الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 904الرجوع إلى "الرسالة"

الدراسات العليا في الأزهر

Share

تحت هذا العنوان كتب صديقي الأستاذ عبد المنعم خفاجي  في العدد (٩٠٠) من الرسالة الغراء مقالا انتهى منه إلى أمرين.

(أولهما) إعادة الدراسات العليا في الأزهر متمثلة في  تخصص المادة.

(ثانيهما) أن هذا التخصص قد قام بواجبه في خدمة الثقافة  الأزهرية خير قيام، وقد فتح للثقافة الإسلامية آفاقا واسعة.

ولما كان الأزهر مقبلا على عهد جديد، ولما كانت مثل  هذه الكتابات تنبه الأذهان، كان من الواجب على الحريصين  على سمعة الأزهر، والراغبين في الإصلاح الحقيقي أن يناقشوا  هذه الآراء.

ولا أدري لماذا يكره كثير من الأزهريين الكلام في إصلاح  الأزهر، أو النقد لما ينتجه الأزهريون من كتب، وما يطبعه  أبناؤه من مؤلفات، وما - يجمعونه أحيانًا - من الكتب  القديمة ويسمونه تجديدا؟

وطالما تردد في نفسي أن أكتب عن كتب أزهرية،  أو أشترك في المجادلات التي دارت وتدور حول إصلاح الأزهر،  أو أبدي رأيي في تخصص المادة بالذات، ولكن كان يمنعني  أن بعض الأزهريين يضيقون أشد الضيق بالصراحة والحق  فكنت أسكت على مضض، فلما كان مقال الأستاذ خفاجي  رأيت الفرصة سانحة لأن أجهر بحق طالما كتمته.

وقبل أن أخوض في الموضوع أحب أن يفهم الذين يعنيهم  هذا المقال أني لا أقصد الجميع، وإنما أقصد المجموع على حد تعبيرنا  الأزهري، وأن من بين الذين تخرجوا في تخصص المادة من هم  في الطليعة بين أساتذة، الأزهر وأني أحمل للجميع كل مودة  واحترام، ولكن لنستجيب مرة لصوت الحق.

وأعود إلى الموضوع فأقول: أما أن إعادة الدراسة في هذا  التخصص واجبة فلا ثم لا، وأما أن هذا التخصص أخفق في  أداء رسالته فنعم ثم نعم.

لقد فكر الشيخ المراغي عليه سحائب الرحمات في إنشاء  هذا التخصص، وكان يأمل أن يخرج منه أبو حنيفة في الرأي،

ومالك في الفقه، وعبد القاهر في البلاغة، وسيبويه في النحو. .  وهكذا، فلما حضر مناقشة الفرقة الأولى، ورأى ما هم عليه  اعتراه بعض الشك.

أما الرسائل التي يقول الأستاذ خفاجي أن فيها جهدا  كبيرا، وألوانا جديدة من البحث والتحليل، فيؤسفنا أن نقول  أن البلاغة العربية لا تزال كما قعدها السكاكي،  وأن النحو العربي لا يزال كما وضعه نحاة البصرة والكوفة في  القرنين الثاني والثالث، ونقول مثل ذلك في الفقه والأصول  والتفسير والحديث والكلام، وأن هذه الرسائل لم تضف مسألة  جديدة إلى العلم. نعم إن في بعض هذه الرسائل جهودا، ولكن  هذه الجهود ليست في الاجتهاد والإصلاح، ولكنها في الجمع  والتأليف، على أن الأستاذ خفاجي يضطرنا إلى أن نقول في هذا  الموضع: إن عالما أزهريا هو الآن في الكويت قد تنفس قلمه -  على ما يقال - عن كثير من هذه الرسائل بل أن بعض الرسائل  من وضع لجنة من الأساتذة، وليس لأصحابها فيها إلا وضع  أسمائهم الكريمة على غلافها. وإني لأقول عن يقين أن هذا القلم  الضعيف قد ألقيت عليه رسالة ليست في البلاغة ولا في الأدب  كما يمكن أن يفهم لأول وهلة، بل في الفقه. وليست في الفقه  الحنفي كما هو المنتظر، ولكنها في الفقه الشافعي. ولك أن تقدر،  وللقراء أن يحدسوا ماذا تكون رسالة ضاقت السبل على مؤلفها  الشافعي فلم يجد إلا حنيفا تخرج في كلية اللغة العربية ليلقي عليه  عبء إصلاحها، وإنشاء بعض فصولها!!

وأما أن الأساتذة الذين تخرجوا في هذا التخصص حملوا  بجدارة مناصب التدريس في كليات الأزهر ومعاهده فأمر يسأل  عنه الطلاب، وما أظن أن رأيهم يوافق الأستاذ خفاجي كثيرا،  بل ما أظنه يشرف. على إني أعتقد أن الأستاذ الفاضل لا يجهل  رأي الأساتذة الذين أشرفوا على الامتحانات في هذا التخصص،  وإن لم يقنع كلامي هذا صديقنا خفاجي فليرجع إلى التقريرات التي  كتبت في هذا الشأن، وسيحمد لي أني لم أطلب نشر تقرير

واحد منها.

وأعود فأقول إن من بين المتخرجين في هذا التخصص  من يفخر بهم الأزهر، ولكن مع قلتهم لم يكن نبوغهم وليد  الدراسة في هذا القسم، وإنما هي جهود شخصية، وظني أنهم  لو لم يضيعوا زهرة شبابهم في هذه الدراسة لكانوا أحسن مما هم.

ثم أقول: لو أراد رجال الأزهر أن يعيدوا الدراسات العليا  فيه، فليفكروا في كل شيء إلا أن يفكروا في إعادة تخصص  المادة. فانهم جميعا - بحمد الله - ممن يؤمنون بأن هذا التخصص،  لم يبلغ الآمال التي كانت ترجى من إنشائه، وأنه كان مضيعا لمن  درسوا فيه، وأن النفع منه كان قليلا بل أقل من القليل.

(وبعد) فلعلي أكون جهرت بكلمة يعرفها كل الأزهريين،  ويودون الجهر بها. ولعلي لا أكون أغضبت أصدقائي ممن درسوا  في هذا التخصص، فإني ما أريد إلا الخير والإصلاح والحق  والإنصاف، وقديما قال أرسطو لصاحبه: أنت صديقي والحق  صديقي، ولكن الحق أولى بصداقتي، وإني أعيد ما قلته آنفا:  إني أتكلم هنا عن الكثرة الغالبة، أما النوابغ فمكانهم محفوظ ،

ع.

اشترك في نشرتنا البريدية