد الذي يفترس زنجية حسناء لا يقصد
أن يرتكب جريمة القسوة ، بل يقصد أن يملأ تجويف معدته التي تصبح طالبة منه الأكل . وأما الإنسان فقد يكون جائعا ويمر بمطعم تفوح منه الروائح المختلفة بين رائحة شواء ورائحة مقلي ، ولكنه إذا لم يجد النقود الكافية في جيبه يمر على ذلك المطعم مر الكرام ويكتفى بأن يملأ رئتيه من الروائح اللذيدة المتصاعدة منه ، ولا يتجرأ على أن يقتحم بابه بالقوة لكي يصيب من طعامه ما يسكت نداء معدته . ومن السهل أن نسلم بأن الذي يمنع هذا الإنسان الجائع من اقتحام باب المطعم وأخذ ما يشبعه من الطعام إنما هو شئ واحد ، شعور الخوف . فهو يخاف من أن يمسك صاحب المطعم بتلابيبه ويسوقه إلى قسم البوليس . وإذا كان رجلا ممن يحترمون أنفسهم فانه يخاف كذلك من أن يتعرض لسخرية الناس منه وتسميته لصا او متوحشا ، وقد يخاف من أن يراه أحد أقرانه فيشنع عليه بأنه فقير لا يملك من النقود ما يكفي لكي يدخل إلى المطعم دخول الرجل المحترم الذي يدفع ثمن طعامه ويدفع فوق ذلك حسنة للخادم ويخرج شبعان مرفوع الرأس فائزا بتحية الإ كبار من الخادم
وقد يكون السلوك الذي نسميه سلوكا حسنا في اغلب الأحوال نتيجة للخوف من سوء رأي الناس ، فكثير ممن يمتنعون عن الرذائل إنما يمتنعون عنها لخوفهم من سوء القالة فيهم .
وإذا نحن انعمنا النظر في الحياة الإنسانية كلها وجدنا ان الخوف اساس هذا الترابط الاجتماعي الذي عاد بالخير العميم على الإنسان مند اقدم العصور ؛ فالنظام الذي يسود المجتمعات ما هو إلا نتيجة لخوف الأفراد من سطوة الدولة ، واليوم الذي لا يحس فيه الأفراد خوفا من سطوة احد هو اليوم الذي تنقلب فيه المجتمعات إلي غابات استوائية يكون فيها القانون هو قانون القوة ؛ وعند ذلك ينفلت الخوف الكامن ويصبح خوفا مكشوفا فتمتلىء قلوب الأفراد جميعا
به صباحا ومساء ، وكل فرد يحاول ان يحمي نفسه من جاره بقدر استطاعته ، إما بالقوة او بالمكر والحيلة أو بإتحاد الضعفاء ضد القوي . وقصاري القول ان الخوف من سطوة السلطان هو الذي يمسك المجتمعات ويحفظها من قانون الغابات وانقلاب الخوف طليقا في كل الأفراد .
وقد يصل الخوف بالناس إلي حد أن يخدعوا أنفسهم عنه ويطلقوا عليه اسماء اخري بعيدة كل البعد عنه . فكثيرا ما يدعي الناس انهم يحبون رجلا عظيما ، وكثيرا ما يكونون في دعواهم مخدوعين إلي حد انهم يعتقدون انهم صادقون وانهم بعيدون عن الملق والرياء . ولكن ذلك الرجل العظيم إذا تجرد فجأة من قوته لسبب من الأسباب ظهرت الحقيقة كذلك فجأة ، فإذا بأكثر من يحبونه يذوبون من حوله كما يذوب الملح في الماء القراح
والتاريخ لا يذكر أكثر من الحالات التي كان الناس يزعمون انهم يحسون اعمق الحب للطغاة الذين ملأوا الأرض فزعا وخوفا . ولكن الحوادث كانت دائما تكشف عن أن ذلك الحب المزعوم إنما هو خوف متنكر وأن الناس لم يكونوا يحسون حبا للطاغية ، ولكنهم كانوا يخشون سوطه الذي يعرفون انه يستطيع ان يلهب به ظهورهم في كل وقت
ولست أريد في هذا الحديث أن أتكلم عن الخوف من حيث أنه غريزة كما يبدو من ظاهر الحال ؛ فاني اقصد من وراء هذا الحديث قصدا آخر ، وهو ان ابين أن مستقبل الإنسانية منوط بغريزة الخوف أكثر مما هو منوط بغريزة الحب . فان الدول بعد اختراع القنبلة الذرية اصبحت في داخل ضميرها ترتجف فزعا من الدولة او الدول التي عندها سر تلك القنبلة ، ولا شك في ان الدول معذورة كل العذر في ارتجافها فزعا ، ولاعار على أحد في ان يخاف من ان تسقط على مدينة من مدن وطنه قنبلة صغيرة فتحيل المدينة كلها جحيما والعياذ بالله . فالقنبلة الواحدة تقضي على ستين الفا دفعة واحدة وتدفع من ورائهم مائة وخمسين الفا اخرين
في سبيل الفناء ، وهي من بعد كل ذلك تهدد أجيال البشر لمدة عشرات الأعوام وتشردهم عن الإقامة في ذلك المكان الموبوء بآثار الذرة المحطمة . نعوذ بالله ! نعوذ بالله :
ومجمل القول أن للبشر أكبر العذر إذا هم خافوا وإذا هم ساروا مع الخوف إلى ابعد الغايات . وسيتمكن الخوف في القلوب حتى يصبح وقد ظهر في مظهر الإعجاب والحب والاحترام وستصبح الدولة او الدول صاحبة القنبلة الذرية في نظر الدول الأخرى هي أكرم الدول وأحسن الدول واطيب الدول واعدل الدول وأرحم الدول واحكم الدول إلي آخر ما في صفات الخير من صيغ التفضيل . وسيتقرب البشر إليها ويقدمون إليها القرابين من خيرات الأرض ومن عبارات المدح
ولو كنت انا رئيس دولة لما استطعت ان انطق بحرف واحد إذا لم يكن مدحا لتلك الدولة العظيمة خوفا من ان يصيبنى شر من هذه القنابل الجبارة ، ولكنى فرد واحد ولا يمكن أن تصبني القنبلة الجبارة لأنها لا تقدر على اصابة هدف . فأنا لذلك قادر على أن أنطق بما اشاء وأبشر الافراد جميعا بأنهم لن يشعروا بالخوف من اذي الدولة صاحبة الذرة ، وسوف يبقي الافراد احرارا بنجوة من خوف القنبلة الذرية ، ولن يحس الخوف منها إلا الدول في مجموعها ممثلة في شخص حكامها . وسيكون الخوف مقصورا على الدول التي تريد النزاع وتتطلع إلي نزع سيادة العالم .
ولهذا فلن يكون علي مصر بأس من الخوف لأنها بحمد الله لا تنازع الدول الآخر سيادة العالم ولا تطمع في اكثر من ان تعيش حرة في حدود بلادها التى وهبها الله لها منذ الوف السنين . ولن يكون على أحد من المصريين بأس من الخوف كذلك لأنهم لا يطمعون في شئ اكثر من أن يتمكنوا من الإنتاج والسعي المجدي في الحياة ومشاركة الإنسانية السليمة في جهودها نحو المثل العليا الإنسانية
وقصاري القول أن الخوف سيكون وقفا علي الدول الطامحة إلى السيادة ، فهي إذا أرادت ان تهب إلي نزع المجد الزائف هبت لها الدول صاحبة القنابل الذرية فأرجعتها إلى الصواب . وإذا هي تمكنت من اختراع ما يشبه القنابل الذرية وصرفت ذكاءها في إعداد عدة الموت كانت النتيجة صراعا هائلا يقف الضعفاء فيه على الحياد ليروا كيف يقضي بعض الاقوياء على بعض قضاء مبرما ، وسيكون الضعفاء عند ذلك مثل الرجل الذي وقف ينظر إلى الأسدين العظيمين وهما يتقاتلان وينهش كل منهما جسم الآخر . ويأكل الواحد منهما اعضاء منافسه حتى لم يبق اخيرا منهما إلا ذيلان بعد أن أكل الأسدان جسميهما كليهما .
فالخوف الذي يتوقعه العالم بعد اليوم لن يكون خوفا مزعجا لأفراد الناس ولا للضعفاء من الدول ، وسيكون مقصورا على الدول الكبرى التي تعودت أن تخيف العالم كله . ولعله يكون دواء ناجعا لشيطنتها حتى يأمن المستقبل من طغيانها
ولست استبعد شيئا من هذا فهو استنتاج من تفكير بسيط طبيعي . وإذا شئت ان اضرب الامثال التي توضحه سهل على ان اضرب مثلا ساذجا : عمدة قرية قوي من النوع الذي كان في وقت من الأوقات ) فتوة ( من فتوات الليل ، فهذا العمدة يستطيع بنبوته أن يرهب أشقياء القرية حتى يجعلهم يطمئنون في عقر ديارهم فيأمن الناس الوادعون شرهم ويعم الأمن قريته من اثر الخوف الذي ادخله على قلوب هؤلاء الأشقياء .
وإني أسوق هذا القول إلى بني مصر وإلى الضعفاء من أمم الشرق لكي أطمئنهم على المستقبل ، فان الحق أقوى من كل قوي ، ونحن ننشده جميعا لأنه كفيل بأن يجعلنا في مأمن من الخوف الجارف الذي سيرفرف بجناحيه على العالم بعد قليل . ولن تكون قوة القنبلة الذرية وأمثالها من وسائل الهلاك كافية لإرهابنا معاشر الشرقيين ، لأننا لسنا هدفا لها . ونحن لا نطلب سوى ان نحيا الحياة الإنسانية السليمة في
ظل الحرية التى هي الحق الأول للانسان . فإذا كانت القنبلة الذرية توجه إلينا لكي تسلبنا تلك الحرية فمرحبا بالموت الذي تسوقه إلينا . فان بطن الأرض خير لنا من ظهرها إذا كانت الحرية الإنسانية في خطر من الزوال إلي الأبد .
